هِيَ، والظّل الأزرق! قراءة في رواية رنين زيدان جروس

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

د. جودت عيد 

"ظلّ أزرق"، هو عنوان الرّواية الأولى للكاتبة رنين زيدان جروس، عنوان لافت ويدعو إلى التّساؤل، هل هناك لون للظّل؟ وما هي تداعيات الظّلّ الأزرق على أحداث وشخصيّات الرّواية؟ ولماذا "ظلّ أزرق"؟

تعتمد الرّواية محاكاة الواقع والحالة الافتراضيّة، والضّوء والظّلام كتقنيّة “كياروسكورو" التي نراها في الّلوحات الفنيّة بحيث يكون فيها الضّوء في نقطة واحدة، وباقي أجزاء الّلوحة مظلمة أو مظلّلة، فيخلق تباينًا بين النّور والظّلام، ما يسهم في تكوين الشّخصيّات بدقّة عالية.  برز هذا التّباين في لوحات عديدة في هذه الرّواية التي تعمّدت القاء الضّوء على الواقع والواقع الافتراضيّ الذي تعيشه امرأة، وعلى الحواريّة الدّائمة التي بينهما (الواقع والواقع الافتراضيّ) بشكل جذّاب ليشدّ القارئ كي يستمر في القراءة والبحث عن حلول للأسئلة التي تطرحها الكاتبة حول "سامي" الشّخصيّة الجدليّة في الرّواية و-"يافا" البطلة/ الرّاوية، لنتماهى معهما أو لا نتماهى، وفق قرار الكاتبة، التي استعملت حكايتهما لتعرض حكاية مجتمع ووجع امرأة.   

تقدّم الكاتبة مساحة لا تنتهي من الافتراضيّة والاستفهام حول كينونة الأرض، فتكون سرير الولادة، وتكون الجسد والبحر والحلم وكلّ شيء، لتنطلق من هذه القاعدة إلى مساحة الإمكانيّات الـ - لا متناهية من الاستفهام الفلسفيّ، "هل هناك حقيقة؟ وهل نحن فعلا كنّا، وكان ناس من حولنا؟" وهل نحن كتبنا قصصنا أم أن القصص كتبتنا؟ نجد في سياق الرّواية مواطن فلسفيّة كثيرة تعتمد الحكمة الحياتيّة والفكر العميق في كنه الأشياء والبديهيّات من حولنا، لتوفّر لنا الكاتبة بعدًا آخر للتّفكير في القضايا التي تشغلها. تعتمد الرّواية على الحسّ الشّعريّ والرومانسيّة، بتسلسل لافت يشدّ القارئ، ليتماهى مع الأحداث والشّخصيّات التي اختارتها، بالذّات الشّخصيّة المركزيّة/ الرّاوية "يافا" التي تدور حولها كلّ أحداث الحضور، والغياب، والاكتمال، والإحباط، والذّات، والتّخبط، والغضب، والفرح، والانطلاق، والواقع، والواقع الافتراضيّ، والتي تمثّل بدورها حكاية الكثيرات من النّساء في مستنقع مجتمع يحمل صفات موروثة ومكتسبة تضعه في مكانة القاضي الذي يحكم ويقرّر ويتصرّف وفق قواعده لتصبح جزءا من "المفهوم ضمنا" المجتمعيّ.

لم يشدّني، في بداية الرّواية المشهد الذي يصف دعوة المدير (سامر) لـ "يافا" للاستفسار والاطمئنان عنها لأنه يشعر بتقصير من جهتها. بدا الأمر مبتذلا وقسريًّا، لكن من جهة أخرى شكّلت مدخلا ذكيّا لسرد الأحداث، وربّما، عندما يصل القارئ إلى النّهاية يجد أنّ تلك البداية في مكتب المدير كانت متعمّدة وذكيّة. 

 

الّلغة الشّعريّة بارزة بشكل كبير. استعملت الكاتبة صياغات لغويّة بأسلوب شعريّ وعمق فكريّ، أمثلة من النّص: "... ألهذا لم يهدني أغنية أختبئُ فيها عند رحيله المحتَّم؟" "... سرق حذائي الشتويّ الطّويل، عندما خلدتُ إلى الشّوق باكرًا" استعمالات متميّزة تعكس قدرة كتابيّة، وحالة تكون بها الكلمة طيّعة لقلم الكاتبة. نجد في مشاهد الرّواية المختلفة وفي فصولها القصيرة، الكثير من التّشويق الذي يعتمد بشكل ذكيّ على الغموض والاستفهام، مثلا، موضوع ورقة النّعي، نجحت الكاتبة بالتّشويق، لتأخذنا إلى الرّوايات البوليسيّة والتّحقيق، وهذا أسلوب شائق يحفّز القارئ على البحث والاستنتاج لفهم الغموض الذي يكتنف الأحداث. وصف جذّاب آخر لسامي، الذي كان من الممكن أن يصبح حبيبها، لكن هذه الفانتازيا لم تكتمل: "... يضع بعض الخصل التي تتبعثر من شعره وراء أذنه بمعصمٍ يلفّه سوار من المطّاط الأسود ووشم من إكليل شوكٍ. من يلبس مطّاطًا في يده؟ ... من يلبس المطّاط في معصمه ليس عليه أن يثبت أيَّ شيءٍ لأيّ أَحدٍ". في مشهد آخر "... كلّ دقيقة تمرّ يدقّ الشّوق فيها، كلّ دقيقة تمرُّ يدقّ الحبّ فيها، كلّ دقيقة تمرّ يدقّ القلق فيها، كلّ دقيقة تمرّ يدقّ الغضب فيها... كلّ دقيقة تمرّ يدقّ الرّحيل فيها... كلّ دقيقة تمرّ يدقّ الفراق فيها..." بهذه الّلغة الجذّابة تصف علاقة حبّ افتراضية، تحكي الكثير عن واقع لا بدّ من التّعامل مع حضوره وسطوته، يتمحور حول مكانة المرأة وظلم المجتمع لها بكلّ حالاتها في فترات عمرها المختلفة كطفلة، كمراهقة، كبالغة، وكمتزوّجة.

ترتكز الرّواية على محاورَ عدة، الحالة الافتراضيّة، الزّمكانيّة الثقافيّة المجتمعيّة، الجندريّة، المشاكل الزوجيّة والاجتماعيّة، والتّنشئة، والفكر النّسويّ الذي يبرز بشكل كبير وهو محوريّ في كافّة الفصول، وحاضر في زوايا الرّواية الواضحة والمبطّنة.

الحالة الافتراضيّة. نجد التّعبير عن لهفة الّلقاء الفكريّ والجسديّ، وليس الافتراضيّ القسريّ، وشغف لحضور فعليّ يبني لذاته وطنا في قلب الآخر وجسده وفكره. تقول "يافا": "لا أصدّق! سألتقي بسامي وجهًا لوجه، يبدو أنّه حقيقيّ فعلًا في نهاية الأمر! كيف سأقفز بين ذراعَيْه أمام أعين النّاس التي ما زالت تضمّني لذراعيّ جليل (زوج يافا)!"، مع ذلك نجد فلسفة رائعة، في الفصل الثّامن والثّلاثين، في خضم التّخبط والضّياع والبحث في الفراغ عن "سامي"، العلاقة الافتراضيّة، "... كلّنا نقوم بتلوين الفراغات، كيان تلوّن فراغ أبيها بالدّمية، مَيْسان لوّنت فراغ زوجها بالصّلاة... عمّتي زيزي قطبت رقعة من فراغ شقيقها بالزّواج من مسنّ حقير، أنا ملأتُ فراغ أمّي باللّبنة والزّيت، وفراغ سامي ... مسكينة يا يافا؛ يبدو أنّك أكثر من انهمك ببناء وجودٍ في الفراغ! "، ويختلط الواقع بالواقع الافتراضيّ!

الذّكاء في النّصوص والاستعمالات اللغويّة لوصف مواقف محرجة، أمثلة، "الباب مفتوح على عطرها الآتي من الممرّ... تتفاجأ بوجودي واقفةً هناك كفزّاعةٍ تخيف الغربان في سهل الخيار لعمّو عيسى الذي كنّا نقصده صيفًا"، صورة تعكس قدرة الكاتبة الوصفيّة للتّفاصيل، وتضعنا، في سياق السّرد، في مدارات الحيرة والاستفسار لحلّ الغموض، فتشركنا بشكل متعمّد، بسلاسة وبحكمة وبحيرة بريئة وبتشفّع "عدْتُ إلى سامي. أين اختفى؟"، مما يجعلنا نميل لأن نكون إلى جانبها في متاهة البحث، وطرح احتمالات قد يفكر بها القارئ.

اختيار الشّخصيات، واختيار المواقف، والّلغة الرمزيّة تعكس أيضًا، ذكاء الكاتبة. في حواريّة الذّات مع الذّات وحواريّة الذّات مع المجتمع والمجتمع مع المجتمع، تستعمل مهارات كتابيّة لتجعل النّص مثيرًا وغريبًا وقريبًا منك ولافتًا ومحفّزًا للقراءة أكثر، لتذهب في رحلة تفرضها الكاتبة للبحث عن هويّة "حبيبها" الافتراضيّ والخوض بمطبّات مجتمعيّة من الدّرجة الأولى في التّعامل مع المرأة، وتعامل المرأة مع ذاتها بشكل موضوعيّ، وأحيانا بشكل لاذع وناقد. نجد نصًّا جريئًا وتلقائيًّا ومندفعًا في مواطن عديدة، دون الاكتراث إلى كمّ المعلومات الّذي ترغب الكاتبة بمشاركته مع القارئ في كلّ فصل. الصّور الفنّية في الفصول المختلفة تعكس نضوجًا فكريًّا لدى الكاتبة، "بهذا المنطق الفوضويّ مدّ سامي ذراعيه من جبال الروكي إلى الكرمل واحتضنني فأرخيت مرسى زورقي يومها عند شمس الاستسلام..." نجد تعبيرًا صريحًا كما في كلّ حالة حبّ لرغبة التّملّك والاحساس بالكيان والحضور.

توظّف الكاتبة رموزا من الثّقافة المسيحيّة، تتماهى مع سياق النّص بشكل طبيعيّ وغير مبتذل، نرى الحضور الرّوحي بشكل بارز في عدّة فصول في الرّواية، أمثلة، "هل سأتخلّص يومًا ما من تلك المسامير في يومي الثّالث" "لقد دقّني سامي صليًبا دون أن أدرك..." "هل سيأتي اليوم الثّالث؟" ترمز إلى قيامة السيد المسيح "... هذا هو اليوم الذي يخرج به حبّنا من قبر الشّاشة" كما ورد في تراتيل الفصح "هذا هو اليوم الذي صنعه الرّب". من تراتيل الجمعة العظيمة في فصل آخر، "تعلو ترنيمة من الطّابق السّفليّ في العمارة.. وا حبيبي.. وا حبيبي.. أيّ حالٍ أنت فيه؟" لتعتمد ثقافة الصّلب والقيامة، وتضيف الكاتبة في موضع آخر: "أقبّل بمخيّلتي صورة لمريم العذراء في ثوبها الأزرق مع طفلها، صليب خشبيّ ليسوع المسيح المصلوب، صورة لمريم العذراء ومار يوسف مع طفلهما المولود في المذوّد تلتفّ حوله المواشي".

زمكانيّة وطن وثقافة المكان، نجد استعمالًا مكثّفًا لأمكنة في الوطن وفي العالم ليعكس مدى اتّساع تجربة الكاتبة وآفاقها، نجد زمكانيّة فلسطينيّة وإسرائيليّة وعالميّة، مثلا، "سهل الخيار عند عمو سامي" "يافا" "القبّة البهائية"، "تل أبيب"، "بحر حيفا"، "شارع اللنبي"، “طبريا"، “الجليل"، "جادة بن غوريون"، " دكّان في النّاصرة "، "طفلة خيام في كانون" "حي الألمانيّة"، أمثلة لافتة في هذا السّياق، "... شديد الحضور كثلجٍ ثقيلٍ يهبطُ على نوافذ كاتدرائية نوتردام"، "من لم يقع في حبّ حيفا لم يقع في الحبّ أبدًا”.  نشعر بحضور وجغرافيا المكان بشكل رومانسيّ لافت، "... ماذا أقول له عن حيفا! لقد وقعتُ في الحبّ فيها في جامعتها، ورقصتُ فيها بين أزّقّتها...”، نص يخاطبني شخصيًّا، أتماهى مع النّص وأحبُّ حيفا بكلّ معالمها.

حضور الحسّ الوطنيّ، من خلال استعمال أسماء الشّخصيات مثل يافا، جليل، كيان، وتشدّد في عدد من المواقف على البعد الوطنيّ الّذي تتحلّى به، والتّناقض الموجود في الحالة المجتمعيّة الفكريّة بينها وبين تفكير زوجها (جليل)، الذي يمثّل شريحة كبيرة من المجتمع، المنتفعة والبعيدة عن المفاهيم الوطنيّة، والقريبة من الانتهازيّة والبعد الشخصيّ في المصلحة الخاصّة.

النّسويّة والجندريّة، تعتمد الرّواية هذا المنحى، ليكون، حسب رأيي، العامود المركزيّ الذي تدور حوله أحداث الرّواية، فتطرح قضيّة المرأة ومكانتها الاجتماعيّة، والمواقف التي تواجهها في الحياة الزوجيّة والمجتمع، والاجحاف والتّعامل السّيء مع المرأة. أحيانا، تعرض الرّواية الموضوع بعمق واسهاب وفي أحيان أخرى تعرضها بشكل مقتضب ولم أجد سببًا لذلك، لكن، بكلّ الأحوال، يبقى للقارئ التّفكير الحرّ في مساحة من أسئلة تنقله إلى مشهد آخر، وهذا تكرّر في الانتقال بين الفصول بجرأة وذكاء. تأخذ الكاتبة دور وكيل تنشئة اجتماعيّة وتغيير مجتمعيّ، بالذّات حين تعطي رأيها في وضعيّة ما، مثلا، "... في أَغلب الأحيان، إن لم يكن في كلِّها، ما يُشاع دومًا يَظلم المرأة وينصِف الرّجُل ويبرِّئه". لتقف أمام مجتمع يظلم المرأة ويفضّل الرّجل، أمثلة، "تحكُم المباراة فتاة، تقوم بدورها كما يفعل زملاؤها..." "يصرخ شابّ: يلّا يلّا، ارجعي عالمطبخ، غاد أحسنْلِك!" جميع الحضور يضحك، والنّساء كذلك..." "...أنا عارف ليش النساوين بيجوا لهون!"، "يقولها بقَرَفٍ وكأنَّهُ يقول "الجرذان"، أو "الدّيدان"، أو "الزّانيات"!" تبرز فوقيّة الرّجل وتلمّح إلى تذويت النّساء أيضا للأدوار النّمطيّة. تفكير "يافا" يتماهى مع تفكير العديد من النّساء، بالقلق على ابنتها "كيان"، "... تعليقات الأولاد عليها في فريق كرة القدم لأَنّها الفتاة الوحيدة" فتجد نفسها محامي الدّفاع لتوضّح للمدرّب، ولكل النّاس، "... هناك اختلافٌ بين كيان وبقيّة الأولاد. ليس عليك أن تناديها بصيغة المذكّر كي تمسح الفروق بينهم، هي لا تختلف عنهم في لعب الكرة لكن ليس عليك تحويلها إلى صبيٍّ... كيان فتاة وأرجو أن تناديها بصيغة المؤنّث، عليك أن تفهم أنّها تُدعى كيان، وليست حَسَن ولا صبيّ "، وتضيف موقفًا واضحًا لترفض البديهيّات التي يتعاطاها المجتمع وتتمرّد على الثّوابت الجندريّة في المجتمع، "من قالَ إنَّ الأنوثة محصورة في محيط الجينز الضيّق، ومن قالَ إنَّ الأنوثة جسد! أن تكوني أنثى يعني أن تكوني أنتِ، أن تحبّي ذاتك لأجل ما أنت، أن تكوني ما لا يريدون لكِ أن تكوني"، تجسيدٌ قويّ آخر للفكر النّسوي والحضور المتميز للمرأة. ترفض التّعامل الذّكوريّ والفكر النّمطيّ، "كلام رومانسيّ، كم يليق بكنّ أنتنّ النّساء!" تساءلتُ في ذاتي، في أيّ جزء تكمن الشّتيمة في كلامه؟ الرّومانسيّة أم النّساء!" حواريّة تعرض جانبًا من الصّراع الأزليّ بين الرّجل والمرأة في الجدليّة الجندريّة.  في نفس المنحى، تتوجّه برؤية فلسفيّة لحبيبها الافتراضيّ "سامي" ومن خلاله تتوجّه إلى كلّ الرّجال "أنت لا تحبّني إنّما تحّب انتصاراتك بي... أنت تحّب الفكرة التي بنيتها عنّي، الصّورة التي تدقّها في مخيّلتك، فأكون من صنعك. أنتَ تحبّ ما أجعلك تشعر أنّك هو، أو ما تعتقد أنّي أجعلك كذلك". البعد الفوقيّ لذكوريّة المجتمع يتماشى ويتعارض مع البعد النّسويّ في آن واحد، "زواج "جليل" بي ماركة أُخرى من الماركات التي يستهلكها وصورة مثاليّة بتوقيع الرّأسمالية الذّكوريَّة. لا يهمُّ إن كانت ذكيّة، والأفضل ألّا تكون، ويظهر على حقائبها وأحذيتها ثراء زوجها..."، "رغم أنّي حاولتُ أن أُبعِد عن ذهني فكرة أنّي تمثال لعرض الملابس وراء الزّجاج، إلّا أنّي أسمعُ صوت حديد السّلاسل يلتفّ حول رسغي..."، "يوما ما سأتمكّن من قول"لا" عندما لا أريد".  رائع!

