المجتمع الذكوري لا يمكنه التحرر دون تحرر المرأة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

يشهد مجتمعنا الفلسطيني في البلاد تحولات عميقة وتغيرات إيجابية في تعزيز مكانة المرأة في مجالين أساسيين: في العلم والعمل. حيث نرى ان نسبة النساء في سوق العمل ما زالت في دالة تصاعدية تصل الى 49.4% وفق موقع "كلكاليست"، بينما تشكل الطالبات العربيات أكثر من 60% من طلاب الجامعات العرب، وفق تقرير (OECD) 2023. من هذه المعطيات نفهم ان المرأة تتحدى الصعوبات الحياتية وتستطيع ان تأخذ دورها الريادي وتثبت جدارتها في العديد من المجالات التي تكون مفتوحة امامها بشكل موضوعي، أي دون أي تحيز جندري، مع اننا ما زلنا نرى ان الفجوة في الأجور بين النساء العربيات والرجال تصل الى 36%، وفقا لمركز "تاوب".

طبعا لم ات بهذه المعطيات لإثبات قدرات النساء، التي تفوق قدرات الرجال، بل كي نحاول معا تفسير الوضعية المأساوية للمجتمع الذكوري الذي نعيش فيه ونتعايش معه ولعل ما يبدو اننا نتهادن معه ونتقبله وكأنه حقيقة مطلقة.

لا اجدد عندما أقول اننا نعيش في مجتمع ذكوري (Patriarchal Society)، حيث ان مركز القرارات الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية والدينية تدار بواسطة الرجال، بينما تعطى للنساء أدوار ثانوية.

نشهد هيمنة الرجل على اتخاذ القرارات الهامة، تقاسم الأدوار الاجتماعية بشكل جندري، تفضيل الرجال عن النساء في الأعراف والقوانين، العنف ضد النساء، وخلق نظام اجتماعي، رجالا ونساء! يقر بهذه الوضعية ويعطي الشرعية للتعامل وفقها. لهذا فان اضطهاد المرأة العربية هو مزدوج، كونها امرأة وكونها عربية.
من ناحية أخرى مجتمعنا يواجه أجهزة الدولة العنصرية والتي شجعت العنف داخل مجتمعنا واليوم تغذي بشتى الوسائل المباشرة وغير المباشرة عصابات الاجرام، نواجه الاحتلال والحروب المستمرة وندفع ثمنها الاقتصادي والاجتماعي، نواجه سياسة هدم البيوت وتضييق الخناق علينا من كل النواحي والقائمة تطول، وأيضا في هذا المجال المرأة هي أول المتضررين بفقدان الأمان وفقدان فلذة كبدها او فقدان البيت.

امام هذا الواقع الأليم نرى تراجع في القوى المناضلة لتحرر ومساواة المرأة، وهناك من يريد ان يقتصر هذا النضال على الحركات النسوية لوحدها ويبقى الرجال في برجهم العاجي، وهناك من يريد ان يحمل النساء المسؤولية عن التمييز بحقهن، بشتى الحجج الواهية.

المقياس الرئيسي للقوى التقدمية هو في مدى وعيها وادراكها لأهمية مساواة المرأة، لان الظلم لا يتجزأ، والتمييز العنصري في بلادنا هو قومي وجندري أيضا، كيف لك ان تقاوم التمييز القومي من ناحية وتمارس التمييز الجندري من ناحية أخرى؟
انتخابات رئيس لجنة المتابعة وغياب المرأة من عضوية لجنة الانتخابات، أعاد للواجهة أزمة التعامل مع قضية المرأة من مختلف الأحزاب التي هي في النهاية تشكل لجنة المتابعة، أي ان المشكلة هي في الأحزاب وليس في هذا الجسم الوحدوي الهام. وللأسف ان المشكلة لدى كافة الأحزاب دون استثناء. وهذا المشهد يتكرر في غالبية فعالياتنا: انظروا الى منصات مؤتمرات واجتماعات الأحزاب، انظروا الى الصفوف الأمامية من مظاهرات شعبنا وعدد النساء هناك. حتى متى سنبقى مع هذا المشهد الذي دلالاته أعمق بكثير من المظهر الخارجي.

منذ سنوات الخمسينات من القرن الماضي بادر الشيوعيين الى تأسيس حركة النساء الديمقراطيات وفي جميع المراحل عمل الشيوعيين على دعم ودفع الرفيقات الى العمل السياسي وفتح الأبواب امامهن واعطائهن الأفضلية على الرفاق أحيانا. جميع النشاطات كان يجري الاهتمام ان تضمن مشاركة النساء، كسرنا الحواجز بأمسيات ثقافية وفنية راقية، بالعمل التطوعي، وبعثات التعليم خارج البلاد بمشاركة الجنسين.

للأسف منذ نهاية القرن الماضي ومع تصاعد التيارات الدينية، من ناحية ومع سيطرة الشخصنة على العالم والتنافس والصراع على كل "مقعد" في أي هيئة كانت وأسلوب "البرايمريز"، من ناحية أخرى اوصلنا الى تراجع كبير في مكانة المرأة في الأحزاب، رغم اختراق البعض لعدة مناصب ومهام، قلة هن من استطعن كسر الحواجز والمعيقات، لكن الوضع العام في تراجع، لقد أصبح عالم السياسة منفرا للكثيرين بسبب تهميش دور ومكانة المرأة،  والتنافس الشخصي وتغييب الرؤية الجماعية. وليس صدفة تبوأ النساء لقيادات الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية، حيث أصبحت البديل للتأثير.

هذا الأمر يجب ان يعود الى رأس سلم الأولويات على اجندة كل تقدمي وكل حزب وطني تقدمي، وألا ننجر وراء القوى الرجعية التي تريد إعادة المرأة الى البيت وابعادها عن دورها القيادي في المجتمع جنبا الى جنب مع الرجل. ولا يكفي إقرار التحصين للمرأة في الهيئات، مع أهميته، بل يجب تنفيذه على جميع الأصعدة، من السلطات المحلية الى الكنيست، وان يكون التحصين هو الحد الأدنى وليس الأعلى.

هناك حاجة لتنفيذ قرارات المتابعة منذ سنوات بإدخال الأحزاب للنساء ضمن ممثليهم فيها، هذا الأمر يجب ان ينفذ حالا. ممنوع التهادن في قضية المرأة والادعاء ان هناك اعتبارات سياسية اهم. هذه القضية تقف في نفس المكانة الوطنية والسياسية العامة، لأننا نواجه العنصرية والفاشية والرجعية يدا بيد مع رفيقاتنا الباسلات في جميع الميادين. نعم نريد التحالف مع جميع القوى السياسية في مختلف الجبهات، لكن ممنوع ان تكون هذه التحالفات على حساب المبادئ.
منذ فترة يجري هجوم منظم وخطير على الحركات النسائية وبالذات على مديرة جمعية "نساء ضد العنف"، للأسف لم تقوم الأحزاب التقدمية بالرد عليه، مما يفتح المجال لتصعيد الهجوم بشكل مخيف، في الوقت الذي وقفت فيه قيادة جمعية نساء ضد العنف في مقدمة النضال ضد حرب الإبادة ووقفن لمدة نصف سنة في وقفة احتجاجية أسبوعية، الى جانب مشاركاتهن الفعالة والمبدعة في جميع النضالات ضد الحرب. لماذا هذا الصمت المتهادن وعندما يصل الموضوع للمرأة تصبح فيها وجهة نظر! علينا العمل على لجم هذا التحريض الذي يأخذ أيضا منحى طائفي.

 ممنوع السكوت، الساكت عن الحق شيطان اخرس.
 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية