حالة الفرح التي عمت وتعم قطاعنا الحبيب أغدقت عليّ لحظات بهجة لذيذة، وفي ذات الوقت حركت عندي موجة قلق عاتية. لماذا؟
في مقال سابق أشرت لما وصفته بعدم تقدير سياسيينا، مثقفينا، مُفكرينا، كتابنا، لجوهر وحجم المكسب المتمثل في إفشال مخطط إسدال الستار على قضيتنا الوطنية، وهذا من خلال الإقرار بفشل تنفيذ وتطبيق مخطط التهجير والضم، ولو إلى حين. وقد كان وما زال الاستخفاف بالموضوع، الإعراض عن ذكره، العنجهية والغرور في تناول الهوامش، سيد الموقف عند الغالبية من هؤلاء.
مبعث موجة القلق عندي أن مثل هذا الموقف، عند طبقتنا السياسية، تكرر مرات عدة في مسيرة نضالنا الوطني. ظل النضال يسفر عن مكسب تعجز قدرة الطبقة السياسية عن رؤيته، وإن حدث ورأته تعجز عن تقدير قيمته وإمكانية البناء عليه، ومن ثم عن الإمساك به والحفاظ عليه، الأمر الذي ظل ينتهي بإضاعته. حدث ذلك في ثورة العام 37، في العامين 46 و47، في الأعوام 53 و54 و55، في ما بين العامين 76 و87، وفي سنوات الانتفاضة الأولى، وغيرها وغيرها. حدث ذلك لأن ضعف المعرفة بطبيعة فردانية قضيتنا، الجهل المطبق بقدرات عدونا، وبميزان القوى الحاكم للصراع، ظل سيد الموقف، وصاحب القرار عندنا.
بالعودة لمخطط إنهاء قضيتنا الوطنية، ظلت حالة المكابرة والإنكار التي سبقت العدوان، تستند إلى رفض التصديق بوجود هكذا مخطط. وبعد أن خرجت به إسرائيل إلى المجاهرة، ظل الركون إلى قوى غيبية هو سيد الموقف. وأكثر من ذلك ظل الجهل ورفض الذهاب إلى الوقائع التاريخية، والحاضر منها خاصة، هو الباعث لطمأنينة مزيفة، ومصدر الاستخفاف واللامبالاة المحيرة.
أميركا وإسرائيل كانتا مُطمئنتين لفرص نجاح مخطط إنهاء قضيتنا الوطنية. كانت حقائق التاريخ المعاصر، وما يوصف بالشرعية الدولية، تصب في طاحونتِهما. لكن حالة الغرور والعنجهية التي تلبستهما كانت لهما بالمرصاد. كيف؟ ولماذا؟
لم تقتصر إبادة أهل البلاد الأصليين على الولايات المتحدة وحدها. ما حدث في الولايات المتحدة حدث في خمس وثلاثين دولة تشغل الأمريكتين، مضافا لها أُستراليا ونيوزيلندا.
في ما يعرف بأمريكا اللاتينية 31 دولة، يشكل السكان الأصليون فيها ما نسبته 11% فقط من مجموع السكان. خمس دول فقط تزيد فيها نسبة السكان الأصليين عن 20 % هي: بوليفيا 55 إلى 70 %، غواتيمالا 27 %، البيرو والإكوادور 25 %، والمكسيك 21.5 %. سائر الدول تقترب النسبة من الصفر في بعضها. في البرازيل أقل من 0.4 %، الأرجنتين 2.38 %، فنزويلا 3%، كولومبيا 3.4 %، تشيلي أقل من 10%. وهكذا حال باقي دول القارة اللاتينية.
ما يلفت الانتباه أن ثورات الاستقلال فيها كلها بدأت مطلع القرن التاسع عشر، أي قبل أكثر قليلا من قرنين. استقلال المخلوق من الخالق. استقلال المهاجرين الذين غدوا أصحاب البلاد، من المستعمرين الذين حملوا طلائع هؤلاء المهاجرين على سفن أساطيلِهم البحرية. المهاجرون، وبغض النظر عن الطريقة التي وصلوا بها، والوسيلة التي أكسبتهم المواطنة، غدوا هم الشرعية، وهم المانحون والمانعون لهذه الشرعية. وبعد أكثر من قرنين على الاستقلال، وإمكانية اعتلاء مهاجر لسدة الرئاسة، وإن لم تمض على وصوله عشر سنوات، ما زالت هذه السدة ممتنعة على أهل البلاد الأصليين.
الأمر ذاته حدث في كندا، نسبة السكان الأصليين 4.9%، وفي أستراليا 3.2 %، وأقل من ذلك نيوزيلندا والولايات المتحدة. الشرعية في كل هذه البلدان هي شرعية الهجرة والمهاجرين، شرعية الإبادة واستلاب الأوطان. هل هناك ضرورة للتذكير بأن هذا التاريخ الأسود هو، النبراس، هو القدوة، وهو الملهم، الباعث والمحرك لمخطط إنهاء قضيتنا الوطنية، وأن إفشالهُ مكسب أكبر من كل ما ننشغل به؟
الجواب: نعم صحيح، ولكن هناك المزيد من حقائق التاريخ الملهمة لعدونا.
كلنا نعرف عن حيوية الشعب الأرمني. عن القدرات البشرية المذهلة التي يمتلكها، عن كم المبدعين في مختلف مجالات العلم، الاقتصاد، السياسة، الأدب والفنون من أبنائه. وبالرغم من كل ذلك ما زال هذا الشعب العظيم غير قادر على انتزاع اعتراف من تركيا بالإبادة التي وقعت له على يديها في العام 1914. لماذا؟ الجواب بسيط. لأن أحدا من هذا الشعب العظيم لم يبق على أرض الوطن. الوطن الذي نجحت تركيا في تتريكهِ حتى آخر ذرة من ترابه.
وليس هذا المثال وحده ما ينتصب أمام عيون أعدائنا. هناك أيضا مثال ما حل بِلواء الإسكندرونة. هذا اللواء ومساحته 4700 كم مربع، تم اقتطاعه من سوريا العام 1936 ومنح لتركيا. كانت نسب سكانه كالتالي: 54% عرب، 39 % أتراك، والباقون أكراد، شركس ويهود. بعد الإلحاق هاجر العرب منه. لم تفعل سوريا شيئا لمنع أو لإيقاف هذه الهجرة. سارعت تركيا إلى ملء الفراغ بِمواطنين أتراك. غدا التتريك كاملا، نسبة من تبقى فيه من العرب غير معروفة. تركيا تحجبها. خسرنا هذا الجزء من الوطن العربي وإلى أبد الآبدين. لا مطالبة عربية، سورية كانت أم غير سورية، رسمية كانت أو شعبية.
أي مثال في رأيكم كانت أميركا وإسرائيل تخبئه لنا؟ وهل بالإمكان أن نعي، أن ندرك كم هو ضخم، كم هو عظيم، مكسب إِفشاله هذا؟ مكسب علينا أن نعض عليه بالنواجذ وبِطقوم أسناننا






.png)


.jpeg)



.png)

