روح القس شحادة شحادة من روح هذا الوطن
القس شحادة شحادة كان كاهنا في الانجيلية الأسقفية، فلسطيني ناشط سياسيًَا، من مؤسسي اللجنة القطرية الوطنية للدفاع عن الأراضي، التي تشكلت عام 1975. ثم أصبح رئيس اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي على مدى سنوات طويلة. وهنا أذكر بأن سكرتير اللجنة في مراحلها الأولى كان الدكتور الأديب والشاعر سليم مخولي، ابن كفر ياسيف أيضا.
عام 1988 أسس القس شحادة مع الحاخام جيرمي ميلغرم "رجال دين من أجل السلام"، وهي منظمة تهدف الى تعزيز السلام، بمشاركة متدينين من اليهود والمسيحيين والمسلمين. كان أيضا نائبا لرئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وشغلمنصب راعي سانت جون في حيفا ورئيس مجلس إدارة مدرسة سانت جون في حيفا.
بعد انهائه المدرسة الثانوية في كفر ياسيف بدأ يُفكر أن يكون رجل دين في الكنيسة، حيث رأى أنه من خلال الكنيسة يمكن أن يمارس قناعاته ومبادئه. فكر بهذا الطريق لأن فيه إصلاح اجتماعي ورسالة إنسانية تحمل مفاهيم التسامح والمحبة والعطاء وتقبل الآخر. كانت له تجارب غنية تفوق تجارب كثيرين فقد خدم ككاهن في كنيسة مار يوحنا الأسقفية، وترأس مدرسة مار يوحنا في حيفا.
كصديق ورفيق درب كان يدور بيننا حوار حول مواضيع مختلفة، وجمعنا موقف يدمج قول المسيح حول مملكة الحرية في السماء، وقول ماركس حول مملكة الحرية على الأرض. فاتفقنا على أن العمل من أجل حرية الإنسان والإنسانية ومن أجل مملكة الحرية ليس فقط في السماء، ولكن كذلك على الأرض.
لقد كان رجل سلام مناضلا من اجل حرية الانسان أممي التفكير، صاحب مفاهيم تقدمية، يعمل من أجل خدمة الانسان والمجتمع ككل من أجل بناء مجتمع العدالة الإنسانية بشكل عام ومن أجل القضية الفلسطينية العادلة بشكل خاص.
سافرالقس شحادة شحادة لمدة اربع سنوات للهند لدراسة اللاهوت، وعاد الى البلاد عام 1968 وعمل بعد عودته لمدة سنتين في الكنيسة الأسقفية في رام الله ونابلس. واشتغل سنتين في الكنيسة في القدس بعدها ترك نابلس وسافر الى إنجلترا لإكمال دراسة اللاهوت. رجع من إنجلترا عام 1973 وسكن في مدينة شفاعمرو، حيث كان مسؤولا عن كنيسة شفاعمرو لغاية سنة 1986. وحتى سنة 1990 كان قسيس كفر ياسيف وشفاعمرو معا.
عرضت الحركة الصهيونية على بعض افراد الكنيسة الأسقفية ان يبيعوا بيوتهم وممتلكاتهم وان يهاجروا الى البرازيل، وهناك يشترون لهم قطعة أرض كبيرة ليبنوا فيها قرية فلسطينية ويشتغلوا هناك ويعيشوا هناك في انتظار عودة المسيح.. وصارت الحركة الصهيونية تبحث في هذا الأمر في أحد المجامع الكنسية في أوائل سنوات الخمسين. ولكن رُفض هذا العرض رفضا باتا من قبل الكنيسة الأسقفية.
هنا يذكر القس شحادة أنه قبل أن يُسافر الى الهند أواخر خمسينات القرن الماضي كان يسكن في عمارة ضخمة للكنيسة الأسقفية في حيفا في منطقة سانت لوكس على طرف وادي النسناس، وفي كل غرفة أو غرفتين كانت تسكن عائلة أرمنية. وكان يلاحظ أن عدد السكان الأرمن راح يقل الى أن اختفوا، وتبين انهم كانوا يدفعون لهم اجرة السفر، ويُعطونهم دورا للسكن ووظائف للعمل، اليوم تعيش هذه العائلات في كندا ما عدا عائلة واحدة بقيت في العمارة. وقد رأى أن هذا مُخطط الترحيل للحركة الصهيونية فخلال أول مؤتمر صهيوني عالمي عُقد في بازل في سويسرا عام 1897، أعلن هرتسل أن الشعب اليهودي هو شعب بلا وطن وأرض وهناك في فلسطين أرض بلا شعب. منذ ذلك الوقت بدأت المؤامرة على فلسطين وهكذا خسرنا فلسطين – فردوسنا المفقود.
ولكن ببقائنا ونضالنا لا بد وأن نستعيد فردوسنا المفقود وبوجود رجال دين أمثال القس شحادة شحادة ومناضلين من أجل الحرية لا بد وأن يتحقق هذا الحلم ويصبح واقعا نعيشه. الكنيسة بشكل عام والأسقفية بشكل خاص من خلال عمل ونشاط رجال دين أمثال القس شحادة الوطني المخلص المثابر الأممي، ساهمت في ترسيخ الجذور في الوطن ضد مؤامرة الترحيل.
وعندما كان القس شحادة في جيل الثلاثين في نابلس، كان يسكن في بيت تابع للكنيسة، لأنه المُتبع ان تُزوده الكنيسة ببيت ليسكنه القسيس في منطقة خدمته... كان في ذلك الوقت وكل الوقف مستاء من الحكم العسكري وتعامل الجيش الفظ مع أبناء شعبنا الفلسطيني. في احدى المرات كان الطقس شتاء وإذ بالباب يُطرق بالليل. فتح القس شحادة الباب ورأى جنديين يهوديين أمام البيت، ثم دخل أحدهما الى البيت وسأل القس كيف يصعدون الى السطح. فقال له القسيس انتظر ومن قال لك اني سأسمح لك بالصعود الى السطح!؟ فقال له الضابط: "الضابط هو الذي طلب مني ذلك. فأجابه القسيس: الضابط طلب منك انت! وأنا لا اريد أن تصعد الى سطح بيتي.
قال الجندي: لكنني مجبور أن أصعد الى السطح لأحرس من فوق. فقال له القسيس: الضابط هو رئيسك انت وليس رئيسي أنا. هذه منطقة كنيسة ولا أسمح لك أن تدخل من هنا. فعاد الجندي الآخر وقال لماذا لا تسمح له بأن يصعد الى سطح البيت؟ نحن نريد حراسته. فأجاب القسيس شحادة: أنا لم أطلب الحراسة من أحد. ويؤكد أن مطلبه كان حقًا "لأني ساكن في إسرائيل وجندي يهودي فوق بيتي في نابلس يحرسني.. شو بدها الناس تقول عني؟... يعني تفسيرها أن أكون بنظر الناس عميل سُلطة ويتعامل معها.. أنا بتعامل بس لربي وبشتغل بس للحق". وهذه أساليب لتشويه صورة الشرفاء وأصحاب الضمير والمبادئ المخلصين تستعملها مؤسسات السلطة حتى الآن.
في الثلاثين من آذار عام 1976 أعلنت لجنة الدفاع عن الأراضي اضرابا شاملا للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل وقاموا بتعبئة المجتمع بغية التأكيد على حقوقه وهويته الوطنية القومية من خلال العمل الكفاحي الوحدوي المباشر. دُعي القس شحادة ش الى اللقاء التنظيمي الأول للدفاع عن الأرض الذي عُقد في حيفا ونظمه الحزب الشيوعي وحضره 25 شخصا لمناقشة استراتيجيات مناهضة مُخططات الحكومة الإسرائيلية الرامية الى مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية. وكان حينها في عمر السادسة والثلاثين وكان قسيسا في مدينة شفاعمرو. كما حضر هذا الاجتماع شخصيات وطنية أخرى.
وهو يصف المساهمة في احتجاجات ونضالات يوم الأرض بالقول: "انني قس، وأنا أؤمن أن على القس ان يفهم ألم الناس، ويتألم عندما تُؤخذ أراضيهم منهم. ان ذلك مثله مثل انتزاع عضو من جسدهم. انه مُؤلم جدا.. لم يسمح لي ايماني بأن اتنحى جانبا".
في ذلك الوقتأخذ التحرك ضد مصادرة الأراضي المخطط لها من حكومة إسرائيل يكتسب زخما أكبر، وذلك بالتعاون مع الآخرين من ذوي التفكير الوطني النضالي المُكافح، حيث قام الناشطون بدعوة رؤساء المجالس المحلية في الجليل والمثلث لاجتماع ثان عُقد في الناصرة، واستضافه المناضل والشاعر الكبير ورئيس بلدية الناصرة آنذاك توفيق زياد، ووفق ما يتذكره القس شحادة شحادة حضر الاجتماع أكثر من 100 شخص.
وبعد ذلك عُقد اجتماع شعبي في سينما ديانا حيث وكان الاجتماع جبارا بحضور الآلاف.
وحول هذا الموضوع يقول القس شحادة شحادة: "لم نكن نتوقع ان تحضر الجماهير بهذه الأعداد، لقد قدمت آلاف مؤلفة من الناس. كانت القاعة دار سينما تتسع ل 300 الى 400 شخص، لكن الناس تجمهروا في أروقة البناية وفي جميع الشوارع المُحيطة بها. وقد اتضح أن مثل هذا الدعم الشعبي سيشكل أكبر موارد اللجنة قيمة".
لم تتلق الرسائل التي كتبتها لجنة الدفاع عن الأراضي الى أعضاء الكنيست أي ردود تُذكر، واقتصرت نتيجة اجتماع مرتجل مع حزب العمل الحاكم في ذلك الوقت في الكنيست على تأكيد الحزب أنه لن يُعيد النظر في مُخططاته الرامية الى مصادرة الأراضي الفلسطينية الخاصة. وفي أعقاب ذلك ردت لجنة الدفاع عن الأراضي على تعنت الحكومة بتنظيم حملة شعبية واسعة – زيارة القرى التي كانت ستضرر من المُصادرة، ابلاغ السكان بالمُخططات وعواقبها الوخيمة، وحتى تصوير قطع الأراضي المُزمع مصادرتها، وارسال الوثائق الى المجالس المحلية في القرى لتتم مناقشة القضية. ويقول القس شحادة: "كنت أذهب الى اجتماعات شعبية ثلاث أو اربع مرات في الأسبوع لإبلاغ الناس بأننا نعتزم تنظيم اضراب اذا لم تصغ الحكومة لنا".
كان الإضراب ناجحا وعاما وكما قال صديق القس شحادة صليبا خميس أحد قادة يوم الأرض "في يوم الأرض خرج المارد من القمقم". وكما قال القس شحادة: "من دون الأرض ليس لنا أي جذور في هذه البلاد، ان الأرض هي جذورنا، الأرض بيتنا الوطني انني فلسطيني وهذا وطني".
إن روح القس عانقت روح هذا الوطن وعمله وفكره، اوقدت شُعلة التفاؤل والأمل والنضال من أجل حرية شعبه لا بل من أجل حرية الانسان والإنسانية، فقد كان رجل دين مُحبا للإنسان، لكل انسان، يحمل معه الطموح والكفاح من أجل القضية العادلة لشعبنا الفلسطيني، من أجل السلام العادل، من مُنطلق ايمانه بأن سلام الشعوب بحرية الشعوب.







.png)


.jpeg)



.png)

