نقطة تحوّل فارقة في السياسة الدولية

A+
A-
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتدى الاستثمار السعودي الأمريكي، في الرياض، 13 مايو 2025. (وكالة الأنباء السعودية)

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتدى الاستثمار السعودي الأمريكي، في الرياض، 13 مايو 2025. (وكالة الأنباء السعودية)

تتسارع الخطوات الاوروبية والدولية العقابية ضد اسرائيل، وتتدارس عدة دول اوروبية كبرى الاعتراف بدولة فلسطين. ترفض غالبية دول العالم تجويع الفلسطينيين في غزة وتؤكد التزامها بمنع اي تهجير للسكان. تبدي ادارة ترامب غضبها الكبير على رئيس الحكومة نتنياهو وتطالبه بوقف الحرب وتحمله مسؤولية اخفاق المفاوضات، كما وتتصدر الموقف الامريكي الجديد صور ضحايا التجويع الاتية من غزة، كما وترشح اخبار من الادارة عن امكانية توجيه الدعوة لرئيس الحكومة السابق نفتالي بيننيت لزيارة البيت الابيض، وهو اكثر من يشكل خطرا على استمرار حكم نتنياهو مما يشكل تدخلا مباشرا في الحلبة السياسية الحزبية. بدوره يطالب بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر بوقف الحرب على غزة وبادخال المساعدات الانسانية غير المحدود وفورا. داخليا في اسرائيل لا تزال تصريحات يائير غولان في محور الصخب الداخلي، وتوحي بوجود ضغوط متعددة الجبهات خارجية وداخلية على حكومة نتنياهو. 

ميدانيا تقوم اسرائيل بتوسيع عملياتها في غزة وتستدعي المزيد من وحداتها العسكرية، فيما تتقدم المفاوضات في الدوحة وتقدم ادارة ترامب صيغة ضمانات لوقف الحرب، مما يتيح كما يبدو التوصل الى توافق بصدد مقترح ويتكوف القاضي بتبادل رهائن واسرى جزئي ووقف اطلاق النار لنحو عشرة اسابيع وايجاد صيغة لمصير حماس في غزة وفقا لواشنطن.

كرر الاعلام الاسرائيلي مفاهيم مثل "تسونامي" وزلزال دولي في توصيف حملة التحرك الدولي الغربي المتزامن للضغط على الحكومة الاسرائيلية في مسألتين؛ ادخال المساعدات الانسانية الى غزة والكف فورا عن استخدام التجويع سلاحا؛ ووقف الحرب.  

في التحليل؛ يبدو ان اسرائيل ومن دون سقف الحماية الدبلوماسية الامريكية قد فقدت القدرة على التاثير على مجريات التحولات الدولية، وحصريا من داخل البيئة الدولية التي اعتمدتها درعا لسياساتها وامام اية انتهاكات للقانون الدولي بما فيه الاحتلال والاستيطان وحرب الابادة والمساءلة امام المحكمة الدولية. 

ما يميز هذه التحولات؛ اولا انها تتسارع غداة زيارة ترامب العربية الخليجية واتساع الفجوة بين اولويات الادارة اقليميا ودوليا وبين نوايا واولويات حكومة نتنياهو؛ وثانيا هو قدرتها على الاستدامة والمراكمة فهي تأتي عشية انعقاد المؤتمر الدولي بمبادرة سعودية عربية وفرنسية اوروبية للبحث في خطوات عملية نحو اقامة دولة فلسطينية والذي سيعقد في شهر حزيران/ يونيو القادم في نيويورك؛ وثالثا حجم الحراك الشعبي في اوروبا والداعي الى وقف حرب الابادة على غزة وتحميل الحكومات الاوروبية مسؤولية سياساتها وحصريا على ضوء قرارات محكمة العدل الدولية الاحترازية في دعوى جنوب افريقيا؛ ورابعا هو ان الدول الاوروبية حصريا تدرك انها تتحمل مسؤولية قانونية مباشرة على المستويين الوطني والاوروبي الجماعي تجاه تعاونها الامني مع اسرائيل، بما فيه تزويد اسرائيل بالاسلحة والذخيرة التي استخدمت في الحرب على غزة.

لا تستوعب اسرائيل بعد حجم التحرك الدولي، لا على المستوى الرسمي المفتون بجنون القوة، ولا على مستوى الراي العام. التحليللات الجوهرية التي ترى حجم البعد الاستراتيجي لما يحدث دوليا، امريكيا واوروبيا هي لدى الاعلام وحصريا صحف هارتس ويسرائيل هيوم وواينت، وكذلك في المجلات الاقتصادية مثل ذي ماركر وكلكليست. فيما ان الحكومة ممثلة برئيسها تتهم كلا من بريطانيا وفرنسا وكندا بأنها تقدم هدية كبرى لحماس، بينما يحذر وزير الخارجية ساعر بريطانيا من عواقب ارتداد سياساتها عليها بعد ان اعلنت الاخيرة رفع المحادثات مع اسرائيل واعادة النظر في اتفاقية الشراكة مع اسرائيل.

تشير مجلة كلكليست الى ان حجم الضرر الاسرائيلي في حال قرر الاتحاد الاوروبي تعليق اتفاقية الشراكة مع اسرائيل (1995) سيفوق 40 مليار يورو، وتشير المجلة الى ان الاتفاقية تشكل الاساس القانوني القضائي للعلاقات التجارية بين اسرائيل والاتحاد الاوروبي، فيما تضيف الصحيفة ان الثمن الاسرائيلي لا ينحصر في البضائع والسلع وانما ايضا في امكانيات الاستثمار في الاسواق المالية الاوروبية مما بما فيه الاستثمارات المبنية على ادخارات المواطنين الاسرائيليين طويلة الامد، بما فيها مجموع مخصصات الضمانات الاجتماعية للموظفين. وهذا فيما بلغ حجم الصادرات الامنية الاسرائيلية الى اوروبا ذروته في نهاية العام 2023 ووفقا لصحيفة يسرائيل هيوم فإن نحو 4.5 مليار يورو اي ما يعادل 35% من الصادرات الامنية الاسرائيلية وهي السوق الاكبر بعد السوق الاسيوية. بينما بدأت سياسة الاجراءات العقابية في معرض يوروساتوي للصناعات الامنية حيث قامت فرنسا بإلغاء مشاركة الشركات الاسرائيلية فيه في حزيران/يونيو 2024.

تشكل الخطوات الامريكية الاستراتيجية في المنطقة وما نتج عن زيارة ترامب الخليجية، تحديا لاوروبا التي وجدت نفسها بعيدة عن الوتيرة الامريكية للتدخل وخارج حسابات واشنطن، بل ان ترامب ينجح في اقامة محاور جديدة خليجيا واقليميا بما فيه في الملفين السوري واللبناني وحتى في الملف الايراني ناهيك عن ملف الحرب في اوكرانيا، بينما يتم استبعاد الموقف الاوروبي. وهو الامر الذي يدفع اوروبا الى التدخل ولعب دور فعلي وليس ضمن السقف الامريكي بما فيه في قضية فلسطين وغزة.

تجد اوروبا في الوضع الراهن فرصة لاعادة طرح فعلي وتطبيقي لمشروع الدولة الفلسطينية وحل الدولتين لما فيه من مصالح لدول الاتحاد واعترافا بأن الحل ممكن فقط عن طريق التدخل الدولي الضاغط ولا يمكن رهنه لطرفي الصراع المباشرين. انه الموقف الذي اعتمده وحيدا يوسيب بوريل مفوض العلاقات الخارجية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023 بضرورة فرض الحل لصالح الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي ولصالح المنطقة والعالم ولمصلحة اوروبا. ثم ان الموقف الاوروبي لا يتوقف عند اولوية اغاثة سكان غزة ومنع تهجيرهم ووقف الحرب فحسب، بل يتحدث عن التصعيد الاحتلالي الاستيطاني في الضفة الغربية وعن مقومات الدولة الفلسطينية التي تسعى اسرائيل الى نسفها.

في مستوى الرواية فإن ما يحدث اوروبيا ودوليا هو انقلاب تام في الرواية. ولاول مرة تكون الصدارة دوليا لصورة الفلسطينيين ضحايا التجويع القاتل والدمار الشامل. بعد السابع من اكتوبر 2023 تمتعت حكومة نتنياهو بأوسع تاييد دولي في حربها على غزة، بينما يشكل الانقلاب في الرواية احد مقومات التحولات، فالرواية جزء لا يتجزأ من الحرب.

للخلاصة؛ فإن المخاطر المحدقة بالوجود الفلسطيني في غزة جدية وحقيقية ومباشرة، ويبدو تكثيف العدوان فيه سباق مع الوقت حيث تتوقع حكومة نتنياهو صدور قرار امريكي حازم بهذا الصدد. ثم ان التحولات الدولية مهمة للغاية وذات أبعاد فارقة، وكذلك الاصوات الاسرائيلية الداعية الى وقف الحرب وقتل الاطفال، الا انها مجتمعة ستكون نافذة الاثر في حال حسمت ادارة ترامب موقفها الذي سربته عشية جولته العربية الخليجية بإيقاف الحرب. ان هذه التحولات كانت مستبعدة لولا الموقف العربي في منع التهجير في بداية الحرب، وتؤكد اهمية مخرجات قمة القاهرة الاستثنائية التي تسعى حكومة نتنياهو الى نسفها. 

تبدو التحولات الاوروبية بداية مرحلة جديدة تلتقي فيها الابعاد الرسمية والشعبية لصالح الحق الفلسطيني وهذا تحول استراتيجي لصالح حل الدولتين. هذا وتؤكد التحولات الاوروبية اهمية حركة التضامن والمناصرة الشعبية العالمية في تاثيرها على السياسات في بلدانها ومدى محورية الحق الفلسطيني.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية