التعليم قاطرة للتحرير

A+
A-
في الصورة الملتقطة يوم 2 يناير 2024، أطفال يلعبون كرة القدم حفاة الأقدام في مدرسة بمخيم المغازي للاجئين بوسط قطاع غزة. (شينخوا)

في الصورة الملتقطة يوم 2 يناير 2024، أطفال يلعبون كرة القدم حفاة الأقدام في مدرسة بمخيم المغازي للاجئين بوسط قطاع غزة. (شينخوا)

ختمت المقال السابق بالسؤال: وماذا عن التعليم؟ وعنه أقول: إذا صح القول أن التعليم قاطرة التقدم؛ الاقتصادي، الاجتماعي، الحضاري.. الخ، فهل يصح القول لشعبنا، لِفصائلنا، لِأحزابنا، لِسلطتنا أن التعليم هو قاطرة التحرير؟

عن الشق الأول من السؤال قدمت تطبيقات برامج العديد من الدول فيضا من البراهين على صحته.

أما لمحاولة الإجابة على الشق الثاني فاسمحوا التذكير بالتالي:

1- أن دول شمال وغرب أوروبا الاستعمارية كانت قد رأت، قبل نشأة الحركة الصهيونية بزمن طويل، أن حل القضية اليهودية التي كانت تقض مضاجع أوروبا، يتم من خلال نقل وتجميع اليهود في بلد يغدو وطنا لهم. وطن يتم اقتطاعه من بلد يتيح الحال الحضاري لأصحابه الأصليين عملية الاقتطاع هذه. ولأن مثل هذا العامل، التخلف الحضاري، متوفر في بلدان المستعمرات، كان ذلك الفيض من عروض إنشاء وطن قومي لليهود في الأرجنتين، في اندونيسيا، في البرازيل، في الكونغو، في أوغندا، في قبرص، في سيناء … الخ. كل ذلك حصل قبل أن يستقر الخيار على فلسطين التي كانت جزءا من أملاك الإمبراطورية العثمانية، وتنعم بِتخلف حضاري يسود باقي أملاك هذه الإمبراطورية.

 2 - أن أجنحة صهيونية سارعت إلى الاستيطان في فلسطين، وقبل نشأة الصهيونية الرسمية بعقود، بغرض قطع الطريق على المشاريع الاستعمارية السالفة الذكر. وكنت قد كتبت تحت عنوان رجل ذو بصيرة أن النشاط الاستيطاني الصهيوني في فلسطين قد دفع بقامة صحفية وفكرية بحجم جورجي زيدان، مؤسس وصاحب دار الهلال المصرية، منشئ ومحرر مجلة الهلال، مؤلف الفتوحات العربية في صورة قصصية روائية، وفي أربع وعشرين قصة طويلة أو رواية، أن النشاط الاستيطاني قد دفع به للقدوم إلى فلسطين، والوقوف شخصيا على طبيعة هذا النشاط، والتثبت من حقيقة الأطماع الصهيونية، وأخيرا اجتلاء مصير فلسطين. وصل جورجي زيدان فلسطين العثمانية في صيف العام 1913، أي قبل نشوب الحرب العالمية الأولى بسنة، وقبل سايكس - بيكو بثلاث سنوات، ووعد بلفور بأربع سنوات. جال في المدن والمستوطنات اليهودية، وفي المدن والريف الفلسطيني، واطلع على جوانب الحياة عند الطرفين. أولى التعليم اهتماما خاصا. وبعد عودته لمصر كتب في مجلة الهلال خلاصة رؤيته. فيها ركز الانتباه فالاهتمام على المفارقة الكبرى المتمثلة في التعليم العصري عند اليهود، ونظيره شديد التخلف، كما في سائر الأملاك العثمانية، عند الفلسطينيين. لفت الانتباه إلى حقيقة صادمة وهي أن الجماعة اليهودية البالغ تعدادها 78 ألفا آنذاك، والتي وصلت فلسطين في موجتي هجرة، تدير دولة داخل الدولة العثمانية. استخلص أن الجماعة الصهيونية، في حال أن استمر الحال على ما هو عليه، ستستولي على فلسطين أيا كانت الدولة الحاكمة عثمانية، بريطانية، أو فرنسية، وأيا كان عنف أو سلامية المقاومة الفلسطينية.

