تتصاعد في الأسابيع الأخيرة الدعوات للاعتراف بالدولة الفلسطينية واجمعت مجموعة من الدول على عزمها على الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الاجتماع المزمع عقده في الأمم المتحدة هذا الشهر، الأمر الذي من شأنه أن يشكل رافعة هامة في المطلب الأساس وهو الأعتراف بحق الشعب الفلسطيني في التحرر نهائيا من الاحتلال الإسرائيلي وممارسة حقه مثل بقية الشعوب بتقرير مصيره وأقامة دولته المستقلة على أرض الواقع.
ومن البديهي أن مثل هذا الاعتراف كان ليقابَل بالاحتفاء التام لو أنه لم يأت في ظل استمرار حرب الإبادة على غزة، والهجمة العسكرية والاستيطانية الوحشية على الشعب الفلسطيني أيضا في القدس والضفة الغربية المحتلتين، اذ أصبح المطلب الأساس والعاجل ممارسة الضغوط الدولية لإنهاء فوري للحرب على غزة وإنقاذ أهلها من المخططات المبيتة للتطهير العرقي والاحتلال المجدد ولو جزئيا لمناطق كبيرة وفي الأخص الشمال من القطاع.
يكاد يبدو أن العالم يسير في خطين متوازيان لا يتقاطعان: الأول حركة التضامن العالمية الواسعة والشعبية ضد الحرب ومع القضية الفلسطينية، والخط الاخر الذي تقوده الحكومة الإسرائيلية بوحشية لم يشهدها العالم في القرن الأخير وتعتمد فيها الحكومة الفاشية على الدعم غير المشروط من الولايات المتحدة الامريكية، متمثلأ بالدعم العسكري والمالي والسياسي الذي كانت أخر تجلياته اصدار قرار وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية مارك روبيو بإلغاء تأشيرة دخول أكثر من ثمانين شخصية فلسطينية، على رأسهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الى الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماع الأمم المتحدة المزمع عقده.
ولكن الحقيقة الدامغة بأن هذين الخطين يتلاقيان في نقاط عديدة عندما يتم الحديث عن حكومات الدول ذاتها التي تعلن عن نيتها بالاعتراف، بالغوص قليلا في مواقف هذه الحكومات من الحرب على غزة منذ بدايتها، وبعضها حتى يومنا هذا، اذ قامت على الأقل فرنسا وبريطانيا وألمانيا بدعم الحرب ليس مبدئيا فقط فقط وانما أيضا بمد إسرائيل بالمعدات العسكرية التي تستعمل في الحرب على غزة وتقديم الدعم التكنولوجي لها، كما في حالة بريطانيا التي حتى قبل اسبوعبن قامت طائرات الاستخبارات البريطانية بتصوير وتحديد مواقع في غزة وتقديم المعلومات لإسرائيل كما كشفت صحيفة الغارديان البريطانية.
هذه المعلومات والانتباه اليها يكتسب أهمية خاصة في فهم ما يحمله مشروع الاعتراف بالدولة الفلسطينية اذا اعتقد البعض بأنه هدف يعتبر الوصول اليه قمة في العمل الدبلوماسي ومؤشر انفراجة في الوضع. على مدى عقود كان ينظرللاعتراف بالدولة على انه هدف يتوج مسارا طويلا من المفاوضات يفضي الى حل للقضية الفلسطينية ويتوج بالاعتراف ولكن الحقيقة اليوم أن المسار انقلب رأسا على عقب بحيث يحتم التعاطي مع هذا الاعتراف في حال وصوله الى بداية يجب أن تعقبها مجموعة خطوات تكفل أن يتحول الى خطة قابلة للتنفيذ واحقاق حقوق الشعب الفلسطيني.
فعل حقيقي أم هروب الى الأمام ؟
قد تكون خطوة الاعتراف بالدولة الفلسطينية مخرجا للدول الغربية من الضغط والاحتقان الداخلي الذي أصبحت تشكله حركات التضامن الشعبية مع القضية الفلسطينية في هذه الدول وتشكيلها احراجا متواصلا للحكومات في مواقفها المتخاذلة والمتواطئة مع حرب الأبادة. كما وقد تحاول بعض هذه الحكومات تحويل الأمر الى مناورة سياسية وأعلامية تعفيها من المسؤولية عن اتخاذ فعل حقيقي الآن امام العالم لوقف حرب الأبادة ومنع الضم الإسرائيلي الزاحف على مناطق الضفة على شكل الاستيطان وعنف المستوطنين، التطهير العرقي لمناطق واسعة، الأمر الذي سوف يفضي حتما في حال عدم فرملته الى القضاء على حلم الدولة الفلسطينية بحيث يبقى الاعتراف حبرا على ورق وتصريحات إعلامية تشكل صك غفران لتورط العديد من الدول مع إسرائيل في الحرب.
اعتراف ام أداة ضغط
وقبل كل شيء من المهم أن لا يتحول هذا الاعتراف الى سيف مسلط على رأس الضحية ذاتها، الشعب الفلسطيني في محاولة للمقايضة وفرض شروط وتنازلات لا تصب في صالح القضية الفلسطينية على أقل تقدير. هذا القلق من استعمال الاعتراف على هذه الشاكلة لا يأتي من فراغ بل هو ما تم تضمينه في الإعلان الذي وقعته الدول الغربية بعد اجتماع نيويورك الشهر الماضي، وهو اعلان مختلف عن ذلك الذي وقع عليه جميع المشاركين من دول عربية وغربية، حيث تضمن الأعلان أن مسار الأعتراف بالدولة الفلسطينية أتى بعد أن وافقت السلطة الفلسطينية متمثلة برئيسها، محمود عباس، على1- إدانة هجمات السابع من أكتوبر باعتبارها إرهابية 2- تعديل المناهج الدراسية بحجة الغاء العوامل التحريضية فيها 3- الغاء نظام الرواتب لعائلات الاسرى و4- الاعلان عن اجراء انتخابات لادخال وجوه شابة على مستوى القيادة الفلسطينية وفي النهاية يشيد وزراء خارجية الدول بقبول رئيس السلطة الفلسطينية بأن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح.
في الوقت الذي يتعرض الشعب الفلسطيني لإبادة وسياسات تطهير عرقي واستيطان، سياسة إبادة فكرة الدولة الفلسطينية، تنشغل على ما يبدو الدول الراغبة في إعلان اعترافها بالدولة بممارسة ضغوطها على الجانب الفلسطيني لابتزاز مواقف تتماشى والرواية الإسرائيلية وتفرض توجها يتعامل مع الضحية وكأنها الجلاد، فيطالبون اجراء انتخابات لدمقرطة الساحة السياسية الفلسطينية، وهو امر يحق فقط للشعب الفلسطيني طرحه، وكأن القيادة الفلسطينية الحالية هي العائق الأساسي امام قيام الدولة الفلسطينية. إن ابتزاز المواقف بفعل الضغط الاقتصادي لتحميل تهمة الإرهاب على الأسرى الفلسطينيين والتحريض والعنصرية على المناهج الفلسطينية، عدا عن كونها تحوير للرواية الفلسطينية في زمن تمارس فيه إسرائيل حرب إبادة لهو عار على الدول التي تستعمل ورقة الاعتراف بالدولة الفلسطينية كورقة ضغط وهي عار على كل من يتجاوب مع هذه الضغوطات.
للحقيقة لم تواجه القضية الفلسطينية دركا اعمق مما هي عليه اليوم، وربما لم تواجه أي قيادة فلسطينية ضغوطات وتحديات شبيهة بتلك التي تواجهها القيادة الفلسطينية في هذه الأيام، وعليه فإن الرد الأمثل في هذه الحالة لا بد أن يكون بوحدة وطنية فلسطينية واسعة وعملية بناء حقيقية فلسطينية داخلية تضم في داخلها أطياف الانتماءات الفصائلية كلها وتعتمد الشعب ركيزة لها في تحركها.
الاعتراف لوحده غير كاف
رغم كل التحفظات والمحاذير فإن اعتراف الدول التي أعلنت حتى الآن لهو امر هام في هذه المرحلة ولكنه يبقى خاليا من أي أثر حقيقي على أرض الواقع اذا لم ترافقه خطوات فعلية. ان الاكتفاء بالاعتراف يتحول الى خطوة هروب الى الأمام، هروب من مواجهة واقع الإبادة والدوس بفظاظة على النظام العالمي القانوني والأخلاقي.
كما يبدو فأن المبادرين لخطة الاعتراف بدأوا يعون ان عليهم ارفاقها بخطوات عملية تشكل ضغطا حقيقيا على إسرائيل وحكومتها للوصول الى وقف حرب الإبادة، اذ تبادر بعض هذه الدول الى الإعلان عن رغبتها ممارسة العقوبات على بعض الوزراء الفاشيين الإسرائيليين أو مقاطعة بضائع المستوطنات أو غيرها من خطوات ما زالت لا ترقى الى مستوى اللحظة التاريخية.
في حال كانت خطة الاعتراف محاولة للهروب الى الأمام وتجاوز الضغط الذي تمارسه حركة التضامن العالمية فإن ذلك يعني بأن ضغط التحركات الشعبية قادر على إحداث تغيير في سياسات الحكومات ويجب أن يستمر ويتصاعد وأن يتخذ أشكالا أقوى من أجل فرض خطوات عملية أكثر، واولها فرض الحظر التام على تزويد إسرائيل بالأسلحة والإمدادات العسكرية والاستخباراتية التي تمكنها من الأستمرار في حربها، وهو أمر قامت ألمانيا بالإعلان عنه ولكن تطبيقه من قبلها أو الإعلان عنه من الأخرين ما زال غير مضمونا. بالإضافة الى ذلك من المهم السعي لتطبيق قرارات المحاكم الدولية وتصعيد الضغوط من أجل تنفيذها لمحاصرة مجرمي الحرب من السياسيين والعسكريين واتخاذ خطوات رادعة لمحاصرة الاستيطان ومنع ضم مناطق فلسطينية محتلة. في هذه المرحلة يجب أن يتحول الاعتراف الى ورقة ضغط على الاحتلال ومن يمارسه لا من يقع تحته، العقوبات والتغييرات يجب أن تمارَس ضد إسرائيل.







.png)

.jpeg)



.png)

