قراءة في جذور وطبيعة التجربة الناصرية

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

الركيزة الأساسية لفهم بواعث التجربة الناصرية تكمن فيما سبقها، أي الحقبة الملكية-البرلمانية، وهي حقبة اتصفت بمحاولات تحديث وفضاء ليبرالي بعد ثورة 1919 وصعود أحزاب قوية وفاعلة كان أبرزها حزب الوفد الممثل لكبار الملاك، وحزب الأحرار الدستوريين وشخصيات تحولت أقوالها إلى أمثال شعبية كمقولة أحمد لطفي السيد: "الخلاف بالرأي لا يفسد للود قضية".

في التحليل الأخير فإن فترة "الفضاء الليبرالي" كانت عمليًا فترة قيادة كبار الملاك والباشاوات للحركة الوطنية يقابلهم  قصر ملكي صاحب صلاحيات واسعة شملت حل البرلمان. 

كانت أمام البرلمان الليبرالي تحديات تتعلق بمسألة العدالة الاجتماعية وحل قضايا وطنية مثل وحدة مصر والسودان وطرد البريطانيين.

بحكم التكوين الطبقي للبرلمان الليبرالي فإن قضية العدالة الاجتماعية والمسألة الفلاحية لم تحل وبقي البؤس في الريف المصري وفاقة العيش، وفي جوانب تخص القضية الوطنية فلم يتمكن البرلمان الليبرالي من حل المعضلات الوطنية، وكأمثلة عينية قامت بريطانيا في فبراير 1942 بحصار قصر عابدين، وفي 1948 تم اغتيال رئيس الوزراء النقراشي على يد جماعة الإخوان. 

هذا الفشل في هذه القضايا أدى لظهور تيارات سياسية في مصر والمنطقة رافضة لكل الفضاء الليبرالي والبرلمان، وازدادت النقمة على النظام حد اعتباره عند بعض التيارات عميلًا للاستعمار. 

في هذه البيئة من البرلمان المشلول العاجز غير القادر على حل معضلات الواقع المُعاش صعد اتجاه الضباط الأحرار، وهم ضباط متوسطون ولم يكونوا نخبة الجيش وعمليًا سيطروا على الجيش، وفي كل الحالات لم يكونوا تجربة متفردة فيما يخص السلطوية، فقد سبق الضباط الأحرار، صعود أديب الشيشكلي لفترة قصيرة في سوريا.

في يوليو 1952 كانت الظروف قد اجتمعت، ليس كحتمية تاريخية، بل كأقوى خيار لاستبدال النظام البرلماني (كبار الملاك) بحداثة سلطوية تشكلت تصوراتها الأولى بناءً على ما سبقها، ولكنها لم تنشط أبدًا في فراغ اجتماعي. 

في 1952 صعد الضباط الأحرار كحداثة سلطوية وأعلنوا الجمهورية، لم يكن الضباط الأحرار كتلة واحدة صماء ذات تصورات جاهزة ومتفق عليها على طول الخط. على العكس كان هناك تياران -يمين ويسار- داخل الضباط الأحرار، الأول مع مزيد من التأميمات وخطاب قومي عربي، والثاني مع ديمقراطية "مقيدة" تضمن مصالح نخبة الريف والقطاع الخاص وتميل إلى خطاب أصولي إسلامي بدرجة ما.

عبد الناصر نفسه كان يدير تلك الصراعات مع ميل واضح إلى الاتجاه الأول. كانت الفترة الأولى 1952-1956 قائمة على ضبط حركة رجال الأعمال وتشجيعهم، وبعد 1956 انتقل النظام إلى "الاشتراكية العربية" القائمة على تعاون طبقي، ومن ثم مرحلة التأميمات الكبرى (1961) والميثاق (1962).

قامت الناصرية بالإطاحة بكبار الملاك في الريف عبر التأميمات، ولكن لم تطح بكل طبقة الملاك، فبقي الملاك المتوسطون، وهنا نجد "اليمين واليسار" داخل السلطة الناصرية؛ فالاتجاه اليساري كان يدفع لمزيد من التأميمات والدفع باتجاه دمج ومشاركة أوسع للطبقات الشعبية، بينما "يمين الناصرية" فقد ذهبوا إلى ما أسموه الاشتراكية الإسلامية، أي التحالف مع الملاك المتوسطين الذين ورثوا النخبة الريفية التي فككتها التأميمات وكذلك مال هذا الاتجاه إلى توسيع القطاع الخاص.

تأميمات عبد الناصر و التصنيع الذي تقوده الدولة والتعليم المجاني والضمان الصحي حل كثيرًا من المشكلات العالقة لملايين من المصريين، وفي نفس الوقت طمس المنتجين الصغار لأنه كان تحديثًا من أعلى، وفوق كل هذا لم تكن سلطة عبد الناصر بكياناتها المختلفة "الاتحاد الاشتراكي، تحالف قوى الشعب العامل" سلطة معزولة عن المجتمع وتفاعلاته.

تركيبة النظام الثقافية كانت معقدة، تبدأ من لويس عوض حتى الشيخ الغزالي، نظام يشجع عمل النساء والعلوم الاجتماعية كإنشاء المركز القومي للأبحاث، وافتتاح مجلة الطليعة لليسار، مع اعتبار الإيمان عمومًا -وليس الإسلام فقط- مكونًا وطنيًا، مثل افتتاح إذاعة القرآن الكريم ودعم المؤسسات الدينية التقليدية (الأزهر والكنيسة) ومنع التجمعات البهائية، ولكنه لم يكن على نمط السادات "رئيس مسلم لدولة مسلمة" مؤيدًا للانفلات الصحوي، بل كان حديث عبد الناصر في متفرقات عديدة عن "القومية المؤمنة".

وكطبيعة أي نظام سلطوي قام النظام الناصري بسحق خصومه، لا سيما الإخوان والشيوعيين، ففي جانب الإخوان كانت خصومة سياسية وأيدولوجية لمكونين يتصارعان على الدولة الحديثة، وانتهى الأمر بهزيمة مريرة للإخوان ليس عبر السجون والإعدامات والمعتلقات فقط، بل في أن القاعدة الشعبية (السابقة للدعوة الإخوانية التي تشمل القطاعات الحديثة) أيدت عبد الناصر بحماس وحب أبوي، ولكم أن تتخيلوا أن فلاحًا ريفيًا في مهرجان شعبي يقول عن مرشد الإخوان: "خليه يلبسها (الطرحة) هو".

كل هذا كان الناصرية، التي احتوت تناقضات وتيارات أيدولوجية مختلفة ولم تكن مجرد زعامة شخصية لعبد الناصر.

وعلى الصعيد الدولي والإقليمي فأيضًا لم تبدأ الناصرية كتموضع في المعسكر السوڤيتي وموقف واضح من إسرائيل وتبني الوحدة العربية.

عداء الولايات المتحدة للنظام الناصري ورفض تمويل بناء السد قاد النظام إلى إرساء تصوراته بشكل تام بعد العدوان الثلاثي (1956)، أي القومية العربية.

لم تكن القومية العربية بالنسبة للنظام الناصري دعوة لتوحيد أمة متجانسة فرقتها حدود مصطنعة، بل كانت حركة تحرر لطرد الاستعمار من المنطقة، وبحكم النصر السياسي بعد العدوان الثلاثي (1956) لم يعد النظام الناصري والتجربة الناصرية مجرد شأن محلي مصري، بل أصبح القبلة لشعوب المنطقة الطامحة للتحرر واعتُبِر ناصر عالميًا "قاتل الإمبراطورية".

بعد 1956 وتبني التوجه القومي العربي ظهرت حركات ناصرية في كل المنطقة، كالأمراء الأحرار في السعودية والقوميون في سوريا والعراق، ودعم حركة التحرر الجزائرية ومتأخرًا القذافي في ليبيا، وأثرت الناصرية بعمق في نفوس كل أبناء المنطقة الذين اهتدوا بهدي عبد الناصر، وهنا في الداخل تشكلت حركة الأرض كحركة قومية عربية.

