رحل عنا رفيقنا العريق العزيز الغالي، قسطندي جرجورة، أبو منهل، وهو يرى شعبه غارقا في بحر دماء حرب الإبادة والتهجير والتجويع، كحلقة أخرى، وهي الأقسى منذ العام 1948، في مسيرة شعبنا الفلسطيني؛ وفي هذا الجانب، يكون قد رحل هذا المناضل الصادق الأصيل، وفي قلبه غصة على شعبه، الذي ناضل لأجله طوال حياته.
انضم قسطندي جرجورة إلى صفوف الشبيبة الشيوعية، في أوائل سنوات الخمسين من القرن الماضي، وهذا ليس انضمامًا عاديًا، فقد كانت تلك الأيام تحت حراب الحكم العسكري، الذي كان يستهدف الوطنيين، وفي صفوفهم الأولى الشيوعيين، وكان الانضمام للحزب الشيوعي، أو حتى الاقتراب منه، سببًا للملاحقات والتضييقات، وحتى الفصل من العمل، كحال عشرات المعلمين، إن لم يكن أكثر، وإغلاق أبواب عمل في وجوههم.
إلا أن فقيدنا الراحل، مع معرفته بكل هذه الأثمان، انخرط شابًا ناشطًا بارزًا، ليكون لاحقا، في أول أيار 1958، من أبطال تلك الانتفاضة التي خاضها الشيوعيون ضد الحكم العسكري في الناصرة، ثم أم الفحم، لكن الملاحقات كانت في طول البلاد وعرضها، وهو ممن بقوا يحملون الرواية، حتى يومه الأخير.
إلى جانب معرفتي المباشرة برفيقي أبو منهل، لكن مع السنين زاد عليها علاقته المميزة، مع والد زوجتي، ورفيقي الغالي الراحل ألبير عاقلة، أبو مرشد، وكلاهما من أبطال أيار 1958، والعلاقة بينهما كانت مجبولة بذكريات أيام النضال العنيد الجميلة، في صفوف الشبيبة الشيوعية والحزب، فعرفت أكثر فأكثر عن أبو منهل، مما كان يرويه أبو مرشد..
عرفناه الانسان الدمث الطيب الهادئ، صاحب الابتسامة الجميلة، مع الموقف الصلب الرصين، فهو طوال عمره المديد، لم يخطئ اتجاه البوصلة، وبقي على الدرب، رغم كل الهزّات المحلية والقطرية والعامة، وهي ليست قليلة، فقد ثبت على نهج المناضلين الأوفياء لشعبهم ومجتمعهم، قابضا على جمرة النضال، والموقف السليم، واضح المعالم، وأنشأ، سوية مع شريكة حياته، أم منهل، متمنين لها العمر المديد، عائلة ومن ثم أحفاد، على الدرب ذاته.
أبو منهل لم يغب يومًا عن الحياة السياسية، بمختلف نشاطاتها.
وفي هذا تميّز أبو منهل في إجابته على أحد أسئلة الحياة: أن الحياة ليست بما ورثت، بل بما أورثت، والقصد هنا ميراث القيم الانسانية، على صعيد المجتمع والشعب والعائلة، وقد أورث هذا العامل الكادح، ما يجعلنا نعتز به، نموذجا صادق المواقف، حتى يوم رحيله الأخير.
قبل أربع سنوات من هذه الأيام، كنا في أوج عملية إحصاء داخلي لحزبنا الشيوعي، ومن أكثر ما دبّ فينا الحرارة، حينما كنّا نتسلم نماذج إحصاء تحمل اسم الرفيق الجد والحفيد حامل اسمه، وكان لدينا عدة حالات محليا وقطريا، ومن بينها قسطندي جرجورة وحفيده قسطة.
فقد رحل قسطندي جرجورة، أبو منهل، عن الدنيا، زارعا في الأرض طيبا، وإرثا وطنيا كفاحيا تقدميا، ومن أجمل ما ترك لنا في مسيرتنا، نحن كحزب وجبهة، حفيده حامل اسمه، قائدا شبابيًا واعدًا، ليكمل الطريق، ولتنطبق في هذه الحالة، حرفيا، ما قاله سميح القاسم:
راية جيل يمضي، وهو يهز الجيل القادم، قاومت فقاوم..
ذكرى قسطندي جرجورة، الجد، ستبقى حاضرة معنا في مسيرتنا الطويلة، وسنذكره في العديد من المحطات، وفي اليوم الذي أحب من كل عام، أول أيار، يوم العمال العالمي.
قسطندي جرجورة يليق به ما نقوله لأمثاله من رفاقه ورفيقاته المناضلين الراحلين:
من الورد إلى الورد تعود
(كلمة الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية في تأبين الشيوعي العريق قسطندي جرجورة، 3 تشرين الأول 2025)







.png)


.jpeg)



.png)