3 - كما كنت قد أشرت إلى كتيب أصدره المفكر القومي العروبي قسطنطين زريق في آب العام 48 تحت عنوان " معنى النكبة ". نبهت إلى أن زريق أنجز الكتيب مع بداية الحرب العربية الإسرائيلية التي كانت نتائجها لم تتضح بعد، وأنه استند إلى وقائع الحرب الفلسطينية الصهيونية التي أسفرت عن تطهير كامل للوجود الفلسطيني في الجزء المخصص للدولة اليهودية من قرار التقسيم. كتب زريق: "إن ما أحرزه صهيويون من نصر - ولن ينكر ذا النصر إلا متغافل متعامي - ليس مرده تفوق قوم على قوم بل تميز نظام على نظام. سببه أن جذور الصهيونية متأصلة في الحياة الغربية الحديثة بينما أننا نحن لا نزال في الأغلب بعيدين عن هذه الحياة متنكرين لها. سببه أنهم يعيشون في الحاضر والمستقبل في حين أننا ما زلنا نحلم أحلام الماضي ونخدر أنفسنا بِمجده الغابر".

4- وفي كتابي "وحدث أن نجوت"، وهو كتاب لسيرتي الذاتية، أوليت اهتماما خاصا لمسار تطور التعليم في قريتي عارورة وجارتها شقيقتها مزارع النوباني، كنموذج لمئات قرى الريف الفلسطيني. أوضحت أن نظام الكتاتيب، بنهجه التلقيني واصل التربع على كرسي التعليم حتى أواخر ثلاثينات القرن الماضي، وإلى أن استبدله الانتداب البريطاني بنظام المدرسة الحديثة. ولأنني وجيلي كنا من أوائل المستفيدين من هذا التطور، وبدوري غدوت معلما، لفتُّ الانتباه إلى أن الانتداب البريطاني، بعد إقراره لمكونات النظام الجديد الإدارية، التربوية، القانونية، المناهج، المعلمين، البيئة التعليمية،و البناء المدرسي.. الخ، كلف مفكرين، مثقفين ومتعلمين فلسطينيين، بتأليف الكتب المدرسية، وحيث كان الإبداع سمة أغلبيتهم. وكان علي أن أعترف أنني، كواحد من أبناء جيلي، أحمل تقديرا عظيما، إجلالا وامتنانا غير محدودين لِلأديبين الكبيرين خليل السكاكيني وإسعاف النشاشيبي على إِبداعهما العظيم في كتب مناهج اللغة العربية، وحيث بعض أوجه هذا الإبداع ما زالت ترافقني إلى يومي هذا.

5- واصل النظام الأردني وريث الانتداب البريطاني مسيرة تطوير التعليم، بالرغم من شح إمكانياته المالية آنذاك. بداية طور ضمان حق المواطن في التعليم الابتدائي الذي كان قد أقره الانتداب، إلى ضمان حقه في التعليم الثانوي. تطبيق هذا الحق تطلب تطويرا هائلا في البناء المدرسي، وفي الكادر التعليمي والإداري. وعلى العموم واصلت عملية التطوير السير آنذاك في مسارها الصاعد، بالرغم من بطئها، طيلة الحقبة الأردنية. قطع الاحتلال هذه المسيرة التي، حسب تقديري كمعلم أثناءها، عجزتْ عن اللحاق بمسيرة التعليم المعاصر في إسرائيل. أكثر من ذلك واصلت المسافة بين النظامين الاتساع لصالح إسرائيل، ولدرجة رسوخ القناعة عند نخب واسعة من مُثقفينا ومُتعلمينا بانتفاء أي إمكانية لجسر ولو جزء ضئيل من المسافة الفاصلة بين النظامين. وأظن أن ذلك يفسر جانبا من الاحتقار الذي يكنه طيف من القوى الثورية لمطلب تطوير التعليم ومن ثم الدخول إلى حقل التنافس فيه مع العدو الإسرائيلي.

 6 - ثم كان أن أيلول الأسود قد ألقى بظلاله الكئيبة على مسيرة التعليم، محولا إياها من الصعود البطيء الثابت إلى الهبوط السريع والمتواصل.كان أن النظام الأردني قد تحالف مع الإخوان المسلمين، وحيث سلم وزارتي التربية والتعليم والأوقاف لِلقطب الإخواني محمد إسحق الفرحان الذي كان قد واصل صعوده الوظيفي في دائرة المناهج التعليمية. لم يبدأ التحول بشطب الفرحان لحصة الفلسفة اليتيمة والمقررة للثالث الثانوي الأدبي. ولم يقف التحول عند حد شطب نظرية داروين من مِنهاج الأحياء، أو شطب حصة علم الاجتماع من الثاني والثالث الأدبي، أو تحويل العلوم الطبيعية الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، الجيولوجيا، الفلك إلى كماليات و ديكور تجميلي للعملية التعليمية. كما لم يقف عند حد إسراع الاحتلال لتطبيق التغييرات الأردنية على مدارس الضفة، بحجة الالتزام بالمعاهدات الدولية الخاصة بهذا الشأن. تعدى كل ذلك إلى تفعيل اعتماد نهج التلقين، وإنتاج عقل متلقي فردي وجمعي غير فاعل بذاته وغير قادر على الفرز بين الحب والزوان في أمور الدنيا كما في أمور الدين. وَلتمرير كل ذلك كانت بدعة إلهاء الجمهور بعلامة امتحان الثانوية العامة، والتي غدت غاية ومطمحاً تقام لها الأفراح والليالي الملاح و إطلاق وابل المفرقعات.

7 - وأظن أننا جميعا، بعد أوسلو وتدفق جموع العائدين، قد حدانا الأمل بأن طريق الهبوط هذا قد وصل إلى نهايته، وأن معاودة الصعود قد حانت. ذلك لأننا، ولأول مرة في تاريخنا القريب والبعيد، بتنا نُمسك بمقاليد تعليمنا، تقدمِنا وتأخرنا. ولأنه يرسب في قعر ذاكرتنا، أننا وقد بتنا نملك طبقة واسعة ومتنوعة من أصحاب الكفاءات والشهادات العليا، سنعيد أمجاد واضعي كتب مناهجنا في حقبة الانتداب، بإبداع يتجاوز إبداع هؤلاء الأفذاذ الكبار بمراحل. إبداع لا يؤهلنا فقط لبدء مسيرة التنافس مع عدونا في حقل التعليم، و يؤهلنا ليس فقط لجسر المسافة الفاصلة بيننا وبينه، بل و للفوز بمعركة التنافس هذه. ثم كان أن حلت لحظة الحقيقة المرة والمحملة بخيبة أمل ثقيلة.ذلك أن سلطتنا الرشيدة، تنظيماتنا، أحزابنا، و فصائلنا الثورية، قد اختارت مواصلة رحلة الهبوط بديلا لِتكلف مشقة بدء رحلة الصعود. عذرها أنها ربما اكتفت بهذا الإنجاز الهائل، المعمار المبهر للبناء المدرسي الذي غطى كل بقعة في أرضنا الحبيبة، والذي ينطبق عليه مثلنا الشعبي، من بره رخام ومن جوه سخام.  

وماذا بعد؟

هل آتي بجديد إن قلت أن هبوط التعليم هو المسؤول عن تعمق وتجذر ثقافة القطيع؟ عن توسع سطحية التفكير فيما نواجه ونعيش؟ عن خيباتنا المتلاحقة، وعن هذا الفساد السائد في مجتمعنا كله قبل سلطتنا ونظم الحكم السائدة عندنا؟ هل آتي بجديد إن قلت أن قاعدتنا التعليمية لا تؤهل نخبنا على تنوعها للتمييز بين ما ينفع قضيتنا وبين ما يلحق الضرر بها؟ إن قلت أن تجذر ثقافة القطيع لا تحرر وطنا ولا ترفع عنا ضيما؟ سأقول بديلا عن كل ذلك، أننا على بعد خطوات قليلة من بدء إعادة إعمار غزة. قطاع التعليم، من الروضة إلى الجامعة، واحد من القطاعات التي تحتاج لبدء إعادة الإعمار ومن الصفر. هل فكرنا أن إعادة الإعمار هنا تتجاوز إعادة بناء هياكل مؤسسات التعليم بكثير؟ وأن أمر إعادة الإعمار هذه لا يترك للمخططين من غير الفلسطينيين، حيث من المفترض أن الأخيرين هم الأدرى بِشعابهم التي هي توفير الاحتياجات اللازمة للنهوض بالتعليم؟ لكن، ولأن المقال طال كثيرا، سأختصر الكلام بالقول وكمثال فقط، أنه لو كان لي رأي لعملتُ جاهدا على أن تشمل إعادة إعمار المدارس الثانوية العلمية على بناء قاعات لمختبرات العلوم الطبيعية. لبدأت، ومن الآن، رحلة البحث عن مزودين لأِدوات ومواد هذه المختبرات، وعن مؤهلين للمشرفين عليها. ولبدأتُ، ومن الآن، رحلة البحث عن متبرعين لاحتياجات مدارس صناعية عصرية، والقائمة تطول وتطول.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية