هي عاصمة الرّوح، أبوابها سبعةٌ، والفراديس أبوابها سبعةٌ، كلّ بابٍ يحقّق أمنيةً للغريب، ومن أيّ باب دخلتَ، سلامٌ عليكَ، سلامٌ على بلدةٍ، طيّبٌ ماؤها طِيبٌ، في الشّتاءات صحوٌ أليفُ، وفي الصّيف قيظٌ خفيفُ، على وابل الضّوء تصحو، وتخرج عن غسق الوقت، سيّدةٌ في اكتمال الأنوثة، هل هطلت من كتاب الأساطير؟ أم طلعت من غناء البنفسج، أم حملتها المواويل من نبع حُلمٍ قديم؟
هي صنعاء.
كلّما قرأتُ أو سمعتُ خبرًا عن قصف الطّائرات الأمريكيّة أو الإسرائيليّة مدينة صنعاء تذكّرت صديقي الشّاعر والمفكّر والنّاقد المبدع الكبير عبد العزيز المقالح، رحمه الله (1937-28 نوفمبر 2022)، عاشق مدينة صنعاء الذي كتب عنها مجموعة شعريّة رائعة اسمها "كتاب صنعاء" تحتوي على 56 قصيدة ترجمتها د. ملكة أبيض إلى الفرنسيّة مع مقدّمة بدأتها "ما من ديوان شعريّ حظي في نهاية الألفيّة الثّانية بمثل الحفاوة والاهتمام اللذين أُستقبل بهما "كتاب صنعاء" بحيث يمكن القول إنّه جديد الشّعر العربيّ بكلّ معاني الكلمة في تلك الفترة.
جاء الرّجل السّبعينيّ ذو الهيبةِ والوقار تحفّه مجموعة من الأدباء اليمنيّين إلى الاستماع لمحاضرتي عن يوم الأرض في مساء 30 آذار 2009 في مدينة صنعاء وصافحني وعلى وجهه الجميل ابتسامة لا تُنسى فأثار حضوره اهتمام الجمهور وبخاصّة مضيفي يحيى الصّالح، الرّجل المضياف، ابن أخ رئيس الدّولة علي عبد الله الصّالح وزوج ابنته، وفي نهاية اللقاء أهداني مجموعة من إبداعاته الشّعريّة والنّثريّة ومنها "كتاب صنعاء".
وُلِدَ الشّاعر عبد العزيز في قرية المقالح في محافظة أب ودرس في مدارس صنعاء ونال شهادة الدكتوراة من كلّيّة الآداب في جامعة عين شمس المصريّة ثمّ ترّأس جامعة صنعاء وكان عضوًا في مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة وبدمشق.
في "كتاب صنعاء" تعلّقٌ بالمكان وإشاراتٌ بإبداعات الإنسان.
تقع مدينة صنعاء بجوار جبل غيمان الشّامخ الذي يرى المقالح أنّ الغيوم تستريح على كتفيه، والعواصف تتكسّر في سفحه، والسّماء التي تبدو قريبة تتحسّس أعناقه وتداعب أشجار السّرو العالية، وأمّا الغيم فيشرب قهوته فوق غيمان، وهو الحبيب والحارس الأزليّ، يداعب صنعاء حين تصحو ويقبّلها حين تغفو، ويصير مخدّتها إذ تنام.
تقول د. ملك: تضافر العدوان على صنعاء من الخارج، والقمع والفساد من الدّاخل فأساء لصنعاء مكانًا وناسًا، فقد "غمد الغزاة خناجرهم في أوردة الأحياء والمنعطفات"، ويكتب المقالح: كانت صنعاء تشرب من نبع جبليّ أفزعته الحرب فاختفى، وكان بها نهر صغير تشتاق إليه البساتين لكنّ أصوات المدافع أرغمته على الهجرة.
في لحظة من لحظات التّجلي يكتب المقالح: مكّة عاصمة القرآن، باريس عاصمة الفن، لندن عاصمة الاقتصاد، واشنطن عاصمة القوّة، القاهرة عاصمة التّاريخ، بغداد عاصمة الشّعر، دمشق عاصمة الورد وصنعاء عاصمة الرّوح. ويضيف: المدن الجميلة كالنّساء الجميلات لا يخضعن لحساب الزّمن ولا يفصحن عن أعمارهنّ.
يذكر المقالح أحياء صنعاء وشوارعها ثمّ يذكر ما كتبه عنها الشّاعر والرّحالة أمين الرّيحانيّ: مليكة الزّمان وربّة العرفان وسيّدة الإنس والجانّ، جمالها طبيعيّ وبهاؤها عربيّ، وفي كلّ صباح تستيقظ العصافير لتقول: ما كذب الرّيحانيّ.
في جلسة مع المقالح والأدباء اليمنيّين قدّموا لي من الفواكه "الخوخ أبو فروة" فسألتهم عن اسمه العربيّ فأجابوا: "الفِرسِك"، وتعلمون أنّهم يسمّونه بالعبريّة "أفرسيك" وعندما بحثتُ في المراجع وجدتُ أنّ هذا الاسم العربيّ الأصيل لهذه الفاكهة.
رحم الله صديقي المبدع الكبير عبد العزيز المقالح وأرجو أن تكون هذه المقالة القصيرة وردة جوريّة على ضريحه.







.png)


.jpeg)



.png)

