نتنياهو يعد بـ"احتلال كامل" لغزة فماذا يقصد؟

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

ماذا يقصد نتنياهو عندما يتحدث عن "احتلال كامل لغزة؟. أقترح أن نأخذ كلامه بجدية، تماماً كما اعتقدت منذ بداية الحرب أنه يجب أخذ خطط الترحيل والاستيطان على محمل الجد، حتى وإن بدت حينها كأنها وهم وجنون. لهذه الخطط أساس متين. هناك حرب مستمرة منذ عقود بين إسرائيل وسكان أكبر مخيم لاجئين بقي هنا بعد عام 1948؛ كانت هناك محاولات، لا تحصى، لإفراغ القطاع من سكانه؛ وغزة احتُلت عام 1956، وعندما احتُلت مجدداً عام 1967 كان هناك إجماع سياسي من أقصى اليمين إلى جميع أطياف اليسار الصهيوني على ضم القطاع إلى دولة إسرائيل. حركة المستوطنين هي خارس الذاكرة المحرجة في الحركة الصهيونية.

فما معنى "الاحتلال الكامل" لغزة؟ كم مرة يمكن هزيمة حماس؟ وما هو أصلاً "تحقيق الحسم" أو "النصر المطلق" الذي يتحدثون عنه منذ البداية؟

ما تعلمته من المؤرخ المتخصص بالاستعمار الهولندي فوسلينغ، وهو رجل واقعي (وأنا أقتبس من الذاكرة، لذلك قد أضيف من رأيي)، هو أن الحروب الاستعمارية لا بداية لها ولا نهاية. فهي لا تبدأ بإعلانات حرب ولا تنتهي فعلياً في احتفالات رسمية. فكّروا فيها لا كقصة لها بداية ونهاية، بل كعملية مستمرة يُقتل فيها الناس ويفقدون منازلهم حتى في أوقات "السلام"، ويستمر كثيرون في التعرض للقتل والإصابة وفقدان منازلهم حتى بعد "نهاية الحرب".

الحرب الاستعمارية هي عملية اجتماعية عنيفة لا يمكن تصنيفها كـ"حرب" ولا كـ"سلام" بالمعنى المألوف: يمكن خوضها بالجرافات، ويمكن الاستيطان بالدبابات. هذا لا يعني أنه لا توجد فترات هدنة، ولكن العملية المتواصلة يمكن أن تنزلق في أي لحظة إلى تصعيد. في هذه الحروب هناك توقفات جزئية، لكنها لا تنتهي. وعندما تتصاعد وتنفجر، فإن أولئك الذين لا يدفعون عادة ثمنها يستيقظون من سباتهم ليكتشفوا أن الحرب كانت تتغلغل ومستمرة طوال الوقت.

في الحرب الاستعمارية، ليس من السهل القول من هو العدو بالضبط. أحياناً لا يوجد عدو – ومع ذلك هناك دائماً عدو، أعداء كُثر. لا يوجد عدو، لأن الحرب الاستعمارية تُشن في الحقيقة ليس ضد مؤسسات وقيادات أو سياساتها – بل ضد الشعب المحتل بأسره؛ الحرب شاملة وغالباً ما تدمر مؤسسات قيادة السكان المحليين (ولذلك ليس من السهل معرفة مع من يمكن إبرام اتفاق في النهاية).

من جهة أخرى، صحيح أنه ليس من السهل تحديد من هو العدو الذي يجب هزيمته، لكن هناك أعداء بلا نهاية. كل فرد من الأفراد المحتلين هو عدو محتمل. العدو في الحرب الاستعمارية الطويلة التي تخوضها إسرائيل هو الشعب الفلسطيني، وفي الساحات المختلفة تُدار الحرب بطرق مختلفة، وفق شبكة القيود المتغيرة وبما يتوافق مع الفرص المتاحة.

عندما يقول نتنياهو "احتلال كامل" لغزة فهو يعلن أن النية هي القتال "حتى النهاية" – ليس حتى الانتخابات المقبلة، بل حتى آخر فلسطيني، حتى آخر طفل. ما مصيرهم؟ كل ما اقترحه هامان الشرير في سفر أستير: "الإبادة والقتل والهلاك".

هل سيتحقق التهديد؟ نتمنى ألا يحدث. لكن النية جدية تماماً، وأقوى كتلة سياسية في إسرائيل – حركة الاستيطان – تقف خلفه، ومعها أيضاً أجزاء كبيرة من قيادة الجيش.

فضد من سيحاربون؟ إذا لم يكن هناك حماس، هناك الجهاد الإسلامي؛ إذا لم يكن هناك جهاد إسلامي، هناك حركات الغوار؛ إذا لم توجد هذه هناك حجارة، بصق، سكاكين؛ هناك ما يكفي من العداء لإبقاء النار مشتعلة، نار أبدية.

"الاحتلال الكامل" لغزة يعني معسكرات جيش ودوريات و"نقاط تمركز أمنية" وأيضاً مستوطنات "عادية". كل ما يلزم. "الاحتلال الكامل" سيخلق ضحايا من بين الجنود والمستوطنين – ودانييلا فايس بالفعل تهيئهم لدورهم القادم: كل قتيل وكل جريح يهودي سيستدعي "الانتقام" و"الردع" و"الأمن" ويبرر استمرار حرب الإبادة. وفق التجربة المتراكمة في الضفة الغربية (وأيضاً في غزة سابقاً) – هذا يجري بشكل ممتاز. المستوطنون، أبناء "الشعب المتفوق"، سيتحولون إلى "سكان"، وأمنهم سيكون دائماً في خطر ويبرر حرباً أبدية. حتى الجرافة التالية.

النصر التام، الاحتلال الكامل – بلغة بسيطة: حرب إبادة، حرب أبدية. ما يعنيه ذلك للفلسطينيين/ات واضح منذ زمن. ما يعنيه ذلك للإسرائيليين/ات هو أننا جميعاً رهائن، رهائن في يد آلة الحرب – لأجيال.

لا تريدون ذلك؟ تمرّدوا. لنبدأ بتحديث اللافتات. ليس كافياً المطالبة بـ"إنهاء الحرب". بل:
■■■ الانسحاب من غزة.
■■■ الانسحاب الفوري.
وإذا أردتم: فليسقط الاحتلال!

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية