ما جرى في سخنين قبل بضعة أيام لم يكن مجرد مظاهرة عابرة، ولا احتجاجًا محليًا اعتياديا. لقد كان لحظة نادرة من التحول العميق في الوعي داخل المجتمع العربي: نورٌ انبثق في واقع مظلم وقاتم من العنف والخوف والقمع. ليس نورًا يعد بحل فوري، بل نورًا يشير إلى بداية حركة وتغيّر. وفي جوانب كثيرة، يذكّر هذا المشهد في جوهره باللحظات الأولى للربيع العربي: الخوف تصدّع، والحيز العام عاد ليكون ساحة لفعل مدني جماعي.
هذا التحرّك كسر حالة الجمود وأشعل عملية تنظيم مدني واسعة في بلدات كثيرة، وأعاد إلى المجتمع العربي أمرًا افتقده في السنوات الأخيرة، وهو الإحساس بالقدرة النضالية على التأثير. هذا الشرارة أشعلها مواطن واحد من سخنين، أبو إبراهيم، الذي قرر عدم الاستسلام لعصابات الإجرام، فواجهها علنًا وأعلن الإضراب، ما أحدث تأثير الدومينو: أهالي البلد انخرطوا الواحد تلو الآخر، بلا هرمية وبلا تخطيط مسبق. الجمهور تقدّم إلى الأمام، والقيادة أدركت أنها أمام لحظة حاسمة، فانضمت إلى الناس واستجابت لهم.
في هذه المظاهرة شعرتُ بأن الحياة تعود إليّ، وأن القلب ينبض بأمل حقيقي، لا الأمل الذي أضطر لاختراعه كي أواصل العمل. هذا النهر البشري، من رجال ونساء جاؤوا من جميع المدن والبلدات، من كل طبقات المجتمع العربي وبمختلف الأعمار، تدفّق إلى سخنين لأننا جميعًا مجروحون. لأنه لا خسارة أكبر من خسارة حياتك وحياة أطفالك. وبرز على نحو خاص شجاعة الشباب الذين وقفوا في الصفوف الأمامية رغم الخشية من اندلاع أحداث عنف بسبب وجود شرطة بن غفير بكامل قوتها وانتظارها لأي فرصة.
لم تكن هذه مظاهرة ضد "الخاوة" في سخنين كما حاول كثيرون تصويرها، بل كانت احتجاج الجماهير العربية ضد الإهمال والرعب. سخنين كانت دائمًا مدينة نضالات سياسية، ووعي سياسي، وصمود عنيد. مدينةٌ لا يُعد فيها الإرث الجماعي ليوم الأرض وللنضالات السياسية مجرد ذكرى، بل قاعدة حيّة. لذلك لم تكمن قوة اللحظة فقط في كثافة المشاركين، بل أيضًا في الشحنة العاطفية: التأثر، الألم، الغضب، والمطلب الشعبي الواضح.
تلك اللحظة غير المخطط لها أرغمت القيادة السياسية للمجتمع العربي على الالتزام بالترشح لانتخابات الكنيست القادمة ضمن قائمة مشتركة. لا بدافع الراحة، بل من منطلق إدراك أنه لا طريق آخر. كانت تلك لحظة سياسية نادرة فرض فيها الجمهور قراره من الميدان، بعد انتظار طويل لقرارات لم تأتِ من غرف اللجان والهيئات، دون الخوض في التفاصيل.
ومع كل الرومانسية التي أضفيها على هذه اللحظة العظيمة، من الواضح أن واقعنا اليومي لن يتغير قريبًا. فإطلاق النار مستمر، وأصحاب المصالح يتعرضون للابتزاز، والجريمة لم تُهزم بعد. لكن أمرًا عميقًا واحدًا قد تغيّر: لقد استفقنا من السبات. منذ المظاهرة بدأت تتشكل مبادرات مدنية في بلدات كثيرة، مظاهرات محلية، اجتماعات طوارئ مجتمعية، ونشاطات سياسية متواصلة. وربما يكون هذا هو التغيير الأهم: الانتقال من خوف سلبي إلى مسؤولية مدنية فاعلة. ليس كبديل عن الدولة، بل كجرس إنذار لها. الجمهور لم يعد مستعدًا لأن يكون متفرجًا على حياته.
الآن يبقى السؤال: هل سنسمح لهذا النور بأن يواصل التوهّج، أم سنتركه يخبو حتى المرة القادمة؟ كل مواطن، يهوديًا كان أم عربيًا، تهمه الديمقراطية والمساواة في البلاد، عليه أن يأمل بأن تستمر هذه المظاهرات، وأن تُترجم هذه القوة إلى تغيير حقيقي أيضًا في صناديق الاقتراع.





.jpg)




.jpeg)