 التّضحية من جهة المرأة، ومدى تسلّط الرّجل بما يتعلّق بقضيّة تطرحها من خلال حلم صديقتها "ميسان" التي أحبّت الرّقص وحلمت بأن تحلّق من خلاله. توضح معاناة "ميسان" من زواج مركّب فيه الخيانة والتّحقير للمرأة وأيضا تلمّح إلى تذويت المرأة لهذه الثّوابت رغم كونها الضّحية، "نحن النّساء بالذّات، رضعن لوم الذّات، التّنازل، التّضحية!" ولذلك هناك دور كبير للتّنشئة الاجتماعيّة الجندريّة، الّتي تفرز سلوكيّات وشخصيّات وثوابت فكريّة، يتناقلها النّساء والرّجال كجزء من الإرث الفكريّ للمجتمع، "لامت مَيْسان ذاتها لأنّها لم تنجب ولدًا ذكرًا..." تصل الكاتبة إلى ذروة الغضب ووصف انتهاك واستباحة مساحة وحريّة المرأة اليوميّة من خلال التّنشئة الجندريّة، "...قُتلت (صديقتها ميسان) لأنّه حين وُلدِت قالوا لأمِّها "الله بيعوّض"، "قُتلت لأنّ لعبته كانت البندقيّة والدبّابة، ولعبتها الباربي... قُتلت لأنّه تعوّدَ أن تسكب له أخته الصّغرى الطعام، وأن يكونَ وصيًّا على أخته التي تكبره بسنين سبع..."، تلك صرخة "ميسان" وصرخة كل امرأة، وصرخة الكاتبة التي تنجح في عرض موضوع الظّلم بحقّ المرأة بطريقة ذكيّة تلخّص مبادئ التّنشئة الجندريّة منذ الطّفولة.

ما بين الرّجولة والأنوثة/ ما بين الصّداقة والحياة الزّوجيّة، تقول الكاتبة كلمتها حول كنه العلاقة الزّوجيّة بشكل واضح وبفكر فلسفيّ عميق، "... ليس على الزّواج أن يكون قفصًا ذهبيًّا، يمكنه أن يكون حريّة غير باهظة الثّمن لكنّها أثمن ما في الوجود. حريّة لا يطوّقها سور الزّواج العظيم..."، وعن الزّواج كحلٍّ للوحدة، تقول على لسان صديقة "يافا" اليهوديّة "نينيت"، "...أليس هناك نساءٌ متزوّجاتٌ وحيداتٌ؟! ليست الوحدة بعدم تواجد النّاس حولك، بل هي عدم وجود من يفهمك...". تصف العلاقة الزّوجيّة في حالاتها الكثيرة، "شعرتُ أنَّنا كوكبان غريبان، لا شيء يربط بيننا، "كيان" فقط الّتي كانت تجمّع قطع أحجية ظلالنا..."، "... إنّ الكواكب تلتقي بأجسادها رغم التّنافر. هكذا تُطفأ الشُّهب وهكذا تولد الهجرة في الموانئ" وصف رائع، نجده في كلّ فصل مع فلسفة وبعد جذاب يجسّد معنى أن تكون الكلمة طيّعة في وجدان الكاتبة وبين يديها. في الفصل الثّاني عشر، مثلا، الّذي تخصّصه لطرح فكرة الصّداقة بين رجل وامرأة، بين "يافا" وزميلها في العمل "هيثم" الّتي تعتمد زمالة واحترام دون علاقة عاطفيّة أو جسديّة، بالرّغم من عدم استطاعة المجتمع الذّكوريّ تقبّل هذا النّوع من العلاقات. أبرزت الكاتبة بعدًا نسويًّا صريحا يعكس احساسها، "لأنّك رجل، لأنّك تُرى كما يجب أن تُرى. لأنّه ليس هناك كوكبان على صدرك، لأنّك حين تمشي لا تغدو تضادًّا؛ لا يُجَزَّأ جسدُك إلى أعضاء شهيّة...". "أحيانًا أشعر أنّي غير مرئيّة... لا انعكاس لي في المرآة، لوني بلون الماء. سئمتُ الانتظار في قسم العتمة...". كما في كلّ موقع في الرّواية، تتطرّق الكاتبة إلى تداعيات الانتهاك الدّائم للمرأة وهناك الكثير من الغضب، والاستفهام والرّفض، وتطلّ بإطلالات سريعة لتكشف حالات من استباحة جسد المرأة والتّحرش الجنسيّ بالأطفال من قِبل الكبار، ومن قبل أفراد من داخل العائلة أو أصدقاء العائلة.

المجتمع والعنف والموت، تذكر الكاتبة، في مشاهد عديدة، فلسفة الموت والحياة "... خائفةٌ عليها من أن يسحبها الموت منّي في أرض الموت. الزّهور والبخور يملآن المكان، كدعوةٍ لإعادة الموتى إلى الحياة، يأتي الجميع حاملين الورود إلى المقبرة، تمشي غيمتي قبلي بتعرّج الطّريق بين الأضرحة"، "...الموت يسع الميّت، لكنّ الميّت لا يسع الموت أبدًا"، "وصلت قبر مَيْسان، ما أطول الطّريق إلى قبرك! لن يقصر بعد اليوم، كطريقي أنا وسامي... أتأمّل وجهها المصلوب على ضريحها... كيف يمكن للموت أن يجرف من ذاكرتنا ملامح من نحبّ؟!". في وصف مقتل ابن عاملة النّظافة في الشّركة، "لسنا نسأل عن ذنب الأطفال الّتي تتساقط بعد، ولا عن النّساء الّتي تمرّ بمجازر الصّمت، نسأل عن برودنا العجيب وموتنا الحيّ الذي أخذناه عن قرار لنقتل أنفسنا، لننتحر أمام غول العنف" جانب آخر من جوانب الهمّ المجتمعيّ الذي تحمله الكاتبة وهو العنف والقتل الذي يطال الأبرياء ويدخل ساحات البيوت ويقتحم سكينة المنازل. نجد الكثير من الموت الجسديّ والنفسيّ والذاتيّ والشخصيّ والافتراضيّ في هذه الرّواية، وطرق التّعامل مع أنواعه الّتي قد تفسّر كنه الحياة!

فصول الرّواية قصيرة بعض الشّيء، والانتقال من فصل إلى آخر، هو عمل مقلق وشائق في آن واحد، أحيانا يشدّك وأحيانا، يجعلك تفكّر أكثر في قصد الكاتبة وهدفها، ضمن تساؤلات أكبر تتركها لنا الكاتبة حول هذه الحواريّة بين الواقع والافتراضيّة، حول الحقيقة والنّفاق، الخطيئة والطّهر، الخيانة والالتزام، حول حواريّة الذّات مع الذّات، والرّوح مع الرّوح، وتداعيات القضايا الاجتماعيّة والإنسانيّة والجندريّة التي تنبشها الكاتبة بعمد ممنهج على طول السّرديّة في الرّواية.

البحث عن سامي؟ وكأن البحث توقّف للحظة خلال الرّواية؟! من هو سامي فعلا؟ ماذا يمثّل؟ بالذّات وأنّ الكاتبة استطاعت، بذكاء، من خلال البحث عن سامي، أن تعرض فكرتها وقضيّتها وأفكارها، والاجحاف المجتمعيّ تجاه المرأة. هل ستجد سامي؟ هل الحالة الافتراضيّة تعتمد الواقع؟ وهل الواقع اليوم هو واقع افتراضيّ بكلّ الحالات؟

فكر ناضج وثوريّ، وقلم جذّاب نجدهما في رواية مثيرة وجديرة بالقراءة.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية