أخجل من فراشي الدافئ كل ليلة، كأنّه شاهد على خيانتي المستمرة.
وأكره المطر… ليس لأنّه مطر، بل لأن العالم قرّر أن يحتفي به كقصيدة حبّ، بينما يسقط فوق غزّة كقذيفة إضافية في حرب لم تنتهِ.
هناك، في المدن التي تُضيء شوارعها المصابيح وتُدفّئ بيوتها المواقد، يتغنّى الناس بـ“رومانسية المطر”، ويكتبون عن صوته على الشبابيك، وعن فنجان القهوة والبطانيات الناعمة، وعن “الموسيقى” التي تعزفها الرياح.
يا سلام!
عندهم الريح تعزف…
وفي غزّة الريح تصرخ.
في المخيمات، المطر ليس مشهدًا شاعريًا.
المطر محنة، ضيف فظّ يدخل بلا استئذان إلى خيمة ليست خيمة، بل قطع نايلون ممزّق، وخيشة باهتة نجت من غارة مطرية سابقة، وأعمدة خشب مخلخلة تقف متردّدة بين البقاء والسقوط.
داخل الخيمة، أجساد أطفال ملتفّة بأكياس النايلون، كأنهم يفاوضون البرد على الحياة.
صوت ارتجافهم أعلى من صوت المطر.
بطّانية واحدة، ثقيلة ورطبة، تفوح منها رائحة طين وعبء، تغطي ثلاثة صغار يتشابكون ليتدفأوا… ولا يتدفأون.
أحدهم يمدّ يده ليمنع تساقط قطرات من السقف، فتقع على كفّه.
يبكي.
ليس لأن الماء بارد… بل لأنّه يعرف أنّ السقف ينهار قليلًا في كل دقيقة.
وفي الخارج، طفل آخر يخوض معركته الخاصة.
أقدامه الصغيرة تغوص في الوحل حتى الكاحل.
يحمل قارورة بلاستيكية فارغة، يتعثّر، يسقط، ينهض، ويواصل السير.
المهمة عظيمة: إحضار ماء الشرب.
يمشي في الطين الذي يبتلع خطواته، يلهث من البرد، يرتجف من الريح، وتلسعه قطرات المطر كصفعات.
وعندما يصل إلى الخزان المعدني المؤقت، يقف في طابور طويل، وقدماه ترتجفان داخل فردة حذاء ممزّقة.
وعندما يعود، يحمل ماءً لا يكفي، لكنه يعود بابتسامة صغيرة…
ابتسامة النصر في معركة غير عادلة.
وعلى بُعد أمتار من كل هذا، طفلة صغيرة تمشي بين الخيام المتهالكة…
لا تمشي، بل تجرّ نفسها جرًّا.
ثيابها امتلأت بالمطر حتى صارت أثقل من جسدها الهزيل.
طفلة كان وزنها خمسة عشر كيلو، صار الآن خمسين لا من وفرة الطعام، ولا من الدفء، ولا من التخمة… بل من الماء المشبّع في ملابسها.
كل خطوة هي معركة.
كل محاولة للركض تنتهي بانزلاق.
تركض وتصرخ بصوت مبحوح يخترق العتمة:
"أنا سَقعانة!"
تقولها وكأنها تنادي العالم كله…
ولا يصل صوتها لأحد.
بالمقابل هناك عالمٌ كبير، ممتدّ، مترامي الأطراف، عالمٌ بكل دوله وأقطاره، جيوشه ومؤسساته، مؤتمراته وتحالفاته، لا يستطيع إدخال كرفان واحد إلى غزّة.
عالمٌ يشاهد أهل القطاع يسبحون في الوحل والطين… ولا يرفّ له جفن.
أي عالم هذا؟
عالم جبان. عالم قذر. عالم منزوع الإنسانية. عالم متوحّش لا يتردد في شراء الأسلحة والطائرات، لا ليحتفظ بها ضمن “مقتنياته الثمينة”، بل ليجرّبها على أجساد الفقراء، على الأطفال الذين يدفنون نصفهم في الطين ونصفهم في الغارات.
هذا العالم لم يفشل فقط… بل انكشف تمامًا.
وفي الجهة الأخرى من الكوكب، حيث لا يسمع أحد عن الوحل إلا في الصور، يجلس القادة في صالاتهم المكيّفة.
جلسات طويلة، طاولات لامعة، فناجين قهوة، نقاشات راقية حول “الوضع الإنساني”.
يضحكون أحيانًا، يتثاءبون أحيانًا، ويقترح أحدهم “الإعمار السريع”.
سريع؟!
حتى السلحفاة لو سمعتهم لابتسمت بسخرية.
هُم وحدهم قادرون على تحويل الإعمار إلى مشروع مؤجل بلا نهاية.
العالم الذي يحتفل بالمطر لا يعرف أنّ المطر في غزّة عدوّ موسمي.
مطر أوروبا يغسل الشوارع…
ومطر غزّة يغسل الوجع ويغرق الخيام.
مطر المدن البعيدة ينبت الورد…
ومطر غزّة ينبت الخوف ويعرّي العجز.
وفي كل قطرة، سؤال لا يهدأ:
أين أنتم؟
أين الإنسانية؟
أين الرحمة؟
أين أولئك الذين يملؤون المنابر بالوعود ويتقنون فنّ التأجيل؟
وفي النهاية—حين يشتدّ المطر في الليل—تعرف غزّة الحقيقة كاملة:
تعرف أن طفلًا ما ينام على سرير من الطين.
وطفلًا آخر يضع يده الصغيرة تحت السقف ليمسك بقطرات الماء.
وطفلة تصرخ "أنا سقعانة" بينما الماء يضاعف وزنها أربع مرات.
وأمًا تثبّت الخيمة من زاويتها كي لا تقتلعها الريح.
تعرف أنّ الشتاء ليس فصلًا… بل فضيحة.
فضيحة عالمٍ يحبّ المطر… ويكره أن يرى الحقيقة.
غزّة وحدها، رغم الطين والمطر والخذلان، ترفع رأسها.
غزّة وحدها التي لا تستسلم.
وغزّة وحدها تقول للعالم:
"المطر ليس قصيدة… المطر امتحان. وأنتم—كما دائمًا—رسبتم."
.png)





.png)


.jpeg)



.png)

