ملاحظة حول إسلام زهران ممداني

A+
A-
رئيس بلدية نيويورك المنتخب زهران ممداني (تصوير حملة ممداني الانتخابية)

رئيس بلدية نيويورك المنتخب زهران ممداني (تصوير حملة ممداني الانتخابية)

قرأت مقالات عديدة حول فوز زهران ممداني برئاسة بلديّة نيويورك. قرأت السطور نفسها وما فوقها وما بينها وما تحتها. قرأتها وقرأت التعليقات والردود عليها بتفاصيلها. أشغلت بالي التفاصيل. كنت أنصت إلى نبضها ونبرها ليس لأنّها مخبأُ الشيطان ومكمنُه بل لأنّها الشيطان نفسه. هذه كبسولة لاهثة وهي استجابة فوريّة لما قرأته في اليومين الأخيرين في هذا الشأن. وهي ليست فوريّة بالمفهوم الزمنيّ بل هي مسحوبة من "فورة الدم"! نعم، أنا عاتبٌ جدًّا.. عاتبٌ وغاضب!

قرأت ما كتبه بعض المسلمين من مفاخرات "طفوليّة" بإسلام زهران ممداني، مفاخرات طالعة مباشرة من قعر اللاوعيّ الفمويّ، أو في أحسن الحالات هي مفاخرات "صبيانيّة" تنبق من عمق اللاوعي الفاليّ الفرويديّ العتيق! ومن الجهة الموازية سمعت في بعض التعليقات والردود عليها تأتأة ورفضًا حييًّا وحرجًا وارتباكًا معيبًا في كلّ مرّة يُذكر فيها إسلام ممداني. سمعت هذا مثلما سمعت ذاك. راعني ما سمعت، لكنْ أفزعني ما لم أسمع!

لم أسمع دفاعًا عن إسلام ممداني بوصفه أداة مقاومة، علمًا بأنّ ممداني نفسه قد تجاوز مفهوم الأداة إلى مفهوم الفعل في خطابه المعلن والمضمر. رأى ممداني في إسلامه فعلَ زعزعةٍ وتقويضٍ لعقليّة بيضاء كولونياليّة استعلائيّة مقيتة ترى في العربيّ والمسلم وكيلًا أو عميلًا إرهابيًّا! ممداني لا يلبس عمامة ولحيته ليست لحية مشيخة. تشييخ ممداني وقوع في الخطأ والخطيئة بصرف النظر عن الجهة التي تفعل ذلك والاعتبارات التي توجّهها. ممداني لن ينصر الإسلام والمسلمين ضدّ أعدائهم من الضالّين والمغضوب عليهم! ولا يريد. وبنفس القدر لن يهزم لا المسيحيّة ولا اليهوديّة! ولا يريد. إسلام زهران ممداني مثل إسلام زين الدين زيدان بالضبط رغم الفارق الكبير في التفاصيل. رأى العرب والمسلمون في نطحة زيدان للّاعب الإيطاليّ ماركو ماتيراتزي في نهائيّ كأس العالم عام 2006 نطحة الشرقيّ للغربيّ الأبيض الذي أهانه وقهره بالتراكم منذ قرون. هكذا ينبغي النظر إلى نطحة ممداني للعقليّة الأمريكيّة التي تعاملت مع الشرقيّ والمسلم بوصفه تهديدًا وجوديًّا.

يدرك ممداني بعمق أنّ الخطاب الغربيّ الكولونياليّ يتعامل مع الآخر المسلم من منظور التفكير العامليّ الوظيفيّ (Actantial Thinking) بوصفه وكيلًا أو عميلًا يؤدّي دور الخصومة (Antagonism) يفيد منه الغربيّ في تعميق عدائه للمسلم. لا يتعامل الغرب مع حقيقة الإسلام، كما لو كان دينًا أو بنية معرفيّة متكاملة، بقدر ما يتعامل مع صورة الإسلام على نحو ما حدّ حدودها هو في وعيه وخياله المجنّح، لاعتبارات كولونياليّة استعلائيّة دمويّة.

لو ظلّ إدوارد سعيد حيًّا إلى اليوم لرأى بعض نظريّاته تتمثّل أمام ناظريه بشرًا سويًّا في شخصيّة شابّ هو حالة هُجنة تفاوضيّة. فهو ليس مسلمًا فحسب بل هو إفريقيّ "أسود" وشرق أسيويّ ساذج. ومتزوّج من مسلمة عربيّة سوريّة. وهو الآخر المختلف. وهو الهنديّ الأحمر في التصوّر الكلولونياليّ الأمريكيّ. إذًا إسلام ممداني هو جزئيّة واحدة فقط، وإن كانت حاسمة، في "أخرويّته" مثل "تهمة" الشيوعيّة التي ألصقها به ترامب. مثلها بالضبط تهمة جاهزة. وهكذا، انضاف الإسلام إلى الشيوعيّة مع جملة من "التهم" الأخرى في توليفة "قاتلة" هي كلّ ما يحتاجه ترامب والصهيونيّة لمعاداة ممداني.

من قصر عقله عن فهم العلاقة العميقة بين الترامبيّة والعقليّة الاستشراقيّة لن يفهم لماذا فاز ممداني وكيف انتصر على ترامب! انتصر ممداني لأنه أصرّ على هويّته الهجينة التي تتحدّى مفهوم الإجماع المركزيّ وما يعنيه هذا الإجماع من هيمنةٍ وسطوة. انتصر ممداني بالإصرار على هويّته! ولنا نحن الفلسطينيّين في ممداني خير عبرة ومثال! ومن لم يقرأ إدوارد سعيد بعمق لن يفهم ما أرمي إليه. أذكّر من نسي منّا بأنّ الشرط الوحيد لقبول منصور عبّاس في حكومة بينيت كان تنازله عن الفعل "السياسيّ". ولماذا؟! لأنّ السياسة لا تنبع إلا من مركّبات الهويّة. وما هي هويّة منصور عبّاس التي يحاول أن يحيّدها إن لم تكن عروبته وفلسطينيّته؟! إذًا ما تسعى إليه الصهيونيّة، ومثلها العقليّة الاستشراقيّة العرقيّة الكولونياليّة، هو تعطيل مركّبات الهويّة كشرط قبليّ لفرض هيمنتها وسطوتها! وهكذا لا يكون الصمود والنصر إلا بمزيد من التشبّث بالهوية! هذا هو المبدأ وهذا هو المنتهى.

يصرّ بعضهم بسذاجة على تحييد المركّب الإسلاميّ وتعطيله، والتأكيد في المقابل على القدرات الفرديّة لممداني بصرف النظر عن دينه.. ولأني بعيد عن الطائفيّة والتفكير الدينيّ الغرائزيّ العاطفيّ لا بدّ من الإصرار على توظيف المركّب الإسلاميّ في هويّة ممداني، لاعتبارات سياسيّة وأيديولوجيّة، مثلما فعل ممداني نفسه كردّ فعل على الترامبيّة. لقد فهم ممداني نفسه أنّ تحييد المركّب الإسلاميّ في هويّته هو محاولة لتقويض هويّته وتفكيكها، وهو ما يسعى إليه الاستشراق الترامبيّ في الأصل.

العقليّة الاستشراقيّة الغربيّة الأمريكيّة، بدءًا بصيغتها الكلاسيكيّة وصولًا إلى الترامبيّة المعاصرة، ما زالت تقسّم العالم إلى فئتين،The West and the Rest ، وتحمي تقسيمها هذا بخطاب القوّة. جملة ترامب "أمريكا أولًا"، التي جعلها شعاره الأقوى في حملته الانتخابيّة، هي الصيغة السياسيّة المكثّفة لهذه العقليّة الاستشراقية المقيتة.

من أسباب المعركة ضدّ ممداني كونه مسلمًا "وجب عليه أن يظلّ في حدود الصورة التي ترسمها له العقليّة الاستشراقيّة متخلّفًا إرهابيًّا رجعيًّا. ولا يعقل أن يصير رئيسًا لبلديّة نيويورك رمز الحلم الأمريكيّ القحّ؟!" والشيء بالشيء يُذكر ويُقاس، النظرة الأشكنازيّة العنصريّة إلى "اليهود العرب" في إسرائيل هي الصيغة الإسرائيليّة للعقليّة الاستشراقيّة الأمريكيّة التي أتحدّث عنها رغم الفارق الكبير في التفاصيل.

قطع الصلة بين الترامبيّة وبين جذورها العميقة في العقليّة الاستشراقيّة الاستعلائيّة، كما لو كانت مقطوعة من شجرة، هو "مسامحة" خطيرة قد يمتد أثرها إلى أجيال لاحقة. النظر إلى سياسات الحكومة الإسرائيليّة كما لو كانت تنشأ في فراغ بشكل اعتباطيّ عفويّ هو تفكير ساذج وخطير. وهكذا أيّ تغافل أو تغاضٍ عن الهويّة الهجينة المركّبة لممداني، والتي يقف إسلامه في مركزها، هو تبييض لصفحة ترامب والترامبيّة. أذكّر بأنّ انتخاباتٍ أخرى قد جرت في أمريكا، بالتوازي مع نيويورