لا تكتب بعض الكلمات إلا والدمعة تسابق الحبر، ولا يقال الوداع إلا حين يرحل من كان صوته جزءاً من الذاكرة، ومن كان حضوره امتداداً لنا جميعاً.
يرحل اليوم الحبيب مفلح طبعوني (أبو موسى)، الشاعر والمناضل، ابن الناصرة الذي عاش عمره للناس وللوطن، وترك وراءه أثراً لا يمحى في الثقافة الفلسطينية وفي الوجدان الجمعي لشعب علّم الدنيا معنى الصمود.
عرفت أبا موسى منذ عقود طويلة، وكنت أراه في كل محطة من محطات النضال الثقافي والوطني، صلباً كالجبال، وعذباً كينابيع الجليل، حيث جمعتنا مئات اللقاءات والندوات والأمسيات، من الناصرة إلى طولكرم، ومن الجليل إلى غزة، وكان دائماً يحمل في عينيه شرارة الحلم، وفي كلماته صدق المقاتل الذي اختار طريق النور وسط العتمة.
كان مفلح طبعوني من القلائل الذين جمعوا بين الشعر والموقف، بين الجمال والواجب، وبين الإبداع والميدان، ولم يكن يكتب القصيدة ليقال إنه شاعر، بل لأنه كان يرى فيها سلاحاً للمقاومة، ووسيلة لحماية الذاكرة الفلسطينية من التزوير والطمس، فكانت قصيدته تمشي على الأرض، ناطقة بوجع الناس وفرحهم، بكرامتهم وجوعهم، بدم الشهداء وزغاريد الأمهات.
في مسيرته الممتدة لعقود، كان الراحل علماً من أعلام الحركة الثقافية والوطنية في الداخل الفلسطيني، أسس وشارك في مؤسسات واتحادات ثقافية كثيرة، وكان من أوائل الذين رفعوا لواء اتحاد الكتاب الفلسطينيين في الداخل ليكون منبراً للأصوات الحرة، وساحة للدفاع عن الهوية الوطنية في وجه سياسة الأسرلة ومحاولات التذويب، كما أسهم في تطوير المشهد الأدبي عبر مقالاته ونشاطاته الصحافية والنقدية في جريدة "الاتحاد" الحيفاوية، وظلّ حتى أيامه الأخيرة مؤمناً بدور الثقافة في تشكيل الوعي، وبأن الكلمة الحرة هي خط الدفاع الأول عن فلسطين الإنسان والمكان.
كنت أجد فيه الأخ الصادق والرفيق النبيل، لا يعرف الحقد، ولا يعرف التراجع، يواجه الظلم بابتسامة، ويقابل الجفاء بالمحبة، وكان مؤمناً بوحدة الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده، حريصاً على أن تبقى جسور التواصل مفتوحة بين الكتّاب والمثقفين في الوطن والشتات، لأن الكلمة برأيه لا تعرف الحدود.
لقد فقدتك يا أبا موسى كما يفقد القلب في الجسد، وفقدك المشهد الثقافي الفلسطيني أحد أعمدته الراسخة، وفقدتك الناصرة التي أحببتها وأخلصت لها، كما فقدتك طولكرم التي احتضنتك مراراً في أمسياتك الدافئة، حين كنت تملأ القاعات شعراً وبهجة وصدقاً.
ستبقى فينا أيها الحبيب ما بقي الشعر وما بقي الوطن، وستبقى قصائدك تضيء الدروب وتذكّرنا بأن الإيمان بفلسطين لا يشيخ، وأن الكلمة حين تكون صادقة قادرة على هزّ جدران الصمت والخذلان.
نم قرير العين يا مفلح طبعوني، يا أبا موسى، فقد أديت رسالتك كما يليق بالأوفياء، وسنبقى نذكرك في كل لقاء، وفي كل قصيدة ترفع فيها راية الوطن، كما كنت ترفعها أنت، بكبرياء شاعر ومقاتل وعاشق لا يقهر.
• شاعر فلسطيني من مدينة طولكرم







.png)


.jpeg)



.png)