ورغم كل هذا لم يكن عبد الناصر متحمسًا لصهر العرب في حدود واحدة كما يتخيل العروبيون، فالوحدة مع سوريا (1958-1961) كانت بضغط الضباط السوريين، وعبد الناصر نفسه كان معارضًا لانضمام العراق للوحدة لأنها "ستفاقم مشاكل العراق" على حد تعبيره.

وبعد الانفصال بين سوريا ومصر قاد العروبيون حملة مزايدات شعاراتية هوجاء حتى 1967، جرحت عبد الناصر بعمق على الصعيد الشخصي. كان العروبيون السوريون يصفون عبد الناصر أنه "باع فلسطين" وأنه يسمح للسفن الإسرائيلية بالملاحة "على مرأى عينيه"، كل هذه الشعاراتية الفارغة أثرت في السلوك السياسي لعبد الناصر رغم أنه كان يحذر العروبيين دائمًا من أنهم "يلعبون بالنار"، ولكن الجيد أن الدولة المصرية بعد 1967 لم تعد قابلة للابتزاز الشعاراتي مطلقًا.

وفيما يتعلق باليمن، ففي السنوات الأخيرة استغربت بشدة ممن يتحدثون عن "هزيمة مصر في اليمن"، التدخل المصري في اليمن انتهى بنصر عسكري وسياسي كبير لمصر، طرد فيه الاستعمار وثُبِت النظام التقدمي وضمنت مصر طريق الملاحة وكانت حرب اليمن أكبر تجسيد لثورية النظام الناصري ولعب مصر لدورها الإقليمي بكفاءة. 

عندما بحثت عما قيل عن التدخل المصري في اليمن في حينه، لم أجد أبلغ وأدق من مقولة ميشيل عفلق: 
"التدخل المصري في اليمن كان اللحظة في مستوى التاريخ".

هذا عرض موجز للناصرية، والذي أرجو أنه أزال كثيرًا من الخرافات المعششة في عقول الكثيرين بفعل الدعاية المغرضة التي بدأت منذ الساداتية. 

في المجمل أعتقد أن تراجع التجربة الناصرية لم يكن بسبب الحروب وحدها، بل بسبب تناقضات النظام نفسه والذي ساعدت (ولم تحسم) الحروب في تغليب يمين النظام ممثلًا في الساداتية على "يساره" أي الاتجاه الأول داخل النظام الذي ذكرناه، أما اليوم فالدولة المصرية تجاوزت كل "جمهورية يوليو"، والنظام الحالي لا علاقة له بكل القوى التي كانت نشطة من عبد الناصر حتى سقوط مبارك.

أما كثرة الخرافات عن الفترة الناصرية فليست مقولة بريئة أو مراجعة نقدية، هي حملة ممنهجة قادتها السعودية عبد شراء الذمم وتعميم مقولات غريبة عن رغد العيش في الفترة الملكية -طبعًا لم يسمعوا بالبرلمان الليبرالي- وحروب خسرتها مصر وهي لم تحصل أساسًا، وتجاهل كل المنجزات الاجتماعية والثقافية، كل هذا تم عبر الوكلاء، أفراد ومؤسسات، الذين تم شراء ذممهم بالمال وتعميم مجموعة من الادعاءات وانتقاء متفرقات من التاريخ كأنها حقائق.

يبقى التقييم اليساري للناصرية هو الأكثر تماسكًا وتاريخية، عبر تقييم التجربة بصفتها "برجوازية صغيرة، رأسمالية دولة" وما تم إضافته لهذا التراث الفكري لاحقًا من يساريين وماركسيين مختلفين.

كان النظام الناصري انقلابًا عسكريًا بمعنى أنه جاء عبر القوات المسلحة وكان ثورة اجتماعية بمعنى الإطاحة بطبقة الملاك والنخبة الريفية، والنظام نفسه لم يكن عسكريًا بمعنى الحكم العسكري بل أعطى مكانًا محوريًا للقوات المسلحة في الجمهورية وبقي مركز اتخاذ القرار في يد هيئة رئاسة الجمهورية.

أما عبد الناصر الشخص فكان شخصًا أصيلًا، في صوته هيبة وراحة ووقار وفي طلته بهاء وجاذبية، وفوق كل هذا لم يكن مجرد رئيس بل أبًا معطاءً وصارمًا.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية