عنوان المقال -كما هو معروف- شطر بيت قاله ابن زيدون، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب ابن زيدون، المخزومي الأندلسي، أبو الوليد. شاعر أندلسي كبير ووزير بارع، وُلد في قرطبة ونشأ في بيت علم ووجاهة. برز في ميدان الشعر والنثر، وتصدّر المشهد الأدبي في عصره. انقطع إلى بلاط ابن جهور حاكم قرطبة، فأصبح سفيره إلى ملوك الطوائف في الأندلس، فأُعجبوا بفصاحته وبلاغته. غير أن ابن جهور اتهمه بممالأة المعتضد بن عباد، فحبسه. فأرسل إليه ابن زيدون رسائل استعطافية بليغة، لم تُجدِ، فهرب والتحق بالمعتضد صاحب إشبيلية، الذي قلّده الوزارة وفوّض إليه شؤون دولته، وظل في بلاطه مبجلاً حتى توفي في إشبيلية في عهد المعتمد بن عباد. اشتهر بقصيدته التي مطلعها: أضحى التنائي بديلاً من تدانينا، والتي كتبها في حب ولّادة بنت المستكفي، وتمثّل في عُرف النقد الأدبي ذروة شعر الغزل في الأندلس.
استعرت شطر بيت ابن زيدون ليكون مدخلي لما ألاحظه من تناءٍ بين الخلق في بلدي الحبيب، حتى وجدتُ ابن بلدي يقول لي: أنت من إدلب، لا تقرب صوبي. وأسأل مستغربًا: أيظن فيَّ الجرب؟ ظاهرة لافتة لم نعتدها في حياتنا. والتنائي: اسم، مصدر تناءى، والتنائي عن المكان: الابتعاد، البُعد، التباعد عنه أضْحَى التنائي بديلاً عن تدانينا/وناب عن طيب لُقيانا تجافينا. لا تحسبوا نأيَكم عنّا يغيِّرنا/إذْ طالما غيَّر النأي المحِبينا.
وأنا، والله، لم أبتعد عن بلدي حبًّا بالابتعاد ولكن للضرورة أحكام، رُميتُ بالغربة عن بلادي كأني أذنبتُ في حالة القرب، فأدَّبتني بهجرها وبُعدها. أستغفر الله! هي مسقط رأسي، ومجمع أهلي وناسي، وملعب إخواني وخلّاني. والشاعر يقول: شكوت وما الشكوى لمثلي عادة/ولكن تفيض العين عند امتلائها. وعلمي أن محاسن الأوطان كثيرة لا تُستقصى، وأوصاف صفاتها تتضاعف أعدادها ولا تُحصى. وها أنا ذا من بعيد أُطلُّ عليك يا وطني، وأحنّ إليك، أي والله! وكيف أُخفي ذلك، وقد سبقنا الأوائل في القول: حبُّ الأوطان من الإيمان. وأقول مع الشاعر: وما عن رضىً كانت سُليمى بديلةً/بليلى، ولكنها للضرورات أحكام. وأبو الطيب يُنشد: لا خيلَ عندكَ تُهديها ولا مالُ/فليُسعد النطقُ إن لم يُسعد الحالُ.
يا سيدي -عافاك الله وشافاك- حِلمك عليَّ قليلاً، وما يضيرك أنني من مدينة إدلب في الشمال الغربي من سورية، وارجع من فضلك خطوة إلى الوراء لا خطوتين، نعم، حينئذٍ ستجدني أقول: نعم، أنا من هناك، حيث كل شيء مرتفع، الرَّوابي والنهود والجباه، على حدِّ تعبير صديقي الشاعر الهُمام صقر عليشي. نعم أنا من تلك البلاد وهي بوابة التاريخ وفيها الكثير من الحُسن والمحاسن. وتسأل: وما المفيد في الرجوع إلى الوراء، والعادة أن يتقدَّم الإنسان إلى الأمام ليرى مستقبله جيدًا ويدرك منه ولو شيئًا بسيطًا. ولكن في هذا الزمن الأغبر الذي تنضح من جنباته الشدائد والمحن، يظهر أن المستقبل يرتاح في غموضه، بل يغيب في ضباب كثيف حتى عن عيون زرقاء اليمامة، فتنعدم الرؤية ويصيب الناس الإحباط والسأم، لذلك نلتفتُ إلى ماضٍ نظنّه كان جميلاً، صحيح أنه مضى وانقضى، ولكنْ، لعل تذكّر تلك الأيام الخوالي أن يعيد لنا الأمل الضائع ويشدّ من عضدنا وعزيمتنا ويقوّي أزرنا. والعرب تقول: (اشدُد يديك بغرزة) يُضرب المثل في حثّ المرء على إتقان عمله والتفاني فيه. وقد استعيرت كلمات هذا المثل من رفيقنا الإسكافي الذي كان يصنع النعال ويشدُّ يديه بغرزها.
وكُلنا يعلم بأن آراء الناس تختلف بين زمن وآخر، وهذا من حقهم، ولكنهم يحتاجون إلى التعاون من أجل نهضة الأوطان، وأساس التعاون والعيش المشترك هو التفاهم الذي يزيل الخلاف بين الأطراف ذات العلاقة في عالم متنوع. وكُلنا يعلم أيضًا بأن الوطنية الحقَّة هي هذا الشعور العميق الذي يحدو صاحبه إلى مؤاخاة جميع الناس، لأنهم يشاركونه في مُثُلٍ عليا يُقدسها وهي تستلزم حقوقًا وواجبات.







.png)


.jpeg)



.png)

