الإضراب كأداة مقاومة مدنية للجباية القسرية (الخاوة): حين يتحول الخوف إلى موقف جماعي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

لم يعد الخطر في الجباية القسرية (الخاوة) أنها تسلب المال فقط، بل أنها تسلب الإحساس الطبيعي بأن المدينة ملك لأهلها. حين يصبح فتح محلّ تجاري قرارًا يحتاج "إذنًا غير مُعلن"، وحين يتحول الرصاص إلى لغة تفاوض، ندرك أننا أمام اقتصاد خوف لا أمام جريمة عابرة. في هذه اللحظة بالذات، لم يكن الإضراب الذي قاده أصحاب المصالح مجرد توقف عن العمل، بل محاولة جماعية لاستعادة الحدّ الأدنى من السيادة على الحياة اليومية: أن نعمل دون ابتزاز، وأن نعيش دون تهديد.

لم تعد الجباية القسرية (الخاوة) مجرد كلمة يتداولها الناس همسًا، ولا حادثة عابرة تُسجَّل في دفتر الخوف ثم تُطوى. ما نعيشه اليوم هو شكلٌ من أشكال العنف المنظّم الذي لا يكتفي بتهديد الأفراد، بل يسعى إلى السيطرة على الحياة اليومية عبر الاقتصاد. فحين يُطلق الرصاص على أصحاب المصالح لأشهر متتالية، وحين تتحول التهديدات إلى قاعدة، يصبح الهدف واضحًا: فرض طاعة جماعية بالقوة، وإقامة "سلطة ظلّ" تبتز المجتمع وتعيد تشكيله وفق منطق الإكراه.

في بلداتنا، لم يعد الرصاص مجرد صوت، بل رسالة. رسالة تقول إن السوق لا يفتح بإرادة صاحبه، وإن رزق الناس يمكن أن يتحول إلى رهينة. لكن ما حدث في الأسبوع الأخير كشف لحظة مفصلية: لم يعد الخوف قادرًا على البقاء داخل البيوت، ولا داخل صدور التجار وحدهم. لقد خرج إلى العلن، وواجهه المجتمع بقرار غير مألوف: الإضراب.

بدأ التصعيد بسطو مسلح على مخبز. والمخبز ليس مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل مساحة يومية بسيطة تُشبه الحياة في أبسط صورها: رغيف خبز، طفل يشتري فطيرته، امرأة تمرّ في طريقها إلى البيت. لذلك كان قرار صاحب المخبز بالإغلاق في اليوم التالي قرارًا يتجاوز التجارة إلى المعنى. لم يكن هروبًا، بل حماية للحياة، ورفضًا لأن يتحول المكان الذي يطعم الناس إلى ساحة تهديد.

ثم جاءت التهديدات لمصلحة تجارية كبيرة، فاختار صاحبها إعلان إضراب مفتوح. لم يعلن ذلك بحثًا عن بطولة، بل لأنه أدرك أن الدفع ليس "حلًا"، بل تثبيتًا لمعادلة خطيرة: من يدفع اليوم سيُطلب منه أكثر غدًا، ومن يقبل بالخضوع مرة سيجد نفسه في دائرة لا تنتهي. الإضراب هنا لم يكن قرارًا اقتصاديًا، بل قرارًا أخلاقيًا: رفض شراء الأمان بالمال، ورفض تحويل الكرامة إلى فاتورة شهرية تُدفع تحت تهديد الجباية القسرية (الخاوة).

غير أن التحول الأهم لم يكن في قرار الإغلاق أو إعلان الإضراب، بل في اللحظة التي انضم فيها شاب صاحب مصلحة لم يتعرض للتهديد أو الابتزاز المباشر. انضمّ تضامنًا. وهذا ما صنع الفارق. لأن مقاومة الجباية القسرية (الخاوة) لا تنجح حين تبقى محصورة في المتضررين وحدهم، بل تنجح عندما يفهم المجتمع أن الرصاصة التي تُطلق على محل اليوم قد تُطلق على بيت غدًا. هنا بدأت "كرة الثلج" تتدحرج، ليس لأن الناس أحبّوا الإغلاق، بل لأنهم فهموا أن استمرار العمل تحت التهديد هو شكل من أشكال التطبيع مع الخوف.

توسّع الإضراب تدريجيًا، ثم جاءت نقطة انعطاف أخرى لا تقل أهمية: انضمام لجنة أولياء أمور الطلاب في المدارس. هذه الخطوة نقلت الإضراب من كونه احتجاجًا اقتصاديًا إلى كونه موقفًا مجتمعيًا شاملًا. فالمدرسة ليست مؤسسة تعليمية فقط، بل رمز للاستقرار والأمان والمستقبل. وعندما تتوقف المدارس، يصبح السؤال أكبر من التجارة: أي مستقبل نريده لأطفالنا؟ وأي معنى تبقى له الحياة العامة إذا كانت تُدار بمنطق الرصاص؟

من هنا، لم يعد الإضراب محليًا. اتسعت الدائرة، وتحول من حدث في بلدة إلى عنوان قطري، وصولًا إلى مظاهرة وُصفت بأنها الأكبر في المجتمع العربي منذ سنوات طويلة. هذه ليست مجرد أرقام في الشارع، بل لحظة تاريخية تعكس تراكمًا طويلًا من الألم والصمت والإحباط، ثم تحوله إلى فعل جماعي علني. إنها لحظة تقول إن المجتمع لم يعد قادرًا على الاحتمال، لكنه في الوقت نفسه لم يعد مستعدًا للاستسلام.

وإذا أردنا فهم ما جرى بعيون تحليلية، فإن الإضراب هنا ليس "توقفًا عن العمل"”، بل شكل من أشكال المقاومة المدنية السلمية. فهو لا يواجه العنف بالعنف، بل يواجهه بتعطيل آلية السيطرة التي تحاول الجريمة فرضها. فالجباية القسرية (الخاوة) كأداة من أدوات الاقتصاد الإجرامي لا تهدف فقط إلى تحصيل المال، بل إلى إنتاج الطاعة وإعادة ترتيب المجال العام وفق منطق "الدفع مقابل البقاء". وكل دفعٍ لها ليس خسارة مالية فحسب، بل اعتراف ضمني بشرعية سلطة موازية تُنافس الدولة في وظائفها الأساسية: الأمن، والتنظيم، وتحديد حدود المسموح والممنوع.

لذلك فإن الإضراب—حين يصبح جماعيًا—يعيد تعريف السوق كمساحة سيادة مجتمعية: نحن من يقرر متى نفتح، ومتى نغلق، وما الذي نقبل به وما الذي نرفضه. وهو بهذا المعنى لا يوقف الحركة الاقتصادية فقط، بل يوقف أيضًا محاولة تحويل الخوف إلى نظام حكم.

هذا النموذج ليس غريبًا عن العالم. ففي صقلية بإيطاليا، واجهت مجتمعات كثيرة المافيا عبر مبادرات مدنية رفضت دفع الإتاوات وبنت شبكات تضامن تحمي التجار وتمنع عزلهم. وفي دول أخرى شهدت مجتمعات أشكالًا من الإغلاقات والاحتجاجات المدنية أمام عنف العصابات أو الجماعات المسلحة. القاسم المشترك في هذه التجارب أن المقاومة لا تنجح عبر البطولة الفردية وحدها، بل عبر تحويل الخوف إلى قضية عامة، وبناء شرعية جماعية للرفض.

لكن نجاح الإضراب لا يُقاس فقط بقدرته على التعبئة، بل بقدرته على الاستمرار دون أن يُستنزف. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: الإضراب يحتاج إلى وحدة رسالة واضحة، وإلى اتساع في التحالف الاجتماعي، وإلى تنظيم عملي يترجم الغضب إلى خطوات: توثيق التهديدات، دعم قانوني وإعلامي، حماية مجتمعية، وخلق شبكات تضامن تخفف العبء عن المتضررين.

في النهاية، ما حدث ليس حدثًا عابرًا، بل لحظة كاشفة: المجتمع قرر ألا يعتاد الخوف. الإضراب لم يكن تعطيلًا للحياة، بل محاولة لإنقاذها من التطبيع مع العنف. وحين تتحول "لا" الفردية إلى موقف جماعي، يصبح بالإمكان كسر منطق الاستفراد وبناء مساحة عامة أكثر أمانًا. هذه ليست نهاية المشهد، بل بدايته: بداية استعادة الحق في مدينة تُفتح أبوابها بإرادة أهلها، لا تحت تهديد السلاح.

قد يهمّكم أيضا..
featured
راوية حندقلور
راوية حندقلو
·2026-01-27 12:23:22

في سخنين: الجماهير العربية تستفيق من سباتها

featured
د. ميسون أبو رياد
د. ميسون أبو ريا
·2026-01-27 14:56:03

الإضراب كأداة مقاومة مدنية للجباية القسرية (الخاوة): حين يتحول الخوف إلى موقف جماعي

featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-27 11:57:41

اغلاق ملف الاسرى والمحتجزين وفرصة المرحلة الثانية

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-27 07:36:02

مجلس "سلام" ترامب والمصير الوطني

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-26 09:10:13

الامبراطور الشره: ترامب وغرينلاند

featured
علاء شلاعطةع
علاء شلاعطة
·2026-01-25 19:25:37

لا أخشى عدوًا لنا، إنما أخشى عدوًا فينا اسمه اليأس

featured

لا للعودة لأجواء العام 47

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-23 19:16:04

من "مثلث يوم الأرض" إلى معركة الجريمة: مقاربة تاريخية لعوامل نضج الحراك