"إسرائيل هي أكبر حاملة طائرات أمريكية لا يمكن إغراقها في العالم. وهي لا تحمل حتى جندياً أمريكياً واحداً على متنها في منطقة مهمة للأمن القومي الأمريكي» (ألكساندر هيغ، وزير خارجية الولايات المتحدة).
يصدر الإمبراطور النرجسيّ في واشنطن أوامره بقصف إيران بعد أن فشلت خطط الحليف المسعور والمدلّل، إسرائيل، في إحراز نصر سريع. وعلى الرغم من الجدال في بعض أوساط اليمين الأمريكي، وحتى في صفوف غلاة مؤيدي ترامب ودعاة الانعزال، من رافعي شعار «أمريكا أولاً»، حول حكمة قرار كهذا، وإذا ما كان يصب بمصلحة البلاد، أو يضرّ بها، فإن قصف وتدمير بلاد البرابرة البعيدة عن روما غالباً ما يلاقى بترحيب وتهليل، وبموافقة ودعم نسبة لا بأس بها من الكثير من الأمريكيين.
يجب ألا ننسى كل أولئك الليبراليين والديمقراطيين الذين انضموا إلى خصومهم على اليمين، ودعموا غزو واحتلال العراق. انظر مثلاً مقالة ديفيد ريمنك، الليبرالي جداً، رئيس تحرير «ذا نيويوركر» العريقة في 2003. وكالعادة، يقوم عموم الإعلام الأمريكي السائد بواجبه في شرعنة السياسة الأمريكية و«تصنيع القبول»، على حد تعبير تشومسكي في كتابه الشهير. نعم، هناك وسائل ومنصّات مستقلّة واستثناءات، لكن التوجّه العام واضح.
وفي سياق إيران، يتوفّر أرشيف ثقافي وسياسي ضخم وجاهز سلفاً، يسهّل آليات الشيطنة واستعاراتها وتبرير الحرب، عماده استشراق متجذّر وراسخ ورُهاب الإسلام، الذي أضيف إليه الكثير منذ أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران وما بعدها، والذي تضخّم بشكل مهول بعد الحادي عشر من سبتمبر، ورسوخ خطاب الحرب ضد الإرهاب. تُختزل في هذا الخطاب الشعوب وشرائحها وتواريخها وبناها المعقّدة (ويُمحى تورط أمريكا في دعم الطغاة الذين اضطهدوها لعقود) بصورة قائد معمّم وجموع تهتف له وبالموت لأمريكا. في سياق حرب 2003 تكرّرت لقطة تظهر صدام حسين وهو يطلق الرصاص من على المنصة ويحيي الجموع مئات المرّات. لكن ضرب إيران ليس هدفاً جديداً البتة. أثناء الحملة الرئاسية الأمريكية عام 2007، سُئِل المرشح الجمهوري السيناتور جون ماكين، عن احتمالات القيام بعمل عسكري ضد إيران، فما كان منه إلا أن يحوّر واحدة من الأغنيات الشهيرة لفريق «بيج بويز» ليدندن «اقصفوا اقصفوا إيران!» ويضحك هو والجمهور! والذريعة الجاهزة هي الخطر المحدق وهو امتلاك أسلحة خطيرة. مع أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي استخدمت الأسلحة النووية في العصر الحديث، ضد اليابان. لكن الإيمان بحق البعض، دون غيرهم، بامتلاك هذه الأسلحة، ينبع من عقيدة تفوّق حضاري وعرقي. أثناء الاستعداد والتهييج الجمعي لشن الحرب ضد العراق رددت وسائل الإعلام بببغائية (أو غوبلزيّة، نسبة إلى غوبلز، وزير الدعاية النازي) أسطورة امتلاك العراق للأسلحة الكيميائية وحتى النووية. في سبتمبر 2002 قالت كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي في إدارة بوش الابن، إن العراق كان قريباً جداً، وأقرب مما كان يُظن، من امتلاك أسلحة نووية في 1991. وحذّرت من مغبة انتظار الدليل الدامغ على امتلاك صدّام أسلحة الدمار الشامل، لأن الدليل الدامغ قد يكون «سحابة نووية». وساهمت جريدة «نيويورك تايمز» وغيرها في نشر تقارير كاذبة، وفي ترديد خطاب الحكومة.
ما كان المرء بحاجة لأن يكون محللاً أو خبيراً ليشكّك بسردية مفادها أن دولة قُصفت وأعيدت إلى ما قبل العصر الصناعي في 1991 بتعبير وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، جيمس بيكر، وفُرِضت عليها أقسى عقوبات اقتصادية في العصر الحديث لسنوات طويلة أنهكت اقتصادها، يمكن لها أن تنتج أسلحة دمار شامل. لكن الأيديولوجيا تفعل فعلها. بعدها بسنوات، أصبحت قصّة امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل نكتة في واشنطن، نكتة رددها جورج بوش نفسه في العشاء السنوي للصحافيين في واشنطن وضحك الحضور من الصحافيين الذين ساهموا في الترويج للكذبة، ضحكات الحضارة التي تنضح بربرية ودماً.
ليس من الصعب إقناع أهل روما بضرورة قصف البرابرة بين حين وآخر. أثناء فترة حكم ترامب الأولى وقرارات منع دخول المسلمين من بلدان معينة إلى الولايات المتحدة، سئل الناخبون الجمهوريون في استطلاع للرأي إذا كانوا يدعمون قصف «أگربا». ووافق 30% منهم على قصفها. ولن يجد المرء «أگربا» هذه على أي خريطة، فهي مدينة خيالية من فيلم الأطفال «علاء الدين 1992». أعد الفيلم وأنتج قبيل وأثناء حرب الخليج عام 1991 وكان اسم المدينة في الفيلم بغداد، التي كانت الولايات المتحدة قد قصفتها لأسابيع، فقرر أحد المخرجين تغيير الاسم بخلط الحروف.
مثلما تحول الهدف المعلن للحرب الأمريكية ضد العراق في 2003 من تخليص العالم من خطر أسلحة الدمار الشامل، إلى نشر الديمقراطية، و«بناء الدولة»، وبعدها محاربة الإرهاب (الإرهاب الذي أنتج الغزو تربة خصبة لنموه ولاستقطابه)، فقد تحول الخطاب الإسرائيلي خلال أيام، من ضربة استباقية لمنع إيران من إنتاج قنبلة نووية إلى إضعاف وإسقاط النظام. وتُظهر الدولة القاصفة في حروب كهذه، فجأة، اهتماماً استثنائياً وموقتاً بمصالح ومستقبل الشعب المقصوف. وتُستدعى وتبرز شرائح معارِضة، لكنها موالية لأعداء وطنها، لتهلّل للحرب (خير مثال هو البهلوان رضا بهلوي، الحالم باستعادة عرش الوالد). لكن هناك من المعارضين والمعارضات الذين ناضلوا وعانوا، لكنهم يقفون بلا تردد ضد العدوان الإسرائيلي-الأمريكي.
كتبت الروائية الإيرانية، سحر دليجاني، صاحبة «أطفال شجرة الجاكاراندا»، على إنستغرام أبلغ ما يمكن أن يقال في هذا السياق: «ولدتُ في سجن إيراني.. وليس هناك ما يمكن أن تقولوه عن جرائم النظام الإيراني مما لم أعشه بدمي وعظامي. لا يعني ذلك أنني أريد لشعبي أن يُقصف ويشوّه ويقتل وأن تدمر بيوتهم. إذا كانت رؤيتكم للحرية لا تأتي إلا عبر تدمير الحيوات البريئة، فأنتم لا تبحثون عن الحرية».
وهناك في الإقليم من يختزل الشعب الإيراني بملايينه في صورة وشخص خامنئي، أو النظام الإيراني، وسياساته وسجلّه في المنطقة. فيهلّل للتنّين الصهيوني أو يبرر جرائمه، وهو ينفث نيرانه شرقاً، بالتنسيق مع أمريكا، ويحرق ويدمّر ويقتل. أهي شماتة؟ حقارة؟ أم استغباء؟
لا تحرّر الشعوبَ حروبٌ تشنّها قوى إباديّة استعمارية، وامبراطورية تدعم طغاة المنطقة، لا يأتي التغيير الحقيقي من خارج الوطن، بل من داخله. تغيير يصنعه أبناؤه وبناته، وبدون حرب تدمّر البنى التحتيّة والمؤسسات، التي هي ملك الشعب في نهاية المطاف، وتدخل البلاد في دوّامة الفوضى والتمزّق. من المؤسف أن يضطر المرء لكتابة هذه الجمل، مرة أخرى، بعد أكثر من عقدين. تُشَنُّ هذه الحرب ضد إيران تحت لافتة السلاح النووي، لكن الهدف الحقيقي هو رغبة الولايات المتحدة وحلفائها ووكلائها بإكمال تغيير الخريطة الجغراسياسية للمنطقة كليّاً، استعداداً للمواجهة الكبرى المعقّدة مع الصين. وقد صدق المستشار الألماني ميرتز، حين قال بصراحة ووقاحة أثناء قمة الدول الصناعيّة: إن إسرائيل «تقوم بالعمل القذر بالنيابة عنّا جميعاً».
**شاعر وروائي ومترجم وأكاديمي عراقي. المقال منشور في "القدس العربي" وينشر هنا بالاتفاق مع الكاتب.







.png)


.jpeg)



.png)

