مشهد وداع السيدة فيروز لابنها زياد، خلف نظّارة سوداء، أبكى الملايين، ليس فقط لأنه يختصر فاجعة أمّ في لحظة خسارة، بل لأنه يحمل كلّ ذلك الصمت الثقيل الذي لا تصفه الكلمات.
خلف تلك النظارة السوداء، وقفت أيضًا آلاف الأمهات الفلسطينيات هذا العام. أمهات فقدن أبناءهن في غزة والضفة، ولم يُتح لهنّ أن يحزنَّ بهذه الرصانة، أو أن يودّعن أبناءهن أمام الكاميرات، أو أن يسمع العالم وجعهنّ.
الأم الفلسطينية لا تبكي "دمعتين ووردة" فقط، كما كتب محمود درويش في قصيدته الشهيرة التي غناها مارسيل خليفة:
"أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها، فعاد مستشهداً، فبكت دمعتين ووردة..."
بل تبكي العمر كله. تبكي على جثمان بلا ملامح، على قبر لم يُحفر، على غائب لا يعود، وعلى حلم كبر مع الأبناء ودفن معهم.
أمهات فلسطين لم يبكين فقط أبناءهن، بل بكين الحلم الذي لم يتحقق. حلم أن يكبر الأبناء في وطن لا يُقصف، أن يعود اللاجئون، أن تُفتح الحقول للزراعة لا للمقابر، أن يعيش الجيل القادم ما لم يعشه الآباء. ولكن الحلم ظلّ مؤجلاً، والوجع تكرّر.
في كل حيّ في غزة، في كل بلدة في الضفة، وفي المخيمات، هناك أمّ تقف في الظلّ، تحضن صورة، أو قميصًا، أو كوفية، وتحاول أن تبقي الذاكرة حيّة. تلك الأمهات لسنَ موضوعًا إخباريًا، ولا حكاية عابرة. إنهنّ الوطن الحقيقي الذي لا يُهزم، حتى في عزّ الانكسار.
فيروز في وداع زياد، بدت كأنها تنتمي إليهنّ، إلى كلّ أم انتظرت ابنها فعاد مستشهدًا، أو لم يعد أبدًا. إلى كلّ امرأة ما زالت تؤمن أن الوطن يستحق الحياة، ولو مات في سبيله أولادها.
اليوم، لا نرثي زياد فقط، بل نستعيد من خلال وداعه حكاية أمهات فلسطين... اللواتي أنجبن الحلم، وخسرن من حملوه، قبل أن يروه يتحقّق. ورغم أن كثيرًا من الأحلام والقصص التي حملتها تلك الأمهات في قلوبهنّ لم تكتمل، وربما لن تكتمل قريبًا، ورغم أن كثيرًا منها دُفن مع الأبناء تحت الأنقاض أو على أرصفة الانتظار، فإن الأم الفلسطينية لا زالت تقف. لا كشاهدٍ على الخسارة فحسب، بل كرمزٍ للكفاح الذي لا ينكسر، للمقاومة التي لا تُروى فقط بالبندقية بل بالصبر، وبالإيمان، وبحياة تُربّى على الحلم حتى لو لم يأتِ.
هي الأم التي تصنع من الغياب حضورًا، ومن الموت معنى، ومن الخذلان عزيمة. في وجه الليل الطويل، تبقى الأم الفلسطينية ضوءًا لا ينطفئ.
.png)





.png)


.jpeg)



.png)

