أمريكا إلى الديكتاتورية

A+
A-
اعتقال محتجين ضد سياسة الهجرة في لوس انجلوس حزيران 2025  (شينخوا)

اعتقال محتجين ضد سياسة الهجرة في لوس انجلوس حزيران 2025 (شينخوا)

كنت أقلّب المذياع بحثاً عن واحدة من محطاتي المفضلّة التي تبث، على مدار اليوم، موسيقى كلاسيكية هادئة، تنقّي المزاج وتنظف الروح، كما قال أحد الكتاب، «من غبار الحياة اليومية». استوقفني صوت رجل يقول بكل ثقة، إن الحل الأمثل لمشاكل أمريكا السياسية والاجتماعية والاقتصادية هو، إنهاء العمل بالنظام الديمقراطي وتأسيس نظام شبه – ملكي على رأسه حاكم مطلق الصلاحيات، ويفضل أن يكون من أصحاب كبرى شركات التكنولوجيا الناجحة، في ما يسمّي وادي السيليكون. وأن هذا النظام هو الحل الأمثل لكل المجتمعات الغربية. وهو يرى أن رؤساء الولايات المتحدة جورج واشنطن، وإبراهام لنكولن وروزفلت، كانوا ديكتاتوريين وكانوا يديرون الحكومة كما تدار شركة من قمة الهرم، وبسلطات وصلاحيات واسعة.

ظننت، لأول وهلة، أنني كنت أستمع إلى لقاء مع كاتب ساخر، أو ممثل كوميدي، يعلّق على واقع الحال السريالي في بلاد العم سام. لكن اتضّح بعد دقائق أن البرنامج كان مناظرة جديّة بين شخصيتين، إحداهما إي غلين وايل، اقتصادي ليبرالي ما زال يؤمن بالقيم الديمقراطية، وبأن النظام الفدرالي الجمهوري، على علاته، ما يزال النظام الأنسب المجرّب والقابل للإصلاح، وأن البديل المُقترح سيكون مجتمعاً دستوبياً، يفاقم القسوة والعنف ويكبّد البشر خسائر باهظة. أما المناظر الآخر، فهو كرتس يارفن، الذي وصف بأنه رجل أعمال ومنّظر معاد للديمقراطية. واكتشفت بعدها أنه أحد الأسماء المهمة والمؤثرة في اليمين الرجعي الصاعدة أسهمه بوتيرة صاروخية. لا يؤمن يارفن بالمساواة أو العدالة الاجتماعية، بل يعتقد أن فكرة المساواة، وكل السياسات التي تحاول تحقيقها هي السبب وراء معظم مشاكل العالم. وأن البشر يندرجون في تراتبية، وأن النخب هي التي يجب أن تسيطر على العالم وتحكمه.

حين ذكّره مناظره، وايل، أنه كان قد دعا إلى فصل وعزل كل الذين يمكن تصنيفهم «غير منتجين»، والذين لا يدرّون ربحاً على الاقتصاد، عن بقية المجتمع ووضعهم تحت المراقبة، في ما يشبه معسكرات اعتقال، فلم ينكر يارفن البتة، بل أخذ يشرح. وهو يدعو إلى تدمير الجامعات وإلغائها لأنها عبارة عن حقول لإنتاج أفكار اليسار التقدميّة، وأنها، مع الصحافة المنظمات الخيرية وغير الربحية، تعيق عمل رجال الأعمال والرفاه الاقتصادي، وهي عماد النظام القديم الذي يجب قلبه. كما يدعو إلى إلغاء المدارس الحكومية وفكرة التعليم المجاني، وخصخصة كل شيء.

أكملتُ المناظرة إلى آخرها وأضفت، بذلك طبقة أخرى من الغبار المسموم إلى مزاج ذلك اليوم، وطبقة أخرى فوقها بالبحث عن سيرة الرجل وأفكاره، التي تجد صداها لدى الكثيرين في حكومة ترامب، وبين صفوف مؤيديه. بدأ يارفن الكتابة باسم مستعار في العقد الأول من هذا القرن، داعياً إلى إنهاء النظام الديمقراطي والدستور وحكم القانون، وتسليم البلاد إلى رجل قوي، يحول الحكومة إلى شركة رابحة مدجّجة بالسلاح. ويشبهها أحياناً بشركة عقارات هائلة، يجب أن تملك سيادة مطلقة. ونصح مواطنيه الأمريكيين في تدويناته، أنهم إذا كانوا يرغبون فعلاً في تغيير مجتمعهم، فعليهم التخلص مما سمّاه رُهاب الديكتاتورية. وحين أماط اللثام عن اسمه الحقيقي تبيّن أنه مهندس ومصمم برامج إلكترونية. وكان قد أسّس شركة «تيلون» التي كانت تهدف إلى «تصميم حاسوب أجمل» والجدير بالذكر، أن اسم الشركة مأخوذ من عنوان إحدى قصص بورخيس المبكرة «تيلون، أوكبار، أوربيس، تيرتيوس». وواحدة من ثيماتها هي سطوة الأفكار وقدرتها على اكتساب وجود مادي وحقيقة تفوق أصلها، وقدرة عالم خيالي أن يؤثر على العالم الحقيقي. نعم، الفاشيون يحبون الأدب أيضاً!

لا تخلو أفكار يارفن من عنصرية مقيتة، فهو يؤمن، مثلاً، أن البيض يتفوقون ذهنياً على السود، ويشترك في قراءته للحرب الأهلية الأمريكية مع غلاة العنصريين واليمينيين. فيقول إنها، بتحرير العبيد، لم تحسّن حياة السود البتة. ودليله على ذلك عدد السود المحررين الذين ماتوا بعد الحرب الأهلية ومذكراتهم التي كان بعض منها يصور الوضع الاقتصادي قبل الحرب الأهلية بشكل إيجابي. لا يميز يارفن بين نيلسون مانديلا، وآندريه بيرفك، فهما في قاموسه إرهابيان. الأول كان نظام جنوب افريقيا والولايات المتحدة قد وضعاه على قوائم الإرهاب، بسبب نضاله ضد نظام الفصل العنصري. ولم ترفع الولايات المتحدة اسمه من قائمة الإرهابيين إلا قبيّل زيارته إليها بعد إطلاق سراحه. أما الثاني، فهو من النازيين الجدد وارتكب أكبر هجوم إرهابي في تاريخ النرويج بقتل عشرات المدنيين.

بالإضافة إلى شرائح وجموع اليمين الفاشي والرجعي، فإن قائمة المعجبين بطروحات يارفن وبما يسمّى «التنوير الظلامي» تضم بعض كبار الرأسماليين وأصحاب شركات التكنولوجيا، مثل بيتر ثيل، الذي أخذ يقتبس أفكار يارفن في تصريحاته ومحاضراته. كما تضم سياسيين بارزين مثل مايكل أنتون الذي شغل منصب نائب مساعد الرئيس للاتصالات الاستراتيجية على مجلس الأمن القومي في ولاية ترامب الأولى ويشغل منذ بداية 2025 منصب مدير التخطيط السياسي في إدارة ترامب. يستأنس أنتون بآراء يارفن في اختيار المرشحين لمناصب في إدارة ترامب وكان قد استضافه في بودكاست ليتحدث عن استبدال الديكتاتورية بالديمقراطية. ومن المعجبين بأفكار يارفن نائب الرئيس فانس وترامب نفسه الذي بدأ بتطبيق مقترحاته بمهاجمة الجامعات والضغط عليها مادياً وقانونياً، وبإلغاء الكثير من البرامج الفدرالية، والذي كتب في تغريدة نشرها في فيراير من هذا العام «عاش الملك». مع أن سياق التغريدة كان القرار الذي اتخذه بإلغاء ضريبة كانت مدينة نيويورك قد فرضتها لتخفيف الزحام، إلا أنه يدل على أن أفكار يارفن قد وصلت إلى البيت الأبيض.

* شاعر وروائي ومترجم وأكاديمي عراقي. المقال منشور في "القدس العربي" وينشر في "الاتحاد" بالاتفاق مع الكاتب.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية