من الناصرة إلى كندا: لقاء مؤثّر مع فتاة غزّية يعيد تعريف التضامن

A+
A-
ضمن حملة "فكر بغزة": توزيع 700 حرام في منطقتي دير البلح ومواصي خان يونس

ضمن حملة "فكر بغزة": توزيع 700 حرام في منطقتي دير البلح ومواصي خان يونس

"تروي ديمة لـ " الاتحاد": تحدثتُ أمام زملائي الجدد عن أهمية التضامن مع الشعب الفلسطيني، وعن الحصار المستمر، ودورنا في كسر حاجز التجويع، حتى ولو بالتبرعات البسيطة.. توقّفت أمامي فتاة وسألتني بلهجة تكاد تكون حادة: ما اسم تلك الحملة؟ قبل أن تنهمر دموعها.."

في زمن تتوالى فيه الكوارث على الشعب الفلسطيني، من الاحتلال إلى الحصار، ومن التهجير إلى الغربة، تصبح أبسط لحظات التضامن فعلًا ثوريًا يحمل في طيّاته بذور الأمل والمعنى.

لكن، ماذا لو اكتشفنا أن ما نراه نحن كـ"مبادرات رمزية"، قد يكون في ظرفٍ ما بنظر من يعيش تحت النار، مسألة حياة أو موت؟

في شهادة إنسانية مؤثرة، تروي صحيفة "الاتحاد" قصة الناشطة ديمة قاسم، ابنة مدينة الناصرة، ورفيقة في صفوف الشبيبة الشيوعية، حول لحظة تقول إنها غيرت وعيها السياسي والوجداني، ودفعَتها لإعادة التفكير جذريًا في معنى "التضامن".

هذه ليست مجرد قصة عن غزة، بل عن العلاقة الحيّة بين أبناء الشعب الفلسطيني، وعن قدرة التفاصيل الصغيرة على زلزلة المفاهيم المألوفة، وإعادة تشكيلها من جديد.

الرفيقة ديمة قاسم، التي لم يتجاوز عمرها السابعة عشرة، كانت ناشطة فاعلة في الشبيبة الشيوعية في الناصرة، وشاركت مع رفاقها في تنظيم مسيرات الأول من أيار، ومسيرة العودة، وحملات تضامن مختلفة، إلى جانب مبادرات إغاثة لأهالي غزة الجريحة.

وفي حديثها لـ"الاتحاد"، تسرد ديمة لحظة استثنائية جمعتها مع فتاة غزّية انتقلت مع عائلتها من غزة إلى كندا، هربًا من حرب إبادة مستمرة.

تقول ديمة إن هذه الفتاة كانت أول غزّية تلتقي بها في حياتها، فيما كانت هي بالمقابل، أول من تراه الفتاة الغزية من ما يسمى بـ "عرب الداخل".

رواية ديمة

كنتُ أعتقد أنني أفهم معنى المعاناة، إلى أن التقيتُ بتلك الفتاة من غزة في مدرستي الجديدة في كندا. كنتُ مهاجرة حديثة، أحمل معي ذكريات المشاركة في حملة الإغاثة الزراعية التي نظّمتها الشبيبة الشيوعية في الناصرة قبيل مغادرتي. جمعنا خلالها مبلغًا معينًا لأهلنا في غزة، خُصص لتأمين الطعام والمياه النظيفة.

وفي أحد الأيام، تحدثتُ أمام زملائي الجدد عن أهمية التضامن مع الشعب الفلسطيني، وعن الحصار المستمر، ودورنا في كسر حاجز التجويع، حتى ولو بالتبرعات البسيطة.

لكنني لم أكن مستعدة للقائها.

فتاة توقّفت أمامي أثناء حديثي، كانت عيناها تلمعان بشكل غريب. سألتني بلهجة تكاد تكون حادة: "ما اسم تلك الحملة؟"

كرّرتُ الاسم، وقبل أن أكمل، تدفقت دموعها فجأة، وعانقتني بقوة أذهلتني. أخبرتني كيف أن الطعام الذي قُدِّم من خلال تلك الحملة كان الفارق بين الحياة والموت لعائلتها أثناء الحرب.

في تلك اللحظة، انكسر شيءٌ بداخلي.

شعرتُ بالخجل.

كيف تجرأتُ أن أتباهى بمساهماتٍ هي في حقيقتها مجرد قطرة في محيط من التجويع؟ كيف احتفظتُ بشعور "الفخر" بينما كل يوم يمرّ على غزة يُحصد فيه الأبرياء بالصواريخ، أو يُقتلون موتًا بطيئًا بالحصار؟

أدركتُ أن ما فعلناه لم يكن فضيلةً نتباهى بها، بل واجبًا إنسانيًا لا يُناقش.

هذا اللقاء علّمني أن القضية ليست مشاعرنا، بل حياة الناس.

وأن "المساعدة" ليست فضلًا نقدّمه، بل حق يجب أن نصارع من أجله.

اليوم، كلما رأيتُ خبرًا عن غزة، أتذكر دموعها، وعناقها، ذلك العناق الذي شعرتُ فيه بثقل الذنب أكثر من أي لحظة في حياتي.

سياق الحملة

يُشار إلى أن الحملة التي شاركت فيها ديمة قاسم هي حملة "فكّر في غزة"، التي نظّمها الحزب الشيوعي، الجبهة الديمقراطية والشبيبة الشيوعية في الناصرة بالتنسيق مع لجنة الإغاثة الزراعية، بهدف جمع التبرعات العاجلة لتأمين مواد غذائية ومياه نظيفة للأسر المحاصرة في القطاع خلال إحدى جولات العدوان.

في ظل التفاوت الصارخ في ظروف الحياة بين الداخل وغزة، وبين الشتات والوطن، تأتي هذه الرواية لتعيد التأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني، وعلى أن كل يد تُمدّ، حتى من بعيد، قد تعني البقاء بالنسبة لمن يعيش تحت القصف.

وما بدا لحظة انكسار في وعي فتاة، كان في حقيقته لحظة ولادة جديدة لفهمٍ أعمق.

ديمة، التي ظنّت أن مساهمتها رمزية، اكتشفت أن الأثر الحقيقي لا يُقاس بالحجم، بل بالصدق والانتماء.

من الناصرة إلى كندا، ومن حملة إغاثة إلى لحظة لقاء إنساني، تتجلّى الروابط التي لا تزال تجمع بين أبناء الشعب الفلسطيني، رغم المسافات والاختلاف في الظروف.

في قلب الغربة، وفي مواجهة واقع مركّب، يبقى التضامن فعلًا حيًّا، يتجاوز الشعارات، ويعبّر عن التزام أخلاقي وإنساني مشترك.

ليس فقط لأننا شعب واحد، بل لأن قيم العدالة والتكافل ما زالت حاضرة، وتجد طريقها حتى في أبسط التفاصيل.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية