في الانتخابات المتتالية بين (2019-2021) وعددها أربع انتخابات، في البداية لمع نجم بيني غانتس وحصد على 35 مقعدًا، ومن ثم راح يضعف حتى أنه لا يتجاوز نسبة الحسم في الاستطلاعات الأخيرة، وقبلها نفتالي بنت في انتخابات أبريل 2019 لم يعبر نسبة الحسم ثم أصبح رئيس حكومة بسبعة مقاعد واليوم هو أبرز منافس لليكود في الاستطلاعات.
تختلف طبيعة القوى المتصارعة في إسرائيل اليوم عن الماضي، في الماضي كان حزبان كبيران هما الليكود والمعراخ يشكلان تحالفًا هما في صلبه، أما اليوم فنرى عدم ثبات الأحزاب الرئيسية المنافسة لليكود وتبدلها طوال الوقت، فكيف نفسر هذه الظاهرة؟
انتهى عهد الحزبين الكبيرين في إسرائيل مع فشل باراك في مطلع الألفية ، وبدلًا عن حزبين (الليكود والمعراخ) تشكل استقطاب المعكسرين، وهو مختلف عن استقطاب "يمين-يسار"، بالمعنى الصهيوني، الذي اعتادوا عليه تاريخيًا رغم بقاء الليكود كالحزب الكبير الوحيد المستقر.
أفول استقطاب حزبين كبيرين لصالح معسكرين كبيرين، بدأ مع حزب "كديما" الذي قاده شارون ومن ثم أولمرت، ووقتها وصل الليكود إلى 12 مقعدًا فقط في واحدة من أقل إذا لم تكن أقل النتائج في تاريخه، قبل أن يستعيد الليكود قوته لاحقًا.
المعسكران المتصارعان هما معسكر اليمين (أو اليمين الجديد كما يطلق عليه البعض) ومعسكر ليبرالي قومي (صهيوني)، تشكل المعسكر الثاني على أنقاض اليسار الصهيوني التاريخي، وما زال اليمينيون بغرض التحقير يطلقون على أحزابه عبارة "يسار". وعلى نحو من التحديد نقول أن هذا المعسكر هو امتداد لليسار الصهيوني ولكنه ليس استنساخًا له.
يتصف هذا المعسكر بتوجه ليبرالي في توجهاته الاجتماعية مثل حقوق المثليين والإتجار بالأرحام، وموقف ضبابي غير مفهوم من القضية الفلسطينية بسبب تشابك وتضارب وجهات النظر داخل المعسكر، ولكن الوصول إلى حل سياسي ليس من ضمن الأولويات، وتكون سياسته اتجاه الفلسطينيين منوطة بتصورات أمنية بالأساس.
تشكل المعسكران كما نعرفهما اليوم في الفترة بين 2001-2015، وكانت الحدود بينهما غير واضحة، فعلى سبيل المثال قام نتنياهو بتشكيل حكومة بدون الحريديم في 2013 بالشراكة مع يائير لابيد خصمه اليوم.
أبرز صفات المعسكر الليبرالي القومي أنه يضم اتجاهات يمينية ويسارية صهيونية، يتفقون على الدولاتية والمواقف الليبرالية الاجتماعية وأولوية الأمن والعسكرة على الأيدولوجيا، وكانت محاولة تنظيم المعسكر وتكتلاته بيد ما يعرف بأحزاب الوسط، ولكن الباب مفتوح لتغير هذا الوضع في الانتخابات القادمة نظرًا لتقدم يائير غولان (معراخ) ونفتالي بينيت (حزب المستوطنين) على أحزاب الوسط التي فشلت في تنظيم المعسكر الليبرالي وتقديم تصورات أيدولوجية أو دولاتية متماسكة والحفاظ على انتصارها الصعب في انتخابات العام 2021.
يستطيع المعسكر الليبرالي القومي اجتذاب عناصر يمينية ويسارية على حد سواء، بعكس معسكر اليمين الذي لا يستطيع اجتذاب عناصر غير يمينية، ولكن بطبيعة يمينية المجتمع الاستيطاني الاستعماري فإن التصورات والممارسات اليمينية تكون أقوى داخل المعسكر الليبرالي أيضًا، مع فارق أن أولوية الأمن تجعل هذا المعسكر يرى في الصراع مع الفلسطينيين "صراع حدود" بعكس معسكر اليمين الذي يرى فيه "صراع وجود".
اليمين بحلته التي استقر عليها منذ ال2015، راح يشدد على اعتماد اليهودية كهوية تنظم المجتمع الإسرائيلي ويفسر اليهودية بمصطلحات إثنية ودينية-أرثوذوكسية توكد فوقية الشعب اليهودي بصفته الشعب المختار، وهو متمسك بتصور "صراع وجود" مع الفلسطينيين أي شطب القضية الفلسطينية في أول فرصة مواتية، وبالتالي أولوية الاستيطان والأيدولوجية على الاعتبارات الأمنية، وكذلك السعي لتغيير الترتيب المؤسساتي وتطويع مؤسسات الدولة للسلطة الحاكمة.
لكل معسكر من المعسكرين نقاط قوة على الاخر، مثلما ذكرنا قدرة المعسكر الليبرالي القومي على استقطاب عناصر يمينية، ولكن معسكر اليمين يتصف أيضًا بنقاط قوة أبرزها الاستقرار والثبات ووجود حزب كبير (الليكود) وشخصية شعبوية (نتنياهو) تقود وتنظم المعسكر، بعكس معسكر الليبراليين الذي يبدو وكأنه يغير عناصره كل انتخابات ولا يحظى بحزب كبير ولا شخصية قيادية تقوم بتنظيم صفوفه بشكل مستقر.
العنصرية ضد العرب الفلسطينيين باتت معطىً ثابت عند معسكر اليمين ولا مجال لأي نوع من "البراغماتية"، فحتى منصور عباس لم يقبوله رغم كل ما قدمه لهم من تزلف ودناءة وتنازلات وطنية كبيرة، أما معسكر الليبراليين الذي يمكنه أن يكون "متسامحًا" ويقبل عربيًا "صالحًا" كمنصور عباس مثلًا.
بعد عامين من الحرب تبين أن معسكر اليمين يدير الملفات "الخارجية" بطريقة أفضل من الداخلية التي تبدو بالنسبة له أكثر تعقيدًا، ولكن الكوارث المترتبة على عقيدة الصدمة وسكرة القوة العسكرية تدفع هذا المعسكر إلى الشعور بأن الشعبوية أقوى من المؤسساتية، وتزيده جرأة على تعيينات في أجهزة الدولة لم يكن يجرؤ على القيام بها قبل الحرب، مثل قائد الجيش الجديد وقائد الشاباك الجديد، وقوانين كانت في السابق تعتبر مشكلة فتؤجل إلى أجل غير مسمى.
يتصارع المعسكران وعينهما ليس على السلطة فقط بل على إعادة صياغة الدولة، بالنسبة لليبراليين المهمة اليوم هي "إنقاذ" إسرائيل من نتنياهو، بينما يعتبر اليمين أن مهمته هي إحكام قبضته على المؤسسات "الأشكنازية اليسارية"، الذي يعني في التحليل الأخير الانتقال من دولة إثنية ذات مكونات وماهية وممارسات فاشية إلى فاشية كاملة.
دور العرب الفلسطينيين هو صناعة توازن هش يواجه تغول التوحش الحاصل اليوم، وهذا لا يعني التذيل لليبراليين وإنقاذهم من نتنياهو بأي حال من الأحوال، بل استغلال الاستقطاب الحاصل للظفر بما يمكن من مكاسب حقيقية وليس مكاسب منصور عباس.
.jpeg)






.png)


.jpeg)



.png)

