اختبرتُ أعصابي حينما شاهدتُ على شاشة التّلفاز طيلة ساعات جلسة الكنيست يوم سقوط الباستيل في 14 تمّوز لإقصاء النّائب أيمن عودة، واستمعتُ الى خطابات فاشيّة تكره العرب وتمقت لغة الضّادّ، ولم أستغرب الرّسالة التي وصلت إليّ في أثناء الجلسة من نائبٍ عربيّ بارز ذي تجربة عريضة، حمل على كتفيه العريضتين منذ عقدين ونيّف رسالة التّعايش والسّلام، وهذا نصّ الرّسالة: " هذه كنيست كهانيّة وحكومة كهانيّة ودولة كهانيّة".
نجح بنيامين نتانياهو في فترة حكمه الطّويلة بالمراوغة وبالكلمات المعسولة التي تلتحف بالدّيموقراطيّة أحيانًا، وبالكلمات الصّريحة العنصريّة مثل "العرب يهرولون الى صناديق الاقتراع" أحيانًا أخرى. نعم نجح نتانياهو أن يُحيي كهانا من المقبرة وأن يفتح له بوّابة الحكومة على مصراعيها فلا غرابة أن يعلن 73 نائبًا في كنيست اسرائيل أنّهم مع إقصاء النّائب عودة من الكنيست، وهذا يعني إقصاء العرب من البرلمان الإسرائيليّ، خطوة اولى لإقصائهم من البلاد تحت شعار "صدق كهانا".
غاب عن جلسة الكنيست 32 نائبًا أي أنّهم انتخبوا بأقدامهم حسب المصطلح الأجنبيّ، وحاول كلّ واحد منهم وعلى رأسهم لبيد وغانتس أن يخفي في صدره كهانا بوبو. وصوّت ضد الإقصاء 15 نائبًا فقط وهم 10 نوّاب من الجبهة الدّيموقراطيّة والعربيّة للتغيير والموّحدة و5 نوّاب شجعان من " الدّيموقراطيّين".
يحقُ للبعض منا أن يتشاءم حينما يرى خمسة نوّاب يهود فقط لا غير يعارضون الإقصاء وأن يرى 110 نواب يهود في صدر كلّ واحد منهم يتربّع كهانا كبير او كهانا صغير، ولكن المتفائل الأبديّ الذي يطلب السّماح منكم يرى على الوجه الآخر للعملة صورةً ورديّة وليست سوداء قاتمة، فقد أعلن 120 نائبًا سابقًا معارضتهم للإقصاء ومنهم رئيسا حكومة سابقان (ايهود أولمرت وايهود باراك) ورئيسا كنيست سابقان (بورغ وريفلين) ورئيس دولة سابق، كما أعلن 200 محاضر جامعيّ اسرائيليّ و200 فنّان اسرائيليّ معارضتهم للإقصاء بالإضافة إلى 28 موقعًا من مواقع المظاهرات في البلاد أعلنوا أنّهم لن يستقبلوا أي برلمانيّ يؤيّد الإقصاء بالظهور والتّحدّث في مواقعهم. وكانت المفاجاة الكبرى والسّارّة أنّ 2500 أديب عبريّ إسرائيليّ يعارضون الإقصاء.
هذه الأعداد المحترمة من المجتمع الإسرائيليّ تقول لنا إنّ هذا الوطن لنا ولكم، وهذه البلاد بلادكم وبلادنا، ولا ديموقراطيّة ولا حريّة ولا مساواة بدونكم. ولا مستشفيات ولا عيادات بدون أطبّائكم وممرضاتكم، ولا صيدليّات بدون أولادكم، ولا فرق كرة قدم بدون لاعبيكم، ولا معاهد علميّة بدون علمائكم، ولا ولا ولا، ومعًا نستطيع أن نغيّر هذا الواقع الرّماديّ في البلاد.
وفي مقابلة تلفزيونيّة مع تلميذي الإعلاميّ هاني طنّوس قال إيهود اولمرت رئيس الحكومة الأسبق كلمات شجاعة وصريحة وهامّة جدًّا وأكتفي بواحدةٍ منها وهي: هذا التّصويت في الكنيست لإقصاء أيمن عودة يقول للمواطنين العرب عليكم أن تشاركوا بنسبة عالية في الانتخابات القادمة. وهذا معناه إذا نجح العرب بإيصال 15 نائبًا أو أكثر إلى الكنيست فلن يكون نتنياهو رئيسًا للحكومة، ولن يكون بن غفير وسموتريتش وزيرين، ولن تكون حكومة يمين، ولن يكون الكهانيّون وزراء، وعندئذ سوف تتوقّف الحرب ويتوقّف قتل الفلسطينيّين في غزة والضّفة الغربيّة، وتتوقّف عربدة المستوطنين، ويتوقّف بحث إسرائيل عن دول لتهجير أهل غزة إليها، ويتلاشى العنف، ويسود الأمن، ويبدأ إعمار غزّة.
هذا الأمر، أعني المشاركة بالإنتخابات وتغيير الواقع المرّ بأيدينا نحن العرب في هذه البلاد. وشعبنا شعب ذكيّ وشجاع وفهمان، وسوف يلقّن اليمين الإسرائيليّ الفاشيّ درسًا لن ينساه.
وإنّ غدًا لناظره قريب.
هل تسمحون لي أن أتفاءل؟
لا بدّ من أن نتفاءل!!







.png)


.jpeg)



.png)

