كنا قد ختمنا المقال الفائت بالسؤال التالي: لماذا هذا التطيّر من احتمالية العودة للأسوأ من نكبة العام 1948؟
للإجابة اسمحوا بمعاودة التذكير بحدثين من أحداث الحرب الفلسطينية - الصهيونية بداية العام 48، قد يقال إننا أشبعناها - الأحداث -عرضا وبحثا.
يقول الأول إن مستشاري الحاج أمين الحسيني، نهاية العام 47، عرضوا على سماحته صورة دقيقة لجهود ونتائج بناء وإقامة جيش الجهاد المقدس، عماد القيادة الفلسطينية في الحرب مع التنظيمات المسلحة للعصابات الصهيونية. صارحوهُ بأن كافة الجهود انتهت إلى فشل؛ العدد والعدة، التدريب، الانضباط، التنظيم، السلاح، الذخيرة، الإدارة، المال.. الخ. المستشارون نصحوا سماحته بالعدول عن قرار إعلان الحرب والقبول بقرار التقسيم. سماحته أقر بصحة الصورة ورفض النصيحة وتلافي مخاطر كارثة محققة. لماذا؟ لأن كرامته لم تسمح له بذلك.
تمثل الأمر الثاني في سيادة الزعم بإجماع شعبي رافض للقرار، وداعم للحرب، وأن الخروج على الإجماع يتجاوز قدرة الحاج أمين والقيادة، و أي قوى أخرى. مضت ثلاثة عقود ونيف على سيادة هذا الزعم. ثم كان أن الوثائق الإسرائيلية والبريطانية المفرج عنها تباعا، وكتابات من وصفوا بِالمؤرخين الإسرائيليين الجدد قالت نقيض كل ذلك.
في الفصل الثالث من كتابي "إطلالة على القضية الفلسطينية 2 "، وفي الفقرة 12 بحثت عن إجابات في الكتابات الفلسطينية والإسرائيلية لعديد الأسئلة المتعلقة بموضوع الإجماع هذا. وكان لأسفي الشديد أن خلت الكتابات الفلسطينية من إجابات شافية، فيما ضجت بها كتابات المؤرخين الإسرائيليين الجدد. في ص 278 طرحت السؤال التالي: "هل انفردت عصبة التحرر الوطني الفلسطيني دون الأحزاب الفلسطينية كافة بقبولها لقرار التقسيم ومن ثم التحذير من عواقب المواجهة العسكرية ومن الكارثة المحدقة بالشعب الفلسطيني، المرئية جيدا لقطاعات واسعة من القيادات الفلسطينية؟".
الكتابات الفلسطينية أجابت بنعم وبأن الإجماع الفلسطيني على رفض القرار والمواجهة العسكرية كان ساحقا. هذا في وقت تجاهلت فيه الإجابة عن الأسئلة حول الظواهر التي كانت تقول العكس.
على الجانب الآخر قدم سمحا فلابان، أحد زعامات حزب مبام، وقائد لواء في الحرب، في كتابه " ميلاد إسرائيل "، والمؤرخ المعروف إيلان بابه، استنادا للوثائق الإسرائيلية إجابات واضحة عرضتها على مدار أربع صفحات، إليكم مقتطفات منها: […. أحزاب أخرى مثل الدفاع والإصلاح وحتى حزب الاستقلال إضافة إلى مجموعة المحامي موسى العلمي التي يشار إليها بِالعلميين، قبلت التقسيم وحذرت من المواجهة ومن عواقبها الكارثية. لكنها خشيت من عواقب إعلان مواقفها هذه. الخشية استندت إلى تاريخ العنف والاتهام بالخيانة والتصفيات التي رافقت ثورة 36 -39 وما بعدها… بن غوريون كان في وقت سابق قد أطلق شعار "اعتمد على المفتي" الذي غدا ركنا أساسيا من سياسته... بالإضافة إلى الاغتيالات، التهديد، نشر الرعب، التجريد من الكرامة، أقامت اللجنة العربية العليا اتصالات مع شعبة الاستخبارات التابعة للوكالة اليهودية، تحت زعم التعرف على "المتعاونين". هذا التعاون الغريب مع "أسوأ أعدائنا" تواصل لثلاث سنوات. استند هذا التعاون من الجانب الإسرائيلي إلى اعتقاد بن غوريون - جرى التعبير عنه في مطلع العام 1938 - بأن برنامج التوسع الصهيوني يخدمه بشكل أفضل ترك القيادة الفلسطينية في أيدي تطرّف المفتي أكثر من وضعها في أيدي المعارضة المعتدلة. هكذا أصبح شعار "اعتمد على المفتي" شعار بن غوريون منذ ذلك الوقت فصاعدا... لم يُرِدْ الفلسطينيون ولم يعتقدوا باللجوء للحرب. وفي غياب قنوات رسمية للتعبير عن معارضتهم حاولوا حماية أنفسهم من أخطار الحرب باستخدام الوسائل التي كانت في حوزتهم وهي: اتفاقات محلية مع جيرانهم اليهود ضد الهجمات المتبادلة وضد الاستفزاز والأعمال العدائية… مئات من مثل هذه الاتفاقيات تم ترتيبها بين قرى عربية وبين كيبوتسات وَموشافات مجاورة. بين عمال عرب ويهود في مواقع عمل مشتركة مثل الموانئ، معسكرات الجيش البريطاني، السكك الحديدية، مصافي تكرير البترول، الخدمات البريدية، وحتى بين رجال أعمال يهود وعرب، تجار وأصحاب مزارع وغيرهم.
الآن، منذ ما وصف بمبادرة ترامب والقرار 2803، انتهاء المرحلة الأولى، بدء المرحلة الثانية، الإدارة الوطنية، مجلس السلام.. الخ، يطالعنا سياسيونا، مثقفونا، إعلامنا، صحافتنا، خصوصا وسائل التواصل الاجتماعي، بعودة غير محمودة لأجواء العام 47 وما تلاه. تشكيك في النوايا، تعبئة بعدم الثقة في خطوات التطبيق المرتقبة، دعوات صريحة وموارِبة، لتحقيق هدف إفشال المشروع المؤامرة، الموصوف بإعمار غزة، برمته. المدهش، لكن غير المفاجئ، أن أصحاب التحليلات والإرشادات، يقرؤون، يسمعون، وبالتالي يعرفون ويعلمون تمام العلم، أن حكومة إسرائيل الفاشية، ويشمل بعض ما يوصف بأحزاب المعارضة، تعمل لتحقيق ذات الهدف: إفشال المرحلة الثانية بكل تجلياتها. الفارق أن نتنياهو، فيما يبدو، يعتمد شعار بن غوريون ذاته مع استبدال لفظ المفتي بلفظ حماس. لسان حاله يقول: [اعتمد على حماس]. كيف؟
سياسيونا، مثقفونا، المُثرثون على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الفضائيات، الحريصون على القضية، لا يسألون أنفسهم السؤال البسيط التالي: كيف يلتقي الضدان: الفلسطينيون المقاومون والحكومة الفاشية الإسرائيلية على ذات الهدف؛ إسقاط مشروع إعمار غزة؟ ومن من هذين الضدين القادر على الاستفادة من النجاح في إفشاله؟
لا أظن أن أحدا لا يعرف الآن أن إسرائيل قامرت بمكانتها الدولية، قبلت بالتحول إلى دولة منبوذة، مقابل فوزها بالجائزة الكبرى المتمثلة في إنهاء القضية الفلسطينية من خلال عملية طرد واسعة للملايين الفلسطينية السبعة غرب النهر. كما لا أظن أن أحدا صدق أن اقتلاع الأبراج السكنية، تدمير المدارس والجامعات، حرق المكتبات ودور الثقافة، تدمير المنشآت العامة، تدمير المستشفيات والعيادات الصحية، الصيدليات والمختبرات، تجويع وتعطيش الجماهير الغفيرة، التطويح بها إلى ما سمي بالمناطق الآمنة مرات