الحالة الاسرائيلية: تحولات بنيوية كبرى تشمل حتى احتمال إلغاء الانتخابات

A+
A-
نتنياهو وزيني (مكتب الصحافة الحكومي)

نتنياهو وزيني (مكتب الصحافة الحكومي)

يحذّر ايهود براك رئيس الحكومة وقائد اركان جيش الاحتلال الاسبق من احتمال عا لالغاء انتخابات الكنيست في حال راود نتنياهو الشك بشأن انتصاره فيها؛ يعزو براك الاحتمال الى أن نتنياهو ومن خلال الانقلاب القضائي وتطويع منظومات الدولة وتحت انظمة الطوارئ الخاصة التي شرّعها الكنيست خلال الحرب، بات يملك الادوات والمنظومات التي توفر له مقومات إنفاذ أي قرار يسعى له في هذا الصدد.

بتاريخ 21 ايلول الجاري ينهي القائم بأعمال رئيس الشاباك مهامه، ومن المفترض لو تسنت الامور لنتنياهو ان يباشر دافيد زيني مهامه رئيسا لجهاز الامن العام الاسرائيلي، الذي تم تعيينه بعد استبعاده من قيادة الجيش باعتباره مسيانيا غيبيا، وفي المقابل بتناقض مصالح وفقا للمستشارة القانونية للحكومة، واضطرت الى قبول صيغة تفاهم مع نتنياهو فرضها قضاة المحكمة العليا. على الرغم من تصريحات زيني ضد المحكمة العليا وضد الدمقراطية وفقا لروح الصهيونية الدينية وباعتباره ينضوي تحت حزب نوعم من احزاب الصهيونية الدينية. يخضع التعيين لقرار لجنة اختيار المناصب العليا الرسمية، ولقرارات العليا بصدد الالتماسات المقدمة ضد التعيين.

يقول ايهود براك بأن نتنياهو الذي يسعى الى تحويل معظم المسؤولين في منظومات الدولة عن مبدأ فصل السلطات والولاء للدولة والقانون الى الولاء واعلان الطاعة للحاكم اي له شخصيا. وفعليا بعد ان قام نتنياهو وحكومته بخلاف الكثير من التوقعات بالتخلص من وزير الامن السابق غالنت وقائد الاركان هليفي وقادة الجيش الاخرين، ورئيس جهاز الامن العام الشاباك رونين بار واستبداله بدافيد زيني وفرضه على الجهاز، لا تزال أمامه مهمة إقالة المستشارة القانونية للحكومة او دفعها للاستقالة على الرغم من مواقفها اليمينية الا انه يريد مستشارا قانونيا للحكومة يكون يكون مواليا له شخصيا.

في تقرير موسع للباحث الاعلامي هيلو غلزر (هارتس 4 ايلول) عن رئيس الشاباك الجديد يحذر الكاتب من عقيدة الاخير ويخشى من خضوعه لمرجعيات دينية من تيار الصهيونية الدينية باعتبارها ستؤثر عليه كرئيس للجهاز.  واذ يتحدث الكاتب عن عن القوة الهائلة التي يتمتع بها الشاباك في ادارة الدولة أمنيا وحتى سياسيا، فإنه يتساءل من بين امور اخرى؛ كيف سيستخدم صلاحياته شخص يرى بالفلسطينيين "أعداء رب العالمين"، وكيف يعمل حين يطلب منه نتنياهو "اجراء تنصّت وملاحقات غير شرعية" وفيما يخص الانتخابات للكنيست شطب احزب او مرشحين "تستند الى تقديرات الشاباك السرية".

ففي ظل الحرب على غزة وانشغال الراي العام الاسرائيلي بقضية الاسرى والمحتجزين، استكملت حكومة نتنياهو الانقلاب القضائي الذي بدأت به مع بداية العام 2023، فإن التحولات في اجهزة الدولة عميقة  وبعيدة الأثر، كما أنها تتعمق باستمرار وبتسارع. تم لحد الان تغيير هوية قضاة المحكمة العليا والمحاكم بدرجات أدنى بما يخدم العقيدة السائدة في الائتلاف الحاكم، وتحت مسميات الطوارئ والحالة الامنية الخاصة تم سن العشرات من القوانين وتعديلات على القوانين القائمة وحصريا تحت مسمى مكافحة الارهاب بما يجعل روح أنظمة الطواريء تسيطر على القانون الاسرائيلي المدني، وبما يوسّع من تعريف التماهي مع الارهاب ويرفع سقف العقوبات عليه الى حدّ الانفلات السلطوي الشامل على الحريات السياسية وحقوق الانسان بما فيها التمتع بكامل الصلاحيات لشطب احزب او قوائم مرشحين للكنيست. كما تمّ إحداث انقلاب شامل في جهاز الشرطة الاسرائيلية وسياساتها وروحها القمعية المليشياتية لتصبح كما يطلق عليها "شرطة بن غفير" وبصلاحيات غير مسبوقة لاي ضابط وفقا لاعتباراته هو وليس لاعتبارات القانون القمعي أصلا.

الغاية من الاصلاح/الانقلاب القضائي منذ شباط 2023 هي تغيير هوية منظومات الدولة في خدمة العقيدة الحاكمة من أقصى اليمين والصهيونية الدينية، لتشكل بالمجمل بنية قانونية متكاملة تتيح الانتهاك المطلق للقانون الدولي وكل ما له علاقة ببسط السيادة والضم في الضفة الغربية والتطهير العرقي والتهويد في الداخل. كما تتيح للائتلاف الحاكم البقاء بالحكم بأدوات قانونية مؤاتية له وعلى حساب القانون القائم.

حاليا تدور معركة كبرى على هوية الجيش، وكما يصفها المحلل والكاتب يوسي كلاين في هآرتس 10 ايلول، "في حال وقف الجنود أمام الخيار، فإما يكونوا من اتباع عقيدة نتيناهو ام العقيدة الكهانية، فإنهم سيختاروا عقيدة بن غفير لكون عقيدته الاكثر تأصّلا". يضيف الكاتب بأن الجنود الذين دمروا بيوت غزة وقتلوا تلذّذا فإنهم يحملون روح الابادة في غزة الى الداخل الاسرائيلي واينما كانوا وفي سلوكياتهم اليومية، ثم أنهم يعتبرون كل من احتج على الحرب (من بين اليهود) بأنه خائن للحرب التي هم جزء منها، ويتساءل ضمن تساؤلات كثيرة مقلقة: "كيف سيسلك هؤلاء الجنود تجاه المواجهات التي ستنفجر بعد إلغاء الانتخابات؟"

من المستبعد ان تصمد المستشارة القانونية للحكومة امام جبروت الحكومة، حتى ولو بقيت في منصبها وفقا للقانون، فإن الحكومة وفقا لوزير القضاء قادرة على فرض المقاطعة عليها وفعليا إلغاء دورها حتي ولو تمسكت بالوظيفة، وقد كانت خطوة تغيير أقفال مكتبها بأمر من وزير القضاء ليفين مؤشرا الى ان كل الممارسات متاحة حكوميا؛ وهو ما يحدث فعليا ليس فقط معها بل ايضا مع رئيس المحكمة العليا الذي تحاصر وزارة القضاء دوره ويقاطعه الوزير، وهناك عملية إضعاف ممنهجة للجهاز القضائي وتطويعه لصالح المستوى السياسي كي يكون اداة له عند الحاجة، وحصريا في شطب الاحزاب وفي الضمانات القسرية لبقاء نتنياهو في الحكم ايمانا منه بأولوية مشاريعه السياسية والأمنية على أية اعتبارات قانونية اخرى. فعليا باتت التغييرات القضائية والقضائية تتيح للمحكمة العليا عدم التدخل في حال قامت لجنة الانتخابات المركزية بشطب قائمة عربية او اكثر او مرشحين فيها.

يوضح براك بأن شخصية مثل نتنياهو والى جانبه رئيس شاباك موالٍ له وكذلك مستشار قضائي جديد اضافة الى "الحالة الأمنية الخاصة" والتغييرات القانونية بعيدة الأمد، تجعله يملك كل الادوات للتحكم بنتائج الانتخابات القادمة وللبقاء في السلطة؛ فالطرق التي قد يتّبعها نتنياهو، منها التلاعب بموعد الانتخابات بما يخدمه، وحتى إلغاءها في اللحظة الاخيرة بذريعة أمنية قد يفتعلها بتوتير الجبهة مع ايران مثلا، وحاليا كل الجبهات مفتوحة ولا يريد نتنياهو اي حل سياسي بل حلولا أمنية متغيّرة حسب الظرف.

الامر الحاسم وفقا لبراك يتعلق بوضعية الاحزاب العربية، اذ يملك نتنياهو حاليا وفعليا القدرة على التحكم المطلق بلجنة الانتخابات المركزية واستبعاد اي دور رقابي للمحكمة العليا. التحكم بلجنة الانتخابات المركزية يتيح له ولاعضاء حكومته فرض رؤساء واعضاء لجان صناديق الاقتراع في البلدات والتجمعات العربية الفلسطينية من تيار الصهيونية الدينية والمستوطنين وحتى من مليشيات بن غفير، او تثبيت كاميرات رقابة على الصناديق في هذه الاماكن مما يكشف هوية المصوتين واقتراعهم، وهو ما سعى اليه اقصى اليمين في انتخابات 2022 سعيا لفرض عزوف الناخبين العرب عن التصويت. ويضيف براك احتمال افتعال مناوشات تبادر اليها مجموعات يهودية مخصصة في التجمعات السكانية العربية الأكبر، لتقرر لجنة الانتخابات المركزية الاسرائيلية بأنه لا يمكن اعتماد نتائج التصويت في هذه الصناديق وفعليا يتم إلغاء عشرات الاف الاصوات العربية بهذا الاسلوب لوحده.

الوسيلة الاكثر عنفا بالمفهوم السياسي والقانوني هي شطب مرشحين او قائمة مرشحين، تحت مسمى "مكافحة الارهاب" بعد تخفيض سقف الادلة والبيّنات المطلوب قانونيا، ومثل هذه الخطوة ستدفع الى العزوف الواسع عن الانتخابات.

بموازاة ذلك فقد بدأت المعركة الانتخابية واجواؤها تسيطر على الحالة الاسرائيلية حتى وإن كانت الاصطفافات غير مبلورة بعد. هدف الليكود الحاكم بقيادة نتنياهو هو منع انتقال الحكم لاية قوة سياسية اخرى والإبقاء على حكومته حتى ولو تحولت الى حكومة تصريف أعمال مستدامة بذريعة عدم الحسم. واذ توحي الاستطلاعات الاسبوعية بتفوق كتلة احزاب المعارضة على كتلة الائتلاف، الا ان التحولات المتسارعة على الساحة السياسية تؤكد ان هوية المعارضة المركزية تشهد تغييرا وتحولا نحو اليمين، على حساب اليمين-المركز، فيما ان نتنياهو يكتفي بكتلة متماسكة من اكثر من خمسين نائبا  ليشكل كتلة مانعة تحول دون تشكيل المعارضة لاي ائتلاف بحده الادنى 61 نائبا، معتبرين ان اي اعتماد للمعارضة على حزب عربي كما حدث مع حكومة بنيت لبيد التي اعتمدت في حينه على القائمة العربية الموحدة، بأن تكرار التجربة تفتقد الى أية شرعية يهودية في اعقاب الحرب على غزة.

بدوره تقوم القناة 14 واسعة الانتشار والاكثر أثرا والأكثر ولاء لنتياهو ولليمين العقائدي، بالتركيز على رصد الاحزاب العربية وتحركاتها. من ناحية تشدد في تقاريرها على الحوار الدائر بين الاحزاب العربية لتشكيل قائمة مشتركة في مواجهة المخاطر الوجودية ولوقف حرب الابادة. اللافت ان الغاية من النشر هي ترويع مصوتي كتلة اليمين من "احتمالية خسارة الحكم بسبب العرب"، والدفع الى الاصطفاف وراء نتنياهو والى اعتبار اية خطوة مثل شطب هذه الاحزاب التي تعتبرها عدوا، هي خطوة مبرّرة ومباركة ربانياً حتى من المرجعيات الدينية.

إمعانا في ذلك، تنشر القناة 14 بتاريخ 9 ايلول، "استطلاعا" ترويعيا لليمين مفاده ان 66% من المصوتين المحتملين لرئيس الوزراء السابق بينيت، يدعمون "حكومة مشتركة مع الاحزاب العربية"؛ وللمقارنة، فقط 3% من مصوتي الليكود يدعمون حكومة كهذه. الغاية من هذا النشر هي بالاساس نزع شرعية حكومة بديلة لحكومة نتنياهو من خلال ترسيخ نزع شرعية الاحزاب العربية التي في حال نجاحها بتشكيل قائمة مشتركة فيما بينها قد تحصل على 15-17 نائبا وفقا للتقديرات، وفي حال حصل ذلك فإما سيبقى نتنياهو في الحكم او ستضطر حكومة بديلة الى الاعتماد على حزب عربي عضواّ في الائتلاف المستقبلي، وهذا غير شرعي اسرائيليا وليس فقط في نظر الائتلاف بل غالبية المعارضة، ويبدو لهذا الغرض يحاول غانتس بما تبقى من حزبه ووجوده السياسي دخول المعارضة الحالية للائتلاف الحكم مقابل اخراج الصهيونية الدينية منه وخلق توازن جديد لمنظومات الدولة يقوم على صفقة التبادل وعلى التوافق على موعد الانتخابات.

في الخلاصة؛ وتحت ضجيج الحرب على غزة والحروب الاقليمية التي تقودها حكومة نتنياهو، تجري تحولات عميقة وبعيدة الأثر على طبيعة وهوية المنظومة الاسرائيلية الأمنية والقضائية والقانونية والسياسية، تضمن بقاء أليمين العقائدي في الحكم سعيا لتحقيق "رسالته الربانية" في منع دولة فلسطينية وفي التوسع وبسط السيادة وتهويد المكان والاستيطان، والامتناع عن اي حل سياسي بالابقاء على الترتيبات الأمنية بما يخدم العقيدة المذكورة. كما في سياساته الخارجية العدوانية هكذا تتبلور سياسات نتنياهو الداخلية سعيا للبقاء في الحكم وفي تصدر مشروعه، دون الاكتراث لأية معوقات قانونية او سياسية بل بإزالة كل المعوقات بقوة الدولة بما فيه تغيير النمط في الوظائف الرسمي العليا لتكون موالية له وليس للقانون.

التعامل بأقصى وسائل الضبط والرقابة والقمع مع الاحزاب العربية بات أسلوبا حاكماً وسيجد تعبيرا عنه كلمل اقتربت الانتخابات البرلمانية للكنيست. تعيين رئيس الشاباك الجديد انما يندرج في هذا الاتجاه وبشكل صارخ لكونه يدفع عقائديا الى ذلك. فيما احتمالية تأجيل انتخابات الكنيست في العام 2026 وحتى إلغائها واردة وتتوفر البنية القانونية والتنفيذية والذهنية من اجل ذلك. التحولات البنيوية الاسرائيلية عميقة وتبدو ثابتة، ولها اسقاطاتها الداخلية واسقاطاتها تجاه الشعب الفلسطيني وتجاه المنطقة.

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية