يمكن للمرء أن يدرك إلى أي حد يضرّ الموقف القدري في تفسير ظواهر العالم، إذا تأمل المثل التالي:
فبعض الفلاسفة ممثلي الطبقة البرجوازية الحاكمة، كما الطبقات السائدة عبر التاريخ، يتحدثون عن"الحتمية القدرية" للحروب وسباق التسلح. وانطلاقًا من هذا المنطق، نجدهم عندما يتحدثون عنالحرية والديمقراطية والنظام والحضارة في الغرب، يوجهون المدافع والطائرات والصواريخ العابرةللقارات لسحق شعوب بأكملها في العراق وإيران ولبنان وسوريا واليمن، ويقتلون الأطفال والنساء، ويمارسون حرب الإبادة والتجويع في غزة والضفة الغربية، فيما يواصل الاحتلال الإسرائيلي جرائمهالبشعة من اضطهاد وتهجير وإلغاء لإنسانية الآخر، وكأن كل ذلك "قدرٌ إلهي" مفروض على المنطقة.
لكن الواقع مختلف تمامًا. إذ إن سياسة النضال في سبيل إنهاء كل أشكال الاحتلال وصيانة السلامالعالمي، من خلال مشاركة الجماهير الواسعة، قادرة على منع الحروب المحلية ودرء نشوب حربعالمية ثالثة. فكل حرب، أيًّا كانت، هي استمرار للسياسة، والحروب ضد العراق ولبنان واليمنوسوريا وإيران وفلسطين ما هي إلا استمرار للسياسة العدوانية الإمبريالية العالمية وصنيعتهاالصهيونية، واستمرار لسياسات النهب والظلم الاستعماريين التي تمارسها الإمبريالية المتوحشة السائرة– لا محالة – نحو الانحطاط والانحدار ثم الاحتضار.
وهذه الحروب ليست إلا تعبيرًا عن تقيّحات المجتمع الطبقي البرجوازي في أعلى مراحله وآخرها: الإمبريالية.
من هنا، يتضح أن كلا وجهتي النظر، الإرادية والقدرية، خاطئتان. فكلتاهما تعالجان المسألة معالجةميتافيزيقية، فإما أن تعترفا بالحرية وتنفيَا الضرورة، أو بالعكس. أي: إما أن يكون كل شيء نتيجةللنشاط البشري الحر فلا وجود للضرورة، وإما أن يكون كل شيء خاضعًا للضرورة فلا مكان للحرية.
هذه النظرة التي ترى أن الحرية لا تتفق مع الضرورة هي جوهر ذلك الفهم الفلسفي الخاطئ.
-
فما الحل الصحيح إذن؟
في الحياة اليومية، يُفهم "الحرية" كثيرًا على أنها غياب القيود، ولذلك يُظنّ أحيانًا أن الضرورةتنفي الحرية. طالما هناك ضرورة، فثمة قيود وعراقيل، وهذا يعني – في هذا الفهم – أن الحريةمستحيلة. ومن هنا تنشأ المسألة: هل يمكن للإنسان أن يكون حرًا وهو يخضع لقوانين الضرورةالطبيعية؟
لنأخذ مثالًا: ارتياد الفضاء الكوني مرتبط بتجاوز قانون الجاذبية الأرضية الذي "يربط" الإنسانبالأرض. ولكن هل يمكن فعل ذلك "دون مراعاة" هذا القانون، أي رغمًا عنه؟ بالطبع لا.
فلكي تغادر المركبة الفضائية الأرض وتصل إلى المدار، يجب أن تبلغ سرعة تجعل قوتها الطاردةالمركزية أكبر من قوة الجاذبية الأرضية (وذلك عند سرعة تزيد عن 8 كيلومترات في الثانية). وقدتمكّن العلماء من إرسال مركباتهم إلى الفضاء لا رغمًا عن قانون الجاذبية، بل بناءً على فهمه العميقواستثماره.
-
أين تتجلّى الحرية الحقيقية إذن؟ هل هي في إنكار القوانين أم في معرفتها والاستفادة منها؟
الجواب واضح: في معرفتها والاستفادة منها.
وقد عبّر لينين عن هذه الفكرة بقوله: "الضرورة عمياء ما لم تُعرف، أما إذا عُرفت الضرورة، وإذاعُرف القانون، وأخضعنا فعله لمصالحنا، فإننا نصبح أسياد الطبيعة."
كما كتب إنجلز في مؤلفه "ضد دوهرينغ": "لا تكمن الحرية في الاستقلال الموهوم عن قوانينالطبيعة، وإنما في معرفتها، وفي الإمكانية القائمة على هذه المعرفة لإرغام قوانين الطبيعة بصورةمنهجية على العمل من أجل أهداف معينة."
وهذا القول صحيح سواء تعلق بظواهر الطبيعة أو بالحياة الاجتماعية.
فقبل ظهور الماركسية، لم تكن قوانين التطور الاجتماعي معروفة، وبقي الناس عبيدًا للضرورةالتاريخية. أما الماركسية فقد كشفت هذه القوانين، وكانت تلك الخطوة الأولى ليصبح الكادحون، المتسلحون بقوانين المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، صانعي مصيرهم وأحرارًا في بناء حياتهموفقًا للضرورة التاريخية.
إن حرية الإنسان تكمن في معرفة قوانين تطور الطبيعة والمجتمع واستخدامها بمهارة في النشاطالعملي. ولا يمكن للحرية أن تتجاوز حدود الضرورة.
ففي المجتمعات الرأسمالية، يظن بعضهم أنه اختار طريقة تفكيره "بحرية تامة"، وأن رغباته وعاداتهنابعة من "حريته الشخصية"، بينما هو في الواقع عبدٌ للظروف التي يعيش فيها، وعبدٌ للغرائز الناتجةعن الملكية الخاصة التي يعيد نمط الحياة إنتاجها باستمرار.
لا ظلّ هنا لأي "حرية شخصية" بالمعنى الذي يريده المنظّرون البرجوازيون؛ فكل شيء خاضعللضرورة.
وتظهر هذه الضرورة في ظل الرأسمالية على شكل قوى اجتماعية عمياء يمكن تشبيهها بالرياح العاتية. أما الحرية التي تستند إلى معرفة الضرورة فهي شيء مختلف تمامًا.
وتؤكد الماركسية أن الضرورة في الظواهر الطبيعية تختلف جوهريًا عن الضرورة في الظواهرالاجتماعية. فالضرورة في التطور الاجتماعي لا تتحقق كما يتناوب الليل والنهار أو تتعاقب الفصول، فهذه الظواهر الطبيعية تحدث بمعزل عن الإنسان، أما في المجتمع فإن كل شيء ناتج عن عملالإنسان ونشاطه الإنتاجي والثوري.
لكن هل يعني ذلك أن الضرورة الاجتماعية وقوانين التطور الاجتماعي من صنع الإنسان؟ طبعًا لا.
فالضرورة الاجتماعية موضوعية تمامًا كما هي الضرورة في الطبيعة. غير أن هناك فرقًا جوهريًا: ففيالطبيعة لا تستلزم الضرورة نشاط الإنسان، أما في الحياة الاجتماعية، فإن نشاط الإنسان يدخل فيعداد الشروط التي لا تتحقق الضرورة من دونها. وإذا لم يعمل الناس أو عملوا دون وعي ومثابرةلتحقيق هدفهم، فإن جهودهم لن تكون كافية لبلوغه.
هل يمكن مثلًا تجنب الحرب من دون نضال نشيط ضدها من جانب الجماهير الشعبية الواسعة؟ بالطبع لا. فإذا كانت قوى السلام خاملة لا تتحرك، فإن قوى الحرب السوداء ستصعّد نشاطها بلاشك.
وهذا ما نراه في المجتمع الإسرائيلي المصاب بـ"الذهان الاجتماعي"، الخارج من حرب والداخل فيأخرى، في غياب قوى سلام قادرة على منع الحرب القادمة.
لقد أثبت التاريخ أن الحرية في مجتمع يسوده استغلال الإنسان للإنسان والظلم القومي والاستعماريليست سوى وهم وخداع للشعوب.
فلا حرية للعمال ما دامت الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج قائمة، وما دام الاستغلال قائمًا. في هذهالظروف، تكون "حرية الشعب" بلا أساس واقعي موضوعي، ولا تتعدى كونها أهمية شكلية. والذينيتمتعون بالحرية في هذه الحالة هم المستغِلّون وحدهم.
إن الحرية التي لا تقوم على قاعدة مادية تشبه زهرة بلا جذور أو تربة: مهما كانت جميلة فإنها ستذبلوتجفّ سريعًا. وكما قال لينين: "لا يمكن أن تقوم حرية حقيقية في مجتمع تحكمه سلطة المال، حيثتعاني الجماهير الكادحة من البؤس، بينما تعيش حفنة من الأغنياء حياة الكسل والطفيليّة."
ولا تنال الطبقة العاملة والجماهير الشعبية حريتها السياسية والاجتماعية إلا عندما تمسك بزمامالسلطة وتبني مجتمعًا جديدًا خاليًا من المستغِلّين والظالمين.
فالإنسان لا يشعر بحريته الحقيقية إلا إذا توفّر له الأساس المادي لتحقيق أهدافه وطموحاته. ولذلك كتب إنجلز: "الاشتراكية هي قفزة من مملكة الضرورة إلى مملكة الحرية."
فقط في ظل الاشتراكية يستطيع البشر أن يضعوا مسار التطور الاجتماعي تحت إشرافهم، ويتصرفوابحرية في تقرير مصيرهم. وحين تتضافر جميع الظروف لخدمة العمل الخلاق الحر وتطوير جميعطاقات الإنسان ومواهبه، يُزال آخر حاجز في طريق البشرية نحو مملكة الحرية الحقيقية.








.png)


.jpeg)



.png)
