عيد النصر على النازية (1)

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

تحتفل الإنسانية، وخاصة الشعب الروسي، بالانتصار على النازية كل عام. وعندما نحيي ذكرى الانتصار على النازية، لا بد أن نعود إلى الأحداث التاريخية التي جرت قبل الحرب. وهنا نذكر أن هتلر وأتباعه من الحزب النازي قد سيطروا على ألمانيا بالكامل في عام 1933-1934، وقاموا بتحويل ألمانيا إلى نظام ديكتاتوري مطلق.

وهنا نذكر أن النازية قامت، بتاريخ 22 حزيران عام 1941، بهجوم مباغت غادر على الاتحاد السوفييتي. وفي بداية الحرب النازية ضد الاتحاد السوفييتي، أحدق ببلاد السوفييت خطر رهيب، إذ كانت المسألة بالنسبة للدولة السوفييتية في الحرب التي بدأت في ذلك الوقت هي مسألة حياة أو موت، مسألة بقاء شعوب الاتحاد السوفييتي حرّة أو وقوعها في براثن الاحتلال والعبودية.

وكان هتلر، في ذلك الوقت، يعتقد بأنه يستطيع أن يهزم الاتحاد السوفييتي في هجوم سريع لا هوادة فيه. وهنا نذكر أن الاتحاد السوفييتي، في بداية الحرب النازية ضده، لم يكن مستعدًا للحرب. وكان هتلر يأمل أن يؤدي انتصاره على الاتحاد السوفييتي إلى دفع بريطانيا وفرنسا إلى طاولة المفاوضات بموجب شروطه وسياساته.

وقد أطلق هتلر اسم "برباروسا" على الهجوم على الاتحاد السوفييتي.

بدأت الحرب العالمية الثانية، وخاصة الحرب على الاتحاد السوفييتي، في ظروف ملائمة جدًا بالنسبة لهتلر والنازية الألمانية. إذ استعد هتلر بدقة للهجوم على الاتحاد السوفييتي، وتمتع بجملة من الأفضلية الهامة، وقد انصب على الاتحاد السوفييتي، في ذلك الوقت، كل ما للماكنة العسكرية الفاشية النازية من قدرة: 190 فرقة عسكرية، من بينها 35 فرقة دبابات وآليات، تدعمها قوات جوية ضخمة.

إن هتلر، في بداية الحرب ضد الاتحاد السوفييتي، وجّه 5.5 ملايين جندي وضابط، وما يقرب من 5 آلاف طائرة، و2800 دبابة (عدا الدبابات الخفيفة)، وأكثر من 48 ألف مدفع هاون. وكان الجيش النازي الضخم يتمتع بخبرة سنتين في خوض العمليات القتالية في أوروبا.

وهنا نذكر أن الجيش الألماني النازي لم يحتج لأكثر من 19 يومًا لاحتلال هولندا وبلجيكا. وأدى ما يزيد قليلاً على 40 يومًا من العمليات القتالية إلى استسلام فرنسا والقضاء التام على الحملة العسكرية الإنجليزية. إن أوروبا كلها تقريبًا كانت، في ذلك الوقت، مستبعدة من قبل النازيين الألمان.

وهنا نذكر أن ألمانيا النازية، قبل هجومها على الاتحاد السوفييتي بوقت طويل، حولت اقتصادها إلى حالة الاستعداد للحرب. واستخدم الهتلريون القدرة الصناعية لجميع بلدان أوروبا تقريبًا من أجل توفير المعدات الحربية والسلاح والذخيرة لجيشهم، مستغلين أبشع استغلال بلدان أوروبا التي احتلوها. وبلغ المجموع العام للموارد المادية التي استولى عليها النازيون الهتلريون، حتى سنة 1941، أي ما قبل خطة حرب برباروسا على الاتحاد السوفييتي، تسعة مليارات جنيه إسترليني، وهو ما يعادل ضعف الدخل القومي السنوي لألمانيا قبل الحرب.

وكان بإمكان الهتلريين أن يجعلوا الاحتياطات البشرية الألمانية الكبيرة متفرغة للالتحاق بالجيش الألماني النازي، وذلك على حساب التهجير الإجباري للعمال من البلدان المحتلة إلى ألمانيا واستغلالهم في المصانع الحربية. وقد هُجّر إلى ألمانيا، من جميع بلدان أوروبا، ما يزيد على 10 ملايين عامل أجنبي.

إن كل ذلك حوّل ألمانيا الفاشية النازية إلى أقوى بلد في العالم الرأسمالي من الناحية الاقتصادية والعسكرية، وأوحى لعشاق الحرب الهتلريين بالثقة في أنهم سيستطيعون القضاء على الاتحاد السوفييتي بضربة خاطفة جبارة. وقد أعلن هتلر، في الاجتماع الذي انعقد في بيرغهوف في 21 حزيران عام 1940: "كلما قضينا بصورة أسرع على روسيا، كلما كان ذلك أفضل. إن العملية ستكون ذات مغزى فقط إذا حطمنا الدولة بضربة واحدة".

إن فكرة "بليتسكرِيج"، أي "الحرب الخاطفة"، هي التي وُضعت في أساس خطة الهجوم النازي الهتلري على الاتحاد السوفييتي. هذه الخطة، التي أعدّتها هيئة الأركان العامة الألمانية، وُقّعت من قبل هتلر في 18 كانون الأول عام 1940، وأُطلق عليها اسم "برباروسا".

لقد كان في نية العدو النازي الألماني أن يشل الاقتصاد السوفييتي ويقوّض القدرة الحربية الصناعية للاتحاد السوفييتي، بالاستيلاء السريع على المناطق الصناعية والزراعية الهامة. وكان الهتلريون النازيون يسلّون أنفسهم بأمل ضعف متانة النظام السوفييتي، واستطاعتهم، بعد أولى نجاحات جيشهم، أن يشقوا تحالف الطبقة العاملة مع الفلاحين، ويمزقوا أواصر الصداقة بين شعوب الاتحاد السوفييتي، ويقوّضوا هيبة الحزب الشيوعي لدى الشعب. وبالاعتماد على قصر مدة العمليات الحربية في روسيا، كان النازيون الهتلريون واثقين من أن الاتحاد السوفييتي سيكون وحيدًا في هذه الحرب.

إن الطغمة النازية الهتلرية، إذ لم يخامرها الشك في إحراز النجاحات الحربية بسرعة في روسيا، رسمت السبل اللاحقة للاستحواذ على السيطرة العالمية.

ويوجد تسجيل في دفتر القيادة العليا للقوات المسلحة الألمانية، مؤرخ في 17 شباط سنة 1941، هذا نصه: "بعد الانتهاء من الحملة الشرقية (أي احتلال الاتحاد السوفييتي – د.خ) ينبغي إعداد خطة للاستيلاء على أفغانستان، ثم تنظيم هجوم على الهند". وفي وثائق أخرى، وردت بالتفصيل خطط محددة للاستيلاء، في خريف سنة 1941، على كل من إيران والعراق ومصر وقناة السويس.

إن الهجوم الغادر من قبل ألمانيا الفاشية قد هيّج الشعب السوفييتي بأسره. ولم يخفه أو يحط من معنوياته غدر العدو وقسوته وهمجيته ولا إنسانيته تجاه السكان السوفييت المسالمين. (وهذا ما يحدث الآن في غزة، حيث يتم القضاء على الأطفال والنساء والسكان المسالمين بشكل همجي إرهابي صهيوني عنصري شوفيني – د.خ).

ولكن الإرهاب النازي لم يحط من معنويات وصمود الشعب السوفييتي، بل دفع العمال والفلاحين وجماهير الشعب الواسعة ومختلف أوساط المثقفين والطلاب إلى الخدمة والتطوع العسكري، حيث وفّر التطوع الشعبي لجبهة القتال والحرب 24 فرقة عسكرية، تعدادها العام مليون شخص.

إن الجيش النازي الألماني، بملايينه العديدة، لم يلاقِ قبل ذلك قوة قادرة على الوقوف بوجهه. فبضغط ضربات الجيش النازي، سقطت الدول الأوروبية الواحدة تلو الأخرى. وبدا أن شيئًا لا يمكن أن يوقف الماكنة العسكرية النازية الفاشية. ولكن الشعب السوفييتي وجيشه قاما بذلك.

فمثلاً، الدفاع عن لينينغراد، الذي لم يسبق له مثيل، استمر 900 يوم. وقد دُفن المقاتلون السوفييت قرب لينينغراد وكييف وأوديسا وسيفاستوبول، وفي الحقول عند مشارف سمولينسك، فدفنوا معها خطة "الحرب الخاطفة" الفاشية النازية الإرهابية المغامِرة.

وكان هتلر يرى أن المهمة الرئيسية في حربه هي احتلال موسكو، واعتبر الهجوم النازي باتجاه موسكو رئيسيًا وحاسمًا. واعتقد الهتلريون النازيون أن احتلال موسكو سيؤدي إلى استسلام الاتحاد السوفييتي. لذلك، ركّزت القيادة الهتلرية باتجاه موسكو الاستراتيجي القوات الرئيسية لجيوشها. إذ كانت القوة الضاربة النازية المصوبة نحو موسكو تتألف من نحو 80 فرقة، أي أكثر من مليون فرد، ومن 14.5 ألف مدفع هاون، و1700 دبابة.

وحتى نهاية أيلول، كانت جميع الاستعدادات قد تمت، ومنحت العملية العسكرية النازية لاحتلال موسكو اسم "تايفون" (أي الإعصار). وأنيطت قيادة القوات التي كان يجب أن تدخل موسكو بالفلد مارشال فون بوك، إذ تقرر من قبل ألمانيا النازية أن يصبح هذا القائد، قائد النصر في باريس، قائد النصر في موسكو أيضًا.

ولقد صرّح هتلر في الكلمة التي وجهها إلى قواته في الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1941 بما يلي: "وأخيرًا تم في ثلاثة شهور ونصف خلق المقدمات من أجل سحق العدو بضربة جبارة قبل حلول الشتاء. إن الاستعداد، إلى أقصى ما يمكن أن تسمح به القوى البشرية، قد انتهى... واليوم نبدأ معركة حاسمة هذه السنة".

لم يخامر القيادة الهتلرية شك في أن "تايفون" سيكتسح القوات السوفييتية ويوصل الحرب إلى النهاية الظافرة. (وعلى هذه المفاهيم، مفاهيم السحق والحل النهائي، تستند الحكومة الإسرائيلية اللامنطقية، وتستند الحكومة اليمينية العنصرية الإرهابية في تعاملها مع الشعب الفلسطيني في غزة، ولكن هذا الشعب البطل المقاوم سيبقى يقاوم حتى ينال حريته ويبني وطنه الحر والمستقل، دولة فلسطين بجانب إسرائيل – د.خ).

ولكن القوات السوفييتية قالت بشجاعة لا مثيل لها: "لا"، ووقفت دفاعًا عن كل شبر من أرض الوطن.

إن الاحتفال التقليدي في السادس من تشرين الثاني (نوفمبر)، المكرّس لمناسبة ذكرى ثورة أكتوبر، وكذلك الاستعراض العسكري للقوات السوفييتية للجيش الأحمر في الساحة الحمراء في السابع من تشرين الثاني، جاء في ذلك الوقت تعبيرًا عن ثقة القادة السوفييت والجيش الأحمر بصمود موسكو أمام الغزو النازي الفاشي الألماني. وفي ذلك الوقت، ترددت من على منصة ضريح لينين الكلمات التي وجهها ستالين للمشتركين في استعراض ذكرى انتصار ثورة أكتوبر، قائلاً:

"إن العالم بأسره متجه بأنظاره الآن نحوكم كقوة قادرة على سحق قطعان النهب التي يؤلفها الغزاة الألمان. ونحوكم تتجه بأنظارها شعوب أوروبا المستعبدة، التي أصبحت تحت نير الغزاة الألمان، إذ ترى فيكم محرريها. لقد أصبحت من نصيبكم رسالة تحريرية عظيمة. إذًا فكونوا أهلًا لهذه الرسالة. إن الحرب التي تخوضونها هي حرب تحررية، حرب عادلة."

وكانت القوات المشاركة في الاستعراض العسكري في الساحة الحمراء تتجه إلى الجبهة مباشرة بعد الاستعراض. وانتشرت، في ذلك الوقت، معارك حامية طاحنة من أجل الدفاع عن العاصمة السوفييتية موسكو، وتردّد بين مقاتلي الجيش الأحمر شعار: "روسيا شاسعة، ومع ذلك لا مجال للتراجع – فموسكو وراءنا".

ولم يتراجع الجيش الأحمر في معركة الدفاع عن موسكو. وهكذا، في كانون الأول عام 1941، وقع تحوّل هام في ميزان القوى على جبهة الحرب ضد النازية الألمانية، حيث دُفنت نهائيًا في ثلوج ضواحي موسكو أسطورة الجيش الهتلري "الذي لا يُقهر".

إن معركة موسكو أثّرت تأثيرًا كبيرًا على مجمل تطورات الحرب النازية الهتلرية ضد الاتحاد السوفييتي، إذ أن الهتلريين أُجبروا على التراجع بعيدًا إلى الغرب من موسكو تحت وطأة ضربات القوات السوفييتية، وفي ذلك الوقت، شنت القوات السوفييتية عمليات قتالية ناجحة في القرم وفي كل من الجبهتين الجنوبية والجنوبية الغربية في روسيا.

(يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية