عن الأمة التي لا تُهزم: ثنائية النصر والهزيمة في الوعي العربي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

مفهوما "النصر-الهزيمة" متعلقان بالإطار العام الذي تدور فيه الصراعات، إطار الدولة الأمة الحديثة ذات السيادة، وهنا نقول بوضوح أن معنى النصر هو السيطرة على الدولة والأرض، ومعنى الهزيمة هو خسارة دولة وأرض، هذا هو معنى النصر والهزيمة بالعموم رغم التفاصيل التي قد يتخللها كل حدث، مثل عدم قدرة النصر العسكري على  التطور إلى نصر سياسي، ولكن هذا كان مفهوم الهزيمة كما فهمه الجميع، والعرب أيضًا كما سنرى.

انتزاع الدولة الحديثة يكون هو الهدف وغالبًا ما تنجزه القوى التي تنشأ وتتشكل في السياقات المختلفة للتحديث،  فمثلًا في غزوات نابليون في البلدان التي كانت منفتحة على الأنوار اعتبروا نابليون محررًا جاء  ب"الثورة الفكرة التي تحمل محرابًا".

"وخلال الحملات السابقة، كانت شعوب إيطاليا، التشيك، بولونيا، بافاريا، تعتبر الجنود الفرنسيين محررين، يحملون على فوهات بنادقهم المساواة وإلغاء الحقوق الإقطاعية". (التاريخ الكامل للعالم ص187 - جان كلود بارو، غيوم بيغو)

إن مواجهة الاستعمار تحتاج إلى بنى حديثة تُنتزع من الاستعمار نفسه، ويسجل اللقاء الأول بين الدولة الحديثة وفرسان العالم القديم في غزو نابليون لمصر وهزيمته لجيش فرسان العصور الوسطى المتمثل في المماليك، منذ ذلك الحين ثبت أنه من المحال أن تتمكن البنى التقليدية من هزيمة الجيوش والأمم الحديثة.

وفي سياق القضية التي نحن معنيون بها، أي حرب فلسطين منذ السابع من أكتوبر حتى هذه اللحظة، فإن مفهومَيْ النصر والهزيمة باتا غائبين بشكل شبه تام عن العقل العربي وعن العقل الفلسطيني، وبالأحرى مفهوم "الهزيمة" لا أحد يقوله رغم كل ما حدث من احتلال أراضٍ في غزة والضفة ولبنان وسوريا وإبادة الغزيين واحتكار حيواتهم وسقوط الدولة السورية وتصفية كل النخبة السياسية للحزب في لبنان وتدمير قسم معتبر من قدراته العسكرية وعدد لا يستهان به من مقاتليه، وثالثة الأثافي قصف طهران واستباحة مساحة معتبره من سماء إيران.

غير أننا نرى أن هذا الغياب لمفهوم الهزيمة ليس اعتباطيًا بل هو نتاج أيدولوجية صعدت على هامش الهزيمة منذ العام 1967 ونمت في فضاء الهزيمة، هذا الأيدولوجية تقوم على إنكار الهزيمة مستندة في ذلك إلى منطق اعتبار كل مكسب انتصارًا، فإذا رأينا وردة بين الركام نتجاهل الركام ونركز على الوردة.

ومن أضرار هذه الأيدولوجيا -التي سنوضح قصدنا عنها- أننا مجبرون على شرح معنى الهزيمة الذي لم يعد بديهية، فبعد العام 1967 كانت الدراسات تبدأ مباشرة بأسباب الهزيمة دون أن تستغرق في شرح معناها، غير أن الأيدولوجيا التي انتشرت لاحقًا حولتنا إلى "أمة لا تهزم".

في فكر كل من رفعوا لواء "تحرير فلسطين" كانت فكرة "العمق/المحيط العربي" حاضرة ولاحقًا جاء الإسلاميون وأضافوا "العمق الإسلامي"، ومفاد الفكرة أن تحر_ير فلسطين يبدأ بتعبئة الجماهير حتى تطوير الحرب من حرب عصابات إلى حرب نظامية، وفي حالة عدم تطورها يستحيل الكفاح المسلح إلى عملية تسليم أراضٍ للعدو، وبكلمات ياسين الحافظ:

"إن مسألة بناء المؤخرة باعتبارها دعامة الكفاح المسلح الشعبي، ليست مجرد نفج ثوري، بل هي تعبئة كاملة لمجهودات الأمة. وما لم تبن مؤخرة منيعة كهذه، تصبح الحرب، كما أثبتت حرب حزيران، مجرد عملية تسليم لأراض عربية جديدة للعدو الصهيوني، وتتحول الحرب نفسها إلى صراخ أناس يولون الأدبار أمام العدو". (الهزيمة والأيدولوجيا المهزومة ص166) 

تحويل فلسطين إلى فيتنام كانت مربوطًا ب"العمق" العربي والدول المتاخمة لفلسطين، فمثلًا يكتب صادق جلال العظم بعد هزيمة العام 1967:

"ولكي يتقدم العمل الفدائي العربي من مستوى العمل الفدائي إلى حرب التحرير الشعبية يجب أن تجر الدول العربية المحيطة بفلسطين العدو إلى حرب طويلة الأمد… المشكلة الأساسية إذن لا تكمن في تحويل الأرض المحتلة إلى فيتنام جنوبية بل في مدى استعدادنا لتحويل الدول العربية المتاخمة لفلسطين إلى فيتنام شمالية". (النقد الذاتي بعد الهزيمة ص64)

قد يسجل القارئ اعتراضًا ويقول "كيف تقارن حربًا واضحة بين دول نظامية بفصائل محدودة القدرة؟"، نجيب على هذا الاعتراض المنطقي بالقول: الهدف الأسمى الذي كان للدول هو نفس هدف الفصائل اليوم، هذا من جهة، ثانيًا، ألا يمكن أن نسمي حروبًا تخوضها الفصائل ب"الهزيمة" بالمطلق ولماذا؟ ما هي معايير تقييم نضال الفصائل؟

ونزيد أن مشكلة "العمق العربي" دائمًا ما كانت حاضرة منذ انسحاب مصر من النضال ضد إسرائيل، وإذا كان ياسين الحافظ يطلب من سوريا التملص من مواجهة عسكرية مع إسرائيل في غياب مصر، فما المشكلة أن نطلب نحن من الفصائل تجنب مواجهة بهذا الحجم تقودها الفصائل بدون تحالفات تؤهلها لهذه المواجهة؟ وكيف لا تكون مثل هذه المواجهة هزيمة بناءً على ما ترتب من نتائج على الأرض؟ 

"نعم إن حالة العداء التاريخية بين سوريا وإسرائيل ستدفع بالأخيرة إلى استمرار انتهاج سياسة عدوانية هجومية، إلا أن مهمة سوريا تبقى، مع الإعداد لأسوأ الاحتمالات، التملص من مواجهة مع إسرائيل، بل والاستعانة بالعامل الدولي لقطع الطرق على إستراتيجية إسرائيل الهجومية. في ظل البنى الحالية استئخار شعار تحرير فلسطين ليس تملصًا من الحرب، بل من الهزيمة" (الهزيمة والأيدولوجية المهزومة ص90).

وللمعلومية فإن هذا المنطق بالضبط في معنى النصر والهزيمة قد طبقه المفكرون على الفصائل في تلك المرحلة أيضًا، فنجد مثلًا أن كريم مروة يستعمل مصطلح "هزيمة" عن بدايات اجتياح بيروت:

"لم تكن تستطيع إسرائيل أن تفعل أكثر مما فعلت، كانت بحاجة أن تستوعب انتصارها الصعب هذا وتهضمه، أما الوطنيون اللبنانيون الذين خسروا حربًا مشرفة هزمتهم فيها الآلة العسكرية الإسرائيلية والعنصرية الصهيونية" (المقاومة ص75).

فلماذا إذن غابت ثنائية النصر والهزيمة من وعينا؟ هناك البيئة فكرية ألغت مفهوم "الهزيمة" من وعينا ووجدت لكل شيء مبررًا، مثل أن يقال "إسرائيل لا تحارب لوحدها، الغرب كله يحارب إلى جانبها". حسنًا أليس تشكيل شبكة تحالفات تؤهلك لخوض حرب جزءًا من الحرب؟ مثل هذا القول يعتبر انتقاصًا منا في النهاية، لأن الحروب تخاض مع حلفاء مستعدين للوقوف مع حلفائهم حتى الرمق الأخير.

بعد انسحاب مصر من المعادلة غاب "العمق العربي" بشكل شبه كامل ولنقل بشكل كبير جدًا، فقد بقيت سوريا ذات الإمكانيات المحدودة والتي لا تقوى على مواجهة إسرائيل منفردة، والتي كانت تعرف حدود إمكاناتها ومستوى تحالفاتها لذلك لم تورط نفسها في صراع شامل مع إسرائيل بعد عام 1973 بل راحت تدعم نضال الفصائل. 

معرفة سوريا بحدود قوتها حذا بها إلى دعم الفصائل ولكن بدون أن تسمح لها بمواجهة مع إسرائيل من أراضيها لكي لا تتورط سوريا نفسها في حرب لا حمل لها بها، وهكذا تركز الدعم في البداية لمنظمة التحرير وفصائلها، ومع انفجار الأوضاع في لبنان بعد اختلال المعادلة الطائفية اقتنع معظم اليساريين والوطنيين العرب بأن نضال الفصائل من شأنه أن ينوب عن الحرب النظامية وأن يكون قاطرة "حرب تحرير شعبية"، وبالفعل يسرد كريم مروة أن عددًا من أبطال حصار بيروت طرحوا فكرة التقدم من المقاومة إلى حركة تحرر وحرب تحرير شعبية.

بطولات حصار بيروت رغم أنها انتهت بكارثة للمنظمة بإخراجها من لبنان إلى تونس، ومن ثم العزلة التي قادتها في النهاية إلى أوسلو وإلقاء السلاح، كانت في نفس الوقت عاملًا مهمًا في ترسيخ فكرة إمكانية المواجهة مع إسرائيل في حرب غير نظامية.

العامل الثاني: صدارة الإسلاميين للمشهد بعد صعود المحور الإيراني وحركات الإسلام السياسي في المنطقة.

بات الإسلام السياسي في صدارة المشهد في عدة مواقع خاصة بعد توجه المنظمة بقيادة عرفات إلى تسوية مع إسرائيل في أوسلو وإلقائه للسلاح، هنا تآكلت شرعية عرفات  والمنظمة تدريجيًا مع فشل "عملية السلام" والوصول للانتفاضة الثانية وترسيخ مبدأ عدم مشروعية شيء غير المواجهة.

من هنا جاءت عوامل إلغاء مفهوم الهزيمة، فبمنطق نحن فصائل لا دول، بات كل عمل نفعله هو مكسب ولا يندرج ضمن مسميات الهزيمة، ومهما حصل فمنطق "إذا مخربتش بتعمرش" هو سيد الموقف، لا إستراتيجية ولا تكتيك ولا خطط بناء، هذا فضلًا عن العقلية المتخلفة التي حكمت المنظمة وحركة فتح على الدوام، وفي هذه البيئة تشكلت عقلية "الثورانيين والظفرويين" كما يسميهم ياسين الحافظ، وهم بالمختصر شعاراتيو اليوم.

وبعد دخول العامل الإسلامي بات إيجاد مفهوم "الهزيمة" أصعب، فالحركات الإسلامية بصفتها حركات تحقق وعدًا إلهيًا فهي بطبيعة الحال ومهما حصل دائمًا منتصرة: إذا قتل كل قادتها فهم "شهداء"، وإذا دمرت المدن على رؤوس أهلها فهذا "صبر وصمود"، وإذا حدث تنازل ما فهو "صلح الحديبية"، وكل شيء ممكن إلّا "الهزيمة".

المعيار الوحيد للهزيمة في هذه الذهنية هو الفناء، بمعنى القضاء على الفصيل بكامل جنوده وموارده، وما دون ذلك انتصار. وكمثال لنأخذ الحزب في لبنان، تم تصفية الطبقة السياسية بالكامل والقضاء على جزء كبير من عناصره وقدراته العسكرية، مع تقدم بري طفيف في لبنان، وأُبعد الحزب إلى ما وراء الليطاني ولم يعد قوة تهدد أمن إسرائيل، وفي نهاية المطاف أقام الحزب احتفالات "النصر".

مع الإسلاميين باتت الهزيمة خطيئة، وبات من المنطقي أن نقول أن الطرف المنتصر يفاوض لوقف انتصاره والطرف المهزوم يرفض وقف هزيمته، طبعًا مع زخرفة هذه الأقوال بكليشيهات مثل "لست مهزومًا ما دمت تقاوم". 

بهذا اللا-منطق الذي يتجاهل الواقع وأحداثه في وضع إستراتيجيات وتكتيكات المواجهة، يبقى تقييم الأحداث مستندًا على  أهداف غير متصلة بالوقائع على الأرض، وهذا اللا-منطق نفسه هو سبب خسارة أصحاب هذه الذهنية، إذ يدخلون في حروب استنزاف طويلة تستنفذهم وتستنفذ قدراتهم، ولكنهم بمعاييرهم منتصرون.

فكمثال عيني يركز منكرو الهزيمة على الأهداف المعلنة لإسرائيل -عودة "المخطوفين" بالأساس- ليقولوا أن إسرائيل مهزومة عسكريًا، التركيز على هذه النقطة مثلًا يتجاهل كل الواقع الميداني ويبقى في نقاش معلق بالهواء ودوائر مفرغة قوامها إنكار الواقع وتفاعلاته بحجة "الأسباب".

هذه الأيدولوجيا التي تنكر الهزيمة، هي بالتحديد ابنة الهزيمة وتشكلت على هامشها في البداية ومن ثم استولت على المشهد، وهي ورد فعل سلبي قائم على الإنكار التام للهزيمة عبر التركيز على المكاسب، مثل اعتبار التضامن العالمي مع فلسطين هو الانتصار بدون أن تتشكل قوة تترجم هذا التضامن إلى واقع فعلي. العالم تضامن مع القبارصة والأكراد والأرمن، ولكن لم توجد قوة تحول أو تستثمر التضامن لحقوقهم إلى واقع مفروض.

يمنحنا الوعي الحالي لقب الأمة التي لا تهزم، ولكنه على المدى البعيد لا يستطيع أن يستمر في الحياة لأن هذه الانتصارات الأبدية لا علاقة لها بالعالم الحقيقي.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية