الجريمة والعنف: قراءة في وسط الواقع المعقّد

A+
A-
تظاهرة حاشدة أمام مكاتب الحكومة احتجاجا على تواطؤها مع الجريمة

تظاهرة حاشدة أمام مكاتب الحكومة احتجاجا على تواطؤها مع الجريمة

في ظلّ تصاعد غير مسبوق لظواهر الجريمة والعنف داخل المجتمع العربي في إسرائيل، يبرز المشهد كنتاج تركيبة معقّدة من السياسات الممنهجة، والإهمال المتعمّد، والتواطؤ المكشوف. جزء من الحل هو ان نحاول الإبحار في أبعاد هذه الأزمة المركّبة، دون تبسيط مخلّ أو تهويل مفرط، بل بقراءة نقدية تأخذ بالاعتبار كافة المستويات التي يتجسّد فيها هذا الواقع.

البعد الأول: هندسة الوعي وتكريس الفردانية

الوعي الإنساني يتكوّن غالبًا نتيجة للتجارب التي يعيشها الفرد، وهنا تتدخّل المؤسسة الإسرائيلية بشكل مباشر لصياغة تجربة المواطن العربي الفلسطيني بما يخدم مصالحها. فهذه المؤسسة تسعى بشكل واضح إلى تشكيل وعي يُكرّس الفردانية، ويُعلي من شأن المال السهل والسريع، ويروّج لفكرة أننا "مجتمع عنيف ومدمّر" بطبيعته، وأنّ "القوي" هو من يملك الأفضلية.

تُريد لنا أن نتناحر وننزلق في دوّامة اتهامات داخلية، أن نرفع أصابع الاتهام إلى أنفسنا، لنُغفل الطرف عن مسؤوليتها المباشرة فيما يجري من جرائم بشعة تقترفها أو تتغاضى عنها.

البعد الثاني: التواطؤ بين الشرطة ومنظمات الإجرام

المؤسسة لا تكتفي بالتقصير، بل تبدو وكأنها تُمارس دور الشريك، إن لم يكن الذائب كليًا، في منظمات الإجرام المنظم. المعطيات الرسمية تُفضح الحقيقة: ففي العام الماضي، من أصل 282 جريمة قتل في البلاد، كانت 224 منها من نصيب المجتمع العربي، رغم أنّنا لا نشكّل سوى 20% من السكان. والأسوأ، أنّ لوائح الاتهام لم تُقدَّم إلا في 18% فقط من هذه القضايا!
في المقابل, يذكر الكثير منا تجربة مدينة نتانيا في عام 2008, حيث واجهت ذات الأزمة ولكن الشرطة حينها قررت ان تضرب بيد من حديد وبالفعل في غضون اشهر معدودة بالكاد تصل العام, تم تفكيك غالبة منظمات الاجرام في نتانيا.

في أي دولة طبيعية، تكون الشرطة هي الجهة المسؤولة عن حماية المواطنين. فهل إسرائيل استثناء؟ الجواب، بكل وضوح، لا. لكن الشرطة لا تُبدي أدنى رغبة في أن تكون رادعًا حقيقيًا للمجرمين داخل المجتمع العربي.

البعد الثالث: مسارات الحل — ما بين النضال والتثقيف

يتناقل الناس اقتراحات عديدة — بعضها عاطفي، بعضها عقلاني، وأخرى نابعة من يأس حقيقي ورغبة في حلول فورية. ولكن، لا وجود لحلول سحرية. الحل الوحيد الممكن هو تراكمي، يبنى حجرًا فوق حجر، ومن يرفض هذا المسار لصالح وهم الحل الفوري، يُجهض فرص التقدّم.

المسار الأول والأهم هو تصعيد النضال ضد الشرطة والمؤسسة الحاكمة، باعتبارها المسؤول الأول عن هذا الواقع. ويجب أن يتم ذلك من خلال تعبئة جماهيرية طويلة الأمد، وتنظيم سلسلة تظاهرات مؤثرة، كالتجمّع أمام مراكز الشرطة، إغلاق شوارع مركزية، الإضرابات الموحدة، وضرب الاقتصاد الإسرائيلي.

هذا المسار يتطلب عملًا جماعيًا دؤوبًا. لقد خطت لجنة المتابعة، بقيادة الرفيق محمد بركة، خطوات كبيرة في هذا المجال، واليوم نحتاج إلى تصعيد أكبر، وحدة أوثق، أدوات جديدة، واستعداد تنظيمي أعلى.

المسار الثاني احتجاجي أيضًا، لكنه ثقافي بامتياز. فغياب الأطر الداعمة للشباب، وغياب القدوة والمحتضن الذي يفهم طبيعة المرحلة التي يمرّ بها هذا الجيل، يشكّل بيئة خصبة لتحوّل العنف إلى بوابة نحو عالم الجريمة. لذلك، فإنّ إنشاء النوادي والمساحات العامة، واستقطاب الجيل الشاب عبر المسرح، الفن، الموسيقى، والتربية، لن يُساهم فقط في كبح العنف، بل سيعزز الانتماء، ويُطلق شرارات الإبداع، ويُسهم في بناء مجتمع متماسك.

للأحزاب السياسية دور مهم في هذا المسار من خلال حركاتها الشبابية. فالشبيبة الشيوعية، على سبيل المثال، تؤدي دورًا رياديًا من خلال تنظيم الأعمال التطوعية، الورشات التثقيفية، الأمسيات الفنية، والمخيمات التربوية للأطفال.

ووجب التنويه, أن ازماتنا في هذا المجال هي أيضًا بسبب منظومة عنصرية تميز بين العربي واليهودي لا سيما في سلك التربية والتعليم.

 

البعد الرابع: نحن فلسطينيون... وهذه هي الجريمة

ثمة من يروّج، عن قصد أو غير قصد، لفكرة أن علينا التركيز فقط على "مشاكلنا الداخلية"، وكأنّ قضيّتنا القومية باتت لا وجود لها. ولكن الحقيقة هي أننا نُعاني من هذه الأزمات والتهميش الممنهج لأننا فلسطينيون اولًا وأخيرًا.

تسعى المؤسسة، عبر أدوات مختلفة، لإبادة كل ما هو فلسطيني في هذا البلاد: من الحرب والمجازر في غزة، إلى الاحتلال وعنف المستوطنين في الضفة، وصولًا إلى الجريمة المنظمة في المجتمع العربي.

لذا، فإنّ الفصل بين قضايانا اليومية والقضية الفلسطينية الكبرى هو وهم خطير. نحن جزء حي لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، وما نعيشه ليس إلا وجهًا آخر لنفس المشروع الاستعماري.


ما بين وعي مستهدف، ومؤسسة فاشية مجرمة، وحلول معقّدة، يبقى الأمل معقودًا على وعي جماعي ناضج، ونضال متصاعد، وثقافة حاضنة. علينا أن نعيد صياغة واقعنا بأدواتنا، ونعيد بناء مجتمعنا بإرادة لا تنكسر ونفس طويل, فنحن بحاجته.

لا يوجد لليأس مكان, فبوحدة الصف وتصويب الأعين على الهدف الصحيح, كل شيء ممكن.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية