ليس كل خلافٍ علامة صحة، وليس كل مزاودة تعني وعيًا. في لحظات الانهيار الكبرى، تُقاس المواقف بقدرتها على صدّ الخطر، لا بصفائها الأيديولوجي.
يبدو أن بعضنا أُصيب بمرضٍ مزمن اسمه المزاودة. وهي، في أصلها، ظاهرةٌ طبيعية في ساحات التنافس السياسي والأيديولوجي، لكنها تتحوّل إلى علّةٍ قاتلة حين تنفصل عن ضرورات الواقع الحارق ولحظته المفصلية. ونحن اليوم أمام لحظتين مؤسِّستين، ما بعدهما ليس كما قبلهما:
الحرب، والفاشية.
نعم، هناك اختلافات عميقة بين البرامج السياسية للأحزاب الفاعلة في المجتمع العربي، وكاتب هذه السطور لم يُبدّل مبدأً واحدًا من قناعاته:
الانضمام إلى حكومة احتلال لا يحلّ جوهر الصراع، ولا يرقى لمواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني.
فالاحتلال هو أصل الشرور… وأصل الشرور هو الاحتلال.
لكن، اليوم تحديدًا، نحن مطالبون بقياس المواقف بما هو مصيري الآن، لا بما يرضي نزعاتنا الإيديولوجية أو ينسجم مع ذائقتنا السياسية.
الفاشية تُغذّي الحرب، والحرب تُغذّي الفاشية.
سموتريتش وبن غفير ليسا شذوذًا سياسيًا، بل نتاجًا طبيعيًا صافياً للاحتلال، وتحت قيادة الليكود لم يتورع هذا المعسكر عن الدعوة الصريحة إلى هدم الجهازين القضائي والتشريعي. ومن لم يقرأ فليقرأ، ومن لم يعرف فليعرف:
محاكمة نتنياهو ليست ملف فساد فردي فقط—رغم أنه فاسد حسب الشبهات ومجرم حرب—بل هي لحظة مخاض لنظام جديد، يسعى فيه اليمين الاستيطاني الفاشي للهيمنة الكاملة على الدولة.
نعم، إسرائيل دولة تجثم على وطننا، ولا يمكن أن نشعر بالسعادة حتى لو كانت ديموقراطيتها—التي لم تشملنا يومًا—في أبهى حالاتها.
لكن الضرورة الآن تفرض هدفًا عاجلًا وواضحًا: إسقاط حكومة الحرب والفاشية.
وإسقاط حكومة المجرمين لا يعني، تحت أي ظرف، أننا ننتقل إلى المعسكر الآخر، حتى لو اختار بعضهم ذلك.
إنه موقف تكتيكي في لحظة مصيرية، لا اصطفافًا استراتيجيًا، ولا تنازلًا عن الثوابت.
ضرورة الساعة اليوم هي بناء قائمة مشتركة بالحدّ الأدنى، يلتفّ الجميع حول قاسم جامع واحد:
وقف الحرب، وكبح الفاشية.
يعلّمنا التاريخ، كما في التجربة الأوروبية في الثلاثينيات (إيطاليا، إسبانيا، وألمانيا)، أنّ أخطر ما يمكن أن يُرتكب في اللحظات المفصلية هو إنكار خطر الفاشية أو التقليل من شأنه، لأنّ ذلك لا يقود إلا إلى الكارثة.
المأساة لم تكن في ضعف الجماهير، بل في ضياع البوصلة السياسية وفقدان ترتيب الأولويات، حين انشغلت قوى كثيرة بصراعات داخلية واستقطابات مستنزِفة، بينما كان الخطر الحقيقي—الأزمة والفاشية—يتمدّد بلا مقاومة تُذكر.
فالصعود الفاشي لم يحدث لأن الخصم كان قويًا فقط، بل لأن خصومه أخطأوا في تشخيص مركز الصراع وبدّدوا طاقتهم في مسارات جانبية، فتركوا الساحة للفاشيين ليتقدّموا نحو السلطة بأقل قدر من المواجهة.
لقد كان من الممكن، بتغيير الأولويات وبناء جبهة موحّدة، منع وصول تلك الأنظمة التي أشعلت الحرب العالمية الثانية وقتلت الملايين إلى الحكم.
إنّ وضع الأولويات لا يعني تفريغ أي حزب من توجهه السياسي، بل يعني إدارة هذه الخلافات وتوجيهها في خدمة دحض الخطر الأكبر.
من هنا، فإن الدعوة إلى جبهة حدّ أدنى لا تعني محو الخلافات ولا تبييض السياسات المتعارضة، بل تعني تنظيم الخلاف داخل معركة أكبر، وخطر أشمل يهدد الجميع.
والمعركة، في جوهرها، ليست مع رجل فاسد حسب الشبهات (ومجرم حرب) أو تيار واحد، بل على شكل النظام نفسه، وعلى من يسيطر على الدولة ومؤسساتها.
وحين تُفقد الأولويات، ويُزاح الصراع المركزي عن مكانه، لا تُهزم الفاشية بالحجج ولا بالشعارات، بل تتقدّم لتعيد تشكيل الواقع على صورتها.
لقد صاغ المفكّر الماركسي الروسي ليون تروتسكي نظريةً متكاملة حول أسباب نشوء وصعود الفاشية بوصفها أزمةً بنيوية في النظام الرأسمالي، لا مجرّد انحراف سياسي عابر. وفي صلب هذه النظرية، دعا إلى التحالف لهزيمة الفاشية حتى مع “الشيطان” نفسه، لا بوصف ذلك خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة تاريخية تمليها لحظة الخطر الوجودي. بل ذهب أبعد من ذلك حين أكّد، على نحوٍ ساخرٍ بالغ الدلالة، أن هذا التحالف قد يمتدّ “حتى مع جدّ الشيطان وجدّته”، انطلاقًا من قناعة حاسمة بأن ما بعد الفاشية لن يكون كما قبلها. ويبدو أن التاريخ قد صدّق هذا الاستنتاج بفظاعة، مع صعود الفاشية الأوروبية، على الرغم من أنّ تروتسكي نفسه تم اغتياله قبل انفجار الحرب العالمية الثانية، التي كشفت حجم الكارثة التي حذّر منها مبكرًا.
لكن السؤال الحقيقي والأخطر هو:
إذا عادت حكومة الفاشية، هل سيسهّل ذلك نضالنا ضدها أم سيجعله أشدّ قسوة واستحالة؟
إن عودة حكومة نتنياهو، بما لا يقبل الشك، تعني أننا نكون أمام شطبٍ وإلغاءٍ لمساحة واسعة من العمل السياسي.
لا نتحدث عن تضييق عابر، ولا عن مناورة ظرفية، بل عن سحقٍ منظّم للتنظيمات المناوئة لجنونهم وهوسهم السلطوي.
انظروا المشهد التالي:
تسليح المواطنين، تفكيك ما تبقى من الجهاز القضائي، التحريض على كل مؤسسة تجرؤ على إعاقتهم أو الوقوف في طريقهم.
هم لا يناورون، بل يدهسون كل من يقف أمامهم دون تردّد.
والتنظيمات الفلسطينية والديموقراطية في الداخل ستكون أول من يُستهدف، وأول من يُسحق، إن تُرك هذا المشروع ليستكمل طريقه.
في النهاية، لسنا أمام ترف خيارات، بل أمام امتحان تاريخي قاسٍ: إمّا أن نرتقي إلى مستوى اللحظة، ونبني قوة قادرة على تعطيل مشروع الحرب والفاشية، أو نترك الانقسام ينهشنا فيما يبتلعنا الوحش قطعةً قطعة. ما يجري ليس خلافًا سياسيًا عابرًا، بل معركة على الحيز والمساحة، على الصوت، على الوجود نفسه. وحين تُغلق المساحات، لا يُسأل إن كنّا على حق نظريًا، بل إن كنّا قادرين على البقاء والمواجهة.
اليوم قبل الغد، القائمة المشتركة مطلوبة—لا كبقرة مقدّسة، بل كأداة. أداة يجب أن يليها عمل ميداني، وتنظيم، ومراكمة قوة حقيقية في الشارع.







.png)


.jpeg)



.png)

