أنتجت الحرب التي ما زالت مستعرة على شعبنا في غزة الكثير من التساؤلات، والكثير من الضبابية حول المستقبل وآفاق الحلول الممكنة للقضية الأساسية التي تشكل السبب الرئيسي للصراع في منطقة الشرق الاوسط قاطبة، وهي القضية الفلسطينية.
ولا شك أنه في ظل ما سببته هذه الحرب التدميرية ونسبة التوحش فيها من دمار أكثر من 75% من المجتمع الحضري والمدني في قطاع غزة، تصبح الأسئلة المطروحة لحل الصراع أكثر صعوبة وأكثر تعقيدا، وخصوصًا في ظل حالة اليأس التي أنتجتها هذه الحرب من إمكانية الحل، اي حل، والاهم هو حالة التوحش الاستعماري من قبل إسرائيل ورغبتها في ترسيخ وجودها العسكري في المنطقة، وكذلك التوسع وضم مناطق جديدة اليها ان كان على حساب الأرض السورية، وإن كان في توسيع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة وارتفاع الأصوات التي تدعو الى ضم الضفة الغربية المحتلة رسميا الى إسرائيل.
وانطلاقا من هذه الحالة الراهنة فإن محاولات البحث عن حلول اخرى للقضية الفلسطينية تعطي الطرف الاسرائيلي جائزة الانتصار في حربه البشعة هذه، وخاصة عندما تكون الحلول المطروحة تستثني الحق الأساسي والبديهي والمشروع وهو الحق في تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة.
ولهذا فإن أي اقتراح يتجاوز هذا الحق - مهما بلغ حسن النوايا خلفه - يعتبر فعلا انتصارا لإسرائيل ولحروبها على الشعب الفلسطيني، لأن المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة ما زالت حتى هذه اللحظة تخطط لممارسة الترانسفير ضد الشعب الفلسطيني في غزة. واقتراح "المنطقة الانسانية" التي يقترحها كاتس، وزير "الأمن" الإسرائيلي يندرج ضمن هذا المخطط، الذي يتوافق مع جريمة ترامب بحق الشعب الفلسطيني عندما دعا إلى عملية التهجير.
ولكي يكون بالإمكان افشال هذا المخطط وكافة المخططات الاخرى لا بد من التأكيد والنضال مجددا وبصوت أقوى وأشد وأكثر وضوحا على حل الدولتين، الذي لا يزال يستند الى كافة التشريعات القانونية والشرعية الدولية، وفي صلبها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة. وفي مقدمة هذه القرارات قرار التقسيم الذي نص على إقامة دولتين، وبما أنه جرى تطبيق نصف هذا القرار بإقامة دولة اسرائيل، فلم يبق سوى تطبيق نصفه الآخر وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وقد وافق الشعب الفلسطيني وقيادته التاريخية على اقامة هذه الدولة في حدود الرابع من حزيران عام 1967 .
قد يكون هناك من يعتبر هذا الأمر ضربًا من العبث والنفخ في روح أصبحت خارج دائرة الحياة، ولكن الواقع يؤكد ان هذا الحل هو الأكثر واقعية والأكثر قابلية للتطبيق بفضل الصمود الاسطوري للشعب الفلسطيني اولا، لأنه الحل الذي يضمن الحق الفلسطيني في تقرير المصير مقابل عدم واقعية الحلول الأخرى وعدم ضمانها لهذا الحق ثانيا.
والسؤال الآخر الذي يُسأل هل في ظل هذه الحرب ونتائجها: هل هناك امكانية لهذا الحل؟
وهل الحالتان الاسرائيلية والفلسطينية تسمحان بذلك؟
من المؤكد أن المصلحة الفلسطينية بكل الاحوال تسعى لذلك نظرا للمعاناة الكبيرة التي يعاني منها الشعب الفلسطيني والثمن الباهظ الذي يدفعه في سبيل حقه في تقرير المصير.
أما الحالة الاسرائيلية وخصوصًا في ظل حالة الشعور بالقوة والعظمة، فهي لا تتعجل حتى التفكير في أي حل سلمي للقضية الفلسطينية، بل بالعكس، هناك من يحلم ويخطط اعادة الاستيطان في غزة، مثلما تفعل عضو الكنيست من اليمين الفاشي ليمور سون هار ميلخ وتسفي سوكان اللذان ينظمان لوبي لإعادة الاستيطان الى غزة، حيث سيعقدان الجلسة الاولى في مبنى الكنيست في 22 الشهر الجاري.
ومن ناحية ثانية خلقت هذه الحرب حالة أخرى، يجب الانتباه اليها جيدا، وهي الحركة المناهضة للحرب والتي بدأت بأعداد قليلة ومن قبل الحزب الشيوعي والجبهة اللذين نظما اول تظاهرة ضد الحرب في 18\11\2023، ويواصلان مناهضة ومقاومة هذه الحرب حتى الآن.
لقد تطورت هذه الحركة المناهضة للحرب كثيرا منذ ذلك الوقت وتشمل الآن العديد من قوى السلام والاحتجاج ضمن "شراكة السلام"، وهي شراكة يهودية عربية، تقود هذه المعركة ببوصلة سياسية واضحة، ليس فقط بالمطالبة بوقف الحرب وانهاء ملف الاسرى والمختطفين بل بوضوح الموقف من حل القضية الفلسطينية المبني على أساس حل الدولتين.
هذا الوضوح في الموقف السياسي لهذه الشراكة العربية اليهودية هو الأرضية الصلبة التي عليها يجب إدارة المعركة الاساسية من اجل السلام الاسرائيلي الفلسطيني على اساس حل الدولتين ومن اجل المساواة القومية والمدنية للجماهير العربية، هذه الشراكة التي تبنى من خلال الكفاح الميداني ضد الحرب وضد كافة أشكال التنكيل الفاشي الذي يمارس ضدنا كأقلية قومية وبالأساس حقنا في الوجود وحقنا في اختيار من يمثلنا برلمانيا وجماهيريا.
إن التجربة الأخيرة التي خاضتها جماهيرنا العربية ضد محاولة عزل النائب ايمن عودة، شملت أوساطا واسعة من المجتمع اليهودي، تعدت من هم نشطاء في حركة " شراكة السلام "، ولكنهم لمسوا خطورة المد الفاشي في المجتمع الاسرائيلي عليهم ايضا.
من هنا يجب العمل والاستفادة من هذه التجربة لترسيخ تجربة "شراكة السلام"، الشراكة العربية اليهودية الكفاحية، لتكون نموذجا وبديلا لنماذج التذيل والتبعية او المهادنة امام المد الفاشي.
ففقط من خلال هذا النموذج الكفاحي نستطيع صد الفاشية وخلق أرضية خصبة لممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير.






.png)


.jpeg)



.png)