ومرات.. الخ استهدف فقط القضاء على حماس أو حتى إضعافها. ولا أظن أن سياسيا، محللا، أو مثرثرا على وسائل التواصل الاجتماعي، لا يعرف أن إسرائيل، وقبلها أمريكا، استهدفت من وحشية حربها على غزة تطبيق مخطط الترحيل المعد مسبقا، وتسلم الأرض خالصة مخلصة، لكنها فشلت وترى أن فشلها آني، وأنه سيتحول إلى دائم في حال بدأ الإعمار وتطور إلى تحصين الصمود بعوامل فعلية، تتجاوز الشعارات والمؤثرات العاطفية، المعنوية والرمزية السائدة حتى الآن. وأيضا لا أظن أن أحدا لا يعرف أن نتنياهو وحكومته الفاشية لا ينتظرون تعثر المرحلة الجديدة بعيون الأمل فقط. لكنني على قناعة أنهم لا يعرفون أن نتنياهو، سموتريتش وبن غفير اعتمدوا السير على درب بن غوريون معتمدين شعار "اعتمد على حماس". كيف؟
أغلب الظن أنه لا يستوقف سياسيينا، محللينا.. الخ موضوع تعثر تشكيل قوة حفظ الأمن الدولية، بسبب تمنع العرب وبعض المسلمين عن المشاركة. التمنع راجع لعدم الرغبة بالاصطدام مع حماس في مسألة تسليم سلاحها. العرب يعرفون أن تسليم حماس للسلاح وللأنفاق موضوع إجماع دولي لا مهرب منه، وأن حماس ترفض وتناور. والكل يعرف أن نتنياهو وحكومته يتخذون من رفض حماس متكأ، يعيقون ويعطلون العملية كلها. والمشكلة عندنا تتمثل في شبه الإجماع على دعم مناورات حماس من جهة والتشكيك في نوايا إعادة الإعمار من جهة أخرى. يحصل ذلك دون أن يكلف أحد خاطره بطرح السؤال: ما هي أهداف حماس المعلنة أو المخفية من الاحتفاظ بسلاحها كله أو الخفيف منه؟ هذا سؤال واجب لأن حماس تعرف أن العالم لن يسمح لها بذلك، وهي تعرف أن احتفاظها بالسلاح يعني أن لا إعمار. وأن لا إعمار هذه تعني العودة لتقليب المليوني غزي في طبقات الجحيم من جديد.
يقال إن حماس تتمسك بسلاحها حماية لِحيوات أفرادها فيما بعد. ويقال إن غاية السلاح استمرار حكم حماس للقطاع. ولا يقال إن احتفاظ حماس بالسلاح يشكل دعوة لإسرائيل لاستئناف العدوان، تفعيل مخطط التهجير وإنهاء القضية، ومعها تفريق حماس ذاتها وحلفائها وكل مناصريها ومعارضيها، وتشتيتهم في البلدان أيدي سبا، في تكرار مضاعف عشرات المرات لنكبة العام 48.
أخيرا هل صحيح أن احتفاظ حماس بسلاحها الخفيف وبالأنفاق يؤمن استمرار حكمها للقطاع؟ ظني أن ذلك غير صحيح. وأن الصحيح في ظني أن إنجازات حماس التي سردتها في بيانها الأخير، إن كانت صحيحة، هي ما يؤمن لها ذلك. هذه الإنجازات التي تتجاوز العشرين مرفقة بتسليم السلاح كله، وبتحويل الأنفاق إلى مرفق سياحي هام، ستضمن لحماس اكتساح أية انتخابات قادمة. ستضمن لها حكما للقطاع مسنودا بمحبة الناس وثقتهم، بديلا لخوفهم ومذلتهم. لكن حماس تعرف أن هذه الإنجازات لا وجود لها على الأرض، وأن الموجود مآسٍ وفواجع بلا حصر. وعليه تتبدى حقيقة موقف حماس على نحو: أنا ومعي الطوفان.
وأختم بالسؤال: هل صحيح أن أميركا، بمجلس سلامها الجديد، لا تريد سلاما ولا إعماراً لغزة؟ وأن كل الأمر وما فيه ضحك على الذقون الفلسطينية؟


.jpeg)







.png)

.png)