من "مثلث يوم الأرض" إلى معركة الجريمة: مقاربة تاريخية لعوامل نضج الحراك

A+
A-
المظاهرة القطرية في سخنين ضد استفحال الجريمة وتقاعس السلطات، الخميس، 22 كانون الثاني (تصوير الاتحاد)

المظاهرة القطرية في سخنين ضد استفحال الجريمة وتقاعس السلطات، الخميس، 22 كانون الثاني (تصوير الاتحاد)

انطلاق الاحتجاجات من سخنين يعطي عند الجميع أملًا بتحول المبادرات الاحتجاجية إلى حراك يجبر إسرائيل على استئصال الجريمة المنظمة، نظرًا لأن سخنين برفقة عرابة ودير حنا محفورتان في الذاكرة الفلسطينية بـ"مثلث يوم الأرض"، الحراك الاحتجاجي الذي أوقف مصادرة 20,000 ألف دونم في الجليل عام 1976.

بارقة الأمل القادمة من سخنين هذه لا تعني استنساخ "يوم الأرض" بل أمل ورجاء نظرًا لمكان الانطلاقة الذي يعبر عن دافع تاريخي بحد ذاته، وظروف وشروط متشابهة وأخرى مختلفة.

في التشابهات التاريخية، فيوم الأرض جاء في ذروة فترة بطش سلطوي تزامن مع هدوء في العلاقة بين العرب والمؤسسة الحاكمة، هدوء نابع من خوف العرب.

قبل يوم الأرض كانت النتيجة المنطقية التي وصلت إليها السلطات الإسرائيلية أن هدوء الخائفين لن ينفجر ضد خطة مصادرة 20,000 بعد أن تمكنت قبلها من مصادرة 75,000 بدون انفجار مماثل، وهذا يشبه غرور الإسرائيليين اليوم وهو ينظرون إلى صمت العرب طوال هذا الوقت.

كان التحريض المباشر من شخصيات رسمية علنيًا بدون مواربة في فترة هدوء الخائفين، فقبل يوم الأرض صرح وزير التعليم زفرون هامر "العرب سرطان في قلب الأمة"، فيما أعلن قائد الشرطة في حينه أن قواته مستعدة لاقتحام البلدات العربية.

من ضمانات الهدوء لم يكن الخوف وحده، بل في الفجوة بين القيادة والتجمعات الفلسطينية، فقد كان في حينه معظم رؤساء السلطات المحلية العربية أعضاءً في حزب العمل الحاكم، لذلك عارض الغالبية الإضراب العام فيما أيدته قلة من الرؤساء يقودهم توفيق زياد.

مع نجاح احتجاجات يوم الأرض (1976) والإضراب العام توقفت مصادرة الأراضي المخططة في الجليل، ولكن النجاح لم يترجم في هذا فقط، بل تُرجم أيضًا على الصعيد السياسي. أي بفوز الجبهة الديمقراطية ب52% من الأصوات العربية في انتخابات الكنيست، بالتالي حول معظم الناخبين العرب لأول مرة تصويتهم لأحزاب صهيونية أو أحزاب عربية ملحقة بها وعنى ذلك تغير أنماط التصويت العربية إلى الأبد، وثانيًا تلاشت ظاهرة الرؤساء الموالين للأحزاب الصهيونية، وتشكلت لجنة المتابعة ولجنة رؤساء السلطات المحلية كبديل يضمن عدم عودة هذه الظاهرة. 

بعد يوم الأرض تنبهت إسرائيل أنه رغم الإلغاء القسري للفلاحة وإبقاء الفلاحة في زوايا ضيقة، رغم ذلك بقيت التجمعات "الما بعد فلاحية" تتسم بروابط الاجتماعية لم تتحلل نظرًا لعدم دمج العرب في السوق الرأسمالي سوى في بعض المهن المتدنية. وراحت اسرائيل بتوجيه سلطوي مباشر في فترة أواخر السبعينات وبداية الثمانينات تدمج التجمعات الفلسطينية الما بعد فلاحية بقوة في هامش السوق الرأسمالي الإسرائيلي كأقل المجموعات حظًا في السوق وأكثرها فقرًا وبؤسًا.

اندماج التجمعات الفلسطينية الما بعد فلاحية في السوق الإسرائيلي أفضى إلى تفكيك تدريجي للروابط الاجتماعية وبالتالي انخفاض منسوب التضامن الاجتماعي وذهنية تتراوح بين الريف والمدينة، بدون حسم بينهما، وسلوك اجتماعي منفصم في تعاطيه بين الفردانية والجمعية (العائلية)، وعلاوة على ذلك، مبنى عائلي مشوه بالاندماج الهامشي الموجه سلطويًا في السوق.

الفوارق بين شروط نجاح في السابق والماضي تتلخص في التحول إلى بنية اجتماعية هشة في التجمعات الما بعد فلاحية، وفي كون الحدث اشترط التسييس على أعلى مستوىً، وأما هذه المرة فالنداءات بصفة عامة (وليست تامة) تعلو ضد "التسييس" بالمعنى الذي كان في يوم الأرض.

ولكن رغم اهتراء البنية الاجتماعية في التجمعات الفلسطينية الما بعد فلاحية إلا أن شيئين يبعثان على التفاؤل: 

1. النزعة "القومية" في قضايا عدة تتحول في لحظات متفرقة إلى وعي وطني ينوب عن اهتراء البنية الاجتماعية، كما حدث في أحداث برافر مثلًا.

2. انضمام التجمعات البدوية في الجنوب (النقب) إلى الاحتجاجات بقوة، وهم التجمع الفلسطيني الذي ما زال يتسم بروابط اجتماعية متماسكة إلى حد كبير تجنبهم كثيرًا من المآسي التي حاقت بالتجمعات الفلسطينية الما بعد فلاحية.

ويجب التنبه أن السلطات الإسرائيلية يقظة لمسألة أن دمج العرب في السوق (ولو على الهامش) قد أعطى للعرب ثقلًا في قطاعات محددة كالطب والبناء، ومنذ السابع من أكتوبر يبحث متخذو القرار في إسرائيل عن بدائل كاستيراد عمال من دول آسيوية في هذه القطاعات.

وعلى المستوى السلطوي المباشر انتقلت المعادلة إلى نظام بوليسي مكتمل الأركان يحكم المجتمع العربي، بغطاء سياسي من بن غفير لا يحابي العرب حتى في حدود الضريبة الكلامية.

في تقديرنا للحظة الراهنة فإن شروط نجاح هذه الهبة وتحويلها إلى "يوم أرض مكافحة الجريمة" هي خمسة شروط:

1. تحويل النزعة "القومية" إلى وعي وطني بكون الجريمة مكونًا بنيويًا من نظام بوليسي وعنف سلطوي، وأن تكون الشعارات على هذا الأساس.

2. انضمام التجمعات الفلسطينية البدوية في الجنوب (النقب) بكامل ثقلها إلى الإضراب والاحتجاجات، وما سيعطيه هذا الثقل من شحنة معنوية وشجاعة لباقي التجمعات الفلسطينية الأخرى.

3. اشتراط تسييس (بالحد الأدنى على الأقل) بما يتلاءم مع حاجات اللحظة التاريخية، أي التركيز بالحفاظ على الزخم الجماهيري كوسيلة ضغط على الموحدة لإرغامها على قائمة مشتركة - وهذا مطلب جماهيري لا يعارضه سوى عدد محدود من الايديولوجيين (كحالة كاتب هذه السطور).

4. استثمار إضراب الأطباء والموظفين لتحويلهم إلى كيان اعتباري عبر تشكيل نقابات.

5. بقاء الاحتجاج في حدود سلمية مؤثرة كما طرحت القيادات، لأن انفلات مواجهة دموية في سكرة قوة إسرائيلية يعني اللعب بالنار.

مقولات "اللحظة التاريخية الفارقة" هي مقولات تعبوية أكثر منها توصيفًا دقيقًا للحظة، بدء الحراك في سخنين إذا ما استمر فإن من شأنه أن يكون إيذانًا بتحولات وآمال لم تكتمل في "حراك مكملين" (2019) وحراك أم الفحم (2021).

السيناريوهات الممكنة ثلاثة:

1. تراجع الحراك بفعل عدم الاستمرارية ونكوصه أمام موجات إحباط ومشاعر عدم الجدوى، وبهذا نكون قد عدنا إلى نقطة الصفر.

2. استكمال الحراك وتوسعه واستيفاء الشروط التاريخية اجتماعيًا وسياسيًا حتى النهاية.

3. نجاح مرحلي للحراك يضع قاعدة لاستمرارية مستقبلية ضمن مشروع شمولي للخروج من عنق الزجاجة.

بعد يوم الأرض عبر محمود درويش عن نهوض الفلسطينيين في الداخل في لحظات تاريخية غير متوقعة في "قصيدة الأرض" بمنتهى الجمال: "وأشهد أن الزمان يخبئ لي سنبلة".


 

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا للعودة لأجواء العام 47

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-23 19:16:04

من "مثلث يوم الأرض" إلى معركة الجريمة: مقاربة تاريخية لعوامل نضج الحراك

featured

علم سوريا هو علم السويداء

featured
د. رياض كاملد
د. رياض كامل
·2026-01-23 12:20:13

الذاكرة والتخييل في رواية "عين الزيتون".

featured

هل سُلوك الإنسان وليد فكره؟

featured
علي هيبيع
علي هيبي
·2026-01-23 11:51:52

مَنْ يُحيي العظامْ

featured

إغاثة غزّة أولًا… قبل أحلام كوشنير وغزّة الذكاء الاصطناعي

featured
د. نزيه قسيسد
د. نزيه قسيس
·2026-01-23 09:59:03

الْـبَـلْـطَـجـي!