سقى الله تلك الأيّام حينما كان الكتاب خير جليس وخير صديق وخير رفيق، و"سقى الله" دعاءٌ لله تعالى كي ينزل المطر رحمة للإنسان والحيوان والنّبات. وقال الشّاعر الأندلسيّ لسان الدّين بن الخطيب في موشّحه المشهور:
جادكَ الغيث إذا الغيث همى يا زمان الوصل في الأندلس
وجادك الغيث الأندلسيّة هي سقى الله الفلسطينيّة، وقال الشّاعر العبّاسيّ ابن الروميّ في رائعته التي رثى بها ابنه الأوسط:
عليك سلام الله منّي تحيّة ومن كلّ غيثٍ صادق البرق والرّعد
كان الكتاب في تلك السّنوات رفيقنا في المكتبة والديّوان وظلّ التّوتة وغرفة النّوم وفي السّفر، فقرأنا كتب التّراث والميثولوجيا، ونهلنا من الأدب القديم، شعرًا ونثرًا، من لزوميّات المعرّيّ ورسائله، ومن عنفوان المتنبّيّ، ومن فروسيّة الحمدانيّ، وفكر ابن خلدون وأبي حيّان، وعشنا مع أسفار الرّوح التي ورثتها البشريّة من الأنبياء والرّسل والقدّيسين، كما سهرنا في بعض الليالي برفقة المذياع مع المسلسلات التّاريخيّة والاجتماعيّة والأدبيّة فالتقينا بدرر الفكر الإنسانيّ، وردّدنا أبيات شوقي وحافظ والرّصافيّ وابراهيم طوقان والسّيّاب والقبّانيّ، وطربنا من أغاني عبد الوهاب وأم كلثوم وأسمهان وفيروز وعبد الحليم والأطرش ووديع الصّافي والقدود الحلبيّة.
عشتُ مع طه حسين بأيّامه، وتوفيق الحكيم بيوميّاته ومسرحيّاته، ونجيب محفوظ بزقاقه وثلاثيّته، والشّرقاويّ بأرضه، وعبد القدّوس وشيء في صدره، والعقّاد بعبقريّاته، وأحمد أمين بتاريخه، ومحمود تيمور بالشّيخ جمعة وأبو الشّوارب، وحنّا مينا في شاميّاته، وادريس في أرخص لياليه، والتهمت ما وصل إليّ من أدب الغرب، ملاحم وقصائد وقصصًا وروايات. قرأتُ الجريمة والعقاب وآنا كارينينا والدّون الهادئ والمعطف والأمّ وقصص تشيخوف وموباسان وألن بو، وضحكت مع بخيل موليير والطّبيب رغمًا عنه وتمتّعت بكتاب لبرنارد شو ورواية لفوكنر وسحرني ماركيز بمائة عام من العزلة، ونظيره يوسا في حفلة التّيس، وغنّيت أشعار طاغور وناظم حكمت وأراغون ونيرودا واليوت وشمبورسكا.
سافرت للمرًّة الأولى في حياتي إلى الخارج في صيف العام 1978 فزرتُ هافانا عضوًا في وفد الشبيبة الشّيوعيّة في بلادنا (مشكورين) لمؤتمر الشّباب العالميّ ووقفت على شاطئ البحر مدهوشًا من الهيكل العظميّ لسمكة الرّجل العجوز التي خلّدها ارنست همنغواي في روايته القصيرة "الشّيخ والبحر" وحينما دخلت غرفة مكتب هذا الكاتب الشّهير شعرتُ أنّني أدخل معبدًا ولعنت بندقيّته التي انطلقت منها الرّصاصة التي أودت بحياته ولم أصدّق انتحاره.
أذهلتني روايات ومسرحيّات أدباء اللا معقول في القرن العشرين، مسرحيّات صموئيل بكيت وروايات البير كامو في حين أضحكني زوربا اليونانيّ وزاد همومي همًّا ما جرى لذلك المسكين الذي ظلمه كافكا.
أعجبت مثل أبناء جيلي بوجوديّة جان بول سارتر وقضية الالتزام في الأدب وتأييده لثورة الجزائر ورفضه جائزة نوبل وكتابه "عارنا في الجزائر". لماذا لم يكتب عاموس عوز أو يهوشع عارنا في غزّة أو عارنا في الخليل أو عارنا في جنين؟ ومتى سيفعلها كاتبٌ إسرائيليّ؟
أغضبني موقف سارتر من حرب حزيران وكفّر عن ذلك بكتابه الشّهير عن جان جنيه صديق الثورة الفلسطينيّة.
حاولت أن أقرأ رأس المال مرّة بعد مرّة وفشلت، بينما أعجبني جورج لوكاتش في الوعي الطّبقيّ ونظريّة الرّواية فكنت واقعيًّا اشتراكيًّا منحازًا لأهلي الفلّاحين والعمّال والفقراء.
قرأت روايات الأدباء العرب الذين كتبوا بالفرنسيّة، جزائريّين ومغربيّين ولبنانيّين فبهرتني صخرة طانيوس وليون الإفريقيّ.
قرأت روايات رائعة لكتّاب من أمريكا اللاتينيّة ومن أوروبا ومن آسيا ومن افريقيا، أدباء من اسبانيا والنّمسا وإيطاليا وتركيا وأفغانستان. وما ذكرت الآن سوى القليل القليل كما قال الشّاعر العبّاسيّ:
فالله قد ضرب الأقلّ لنوره مثلا من المشكاة والنّبراس
وعلى الرّغم من إعجابي بأعمال الكثيرين منهم لا أستطيع أن أقول أنّني خرجت من معطف فلان أو عباءة علّان.
يؤلمني وجع شعبي من الاحتلال مثلما يؤلمني ابتعاد الجيل الجديد عن الكتاب ويحزنني أنّ شعبنا ابتعد كثيرًا عن الكتاب وأنّ أمّة "اقرأ" لا تقرأ، لا تقرأ، لا تقرأ.







.png)


.jpeg)



.png)

