من الأحد إلى الخميس: مفاوضات تُنهك الأمل وتُبقي غزة رهينة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

منذ أشهر، تحوّل الأسبوع الفلسطيني في غزة إلى تقويم تفاوضي. تبدأ فيه جولة جديدة من محاولات التوصل إلى هدنة كل يوم أحد، ومع كل أحد، نترقّب "بارقة أمل". نُمنّي النفس بأن يكون هذا الأسبوع مختلفًا، أن تُفضي المفاوضات إلى هدنة، إلى انفراجة، إلى وقفٍ مؤقت لنزيف الدم.
 لكن المشهد غالبًا ما ينتهي بخيبة أمل مساء الخميس. بين التصريحات المتفائلة في البداية، والاتهامات المتبادلة في نهايتها، تُستهلك أرواح الناس، أعمارهم، طاقتهم، وأملهم في الحياة.

في كل أحد، يتشبث الناس في غزة بأمل جديد. فربما تكون هذه الجولة هي من ستنقذ أطفالهم، أو هذه المبادرة من ستمنع مجزرة أخرى. تحبس العائلات أنفاسها، ويتابع الفلسطينيون التصريحات القادمة من عواصم العالم: من القاهرة إلى الدوحة، ومن تل أبيب إلى واشنطن. مفاوضون، وسطاء، مسؤولون أمنيون، وبرلمانيون يتنقّلون، يحملون المقترحات، يعيدون صياغتها، يسربون الأخبار، ويبنون التفاؤل ببطء.
 يتجدّد الحديث عن وسطاء جدد، عن تقارُب محتمل، عن "صيغة" قابلة للتمرير. تعود كلمات مثل "مرونة"، "تنازلات"، و"مقترحات جديدة" إلى الواجهة، وكأن الأمل منتج إعلامي يُضَخّ عبر نشرات الأخبار.

لكن ما إن يحلّ ظهر الخميس، حتى يتكرر المشهد ذاته: كل طرف يتحدث عن "المرونة" التي قدّمها، ويلقي باللوم على "الطرف الآخر" الذي أفشل المساعي، انسحب، أو أصرّ على شروط تعجيزية.
 يعود الجميع إلى المربّع الأول. يخرج المتحدثون الرسميون واحدًا تلو الآخر ليعلنوا: "الطرف الآخر أفشل المفاوضات". وكأنها طقوس أسبوعية مقدّسة.
 بين الأحد والخميس، تعيش غزة على حافة الرجاء، ثم تُلقى مجددًا في جحيم الحرب.

ويُقال للفلسطينيين من جديد: انتظروا للأسبوع المقبل. هناك وساطة جديدة، أو ورقة قيد البحث، أو مسودة تُقرب وجهات النظر.

لكن هذه ليست دبلوماسية باردة. إنها مقامرة على أرواح الناس، على أعمارهم، على طاقاتهم النفسية، وعلى ما تبقى لديهم من أمل.
 التجويع لم يعد فقط سياسة ممنهجة تُمارَس عبر المعابر والسيطرة على المساعدات، بل بات أيضًا تجويعًا للأمل، للكرامة، للطمأنينة.
 وكأنّ أهل غزة مطالبون بالصبر أسبوعًا تلو الآخر، بانتظار أن يتفق "الكبار" على إنقاذهم.

ومع كل أسبوع من المفاوضات، يفقد المزيد من الناس أعزاءهم، منازلهم، أطرافهم، وصحتهم النفسية.
 يُحرَمون من الكهرباء، من الماء، من الطعام، من التعليم، من النوم، ومن القدرة على تخيّل أن هناك مستقبلًا آخر ممكنًا.
 التجويع ممنهج. الاستنزاف متواصل. والمجتمع الدولي يكتفي بالمراقبة والانتظار.

هذه الهدن التي لا تأتي ليست مجرد مسائل سياسية أو تفاوضية. بل هي آليات لإطالة الكارثة، لإبقاء غزة رهينة تجاذبات المصالح والأولويات الدولية.
 الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يظل رهينة لجولات مكوكية لا تنتهي.
 لا يمكن أن تُدار هذه الحرب على أجساد وأرواح الناس وكأنها مباراة شطرنج.

دماء الناس ليست وقودًا لاستعراضات سياسية.
 والمطلوب اليوم ليس صبرًا إضافيًا من الغزيين، بل إرادة سياسية دولية حقيقية، ضاغطة، تفرض وقفًا فوريًا للحرب.
 لا يمكن ترك مليوني إنسان رهائن لجولات تفاوض تُستأنف وتُفشل على إيقاع المزاودات والتصريحات العدائية.

المطلوب تدخل دولي حاسم، ليس فقط من منطلق إنساني، بل من منطلق أخلاقي وقانوني.
 لا يجوز أن تبقى حياة أكثر من مليوني إنسان معلّقة بجدول مفاوضات عقيم، لا يتقدّم إلا خطوة إلى الأمام، وثلاثًا إلى الخلف.

آن الأوان لإنهاء هذه الحرب. آن الأوان لوضع حد لهذه اللعبة القاتلة، التي تُدار من الأحد إلى الخميس، وتدفع كلفتها من دماء أهل غزة.

وإن لم يتحقق ذلك، فسيبقى الواقع المؤلم على حاله:
 من الأحد إلى الخميس، تموت غزة بصمتٍ مدروس، ومن الجمعة إلى السبت، لا يبقى سوى الحداد.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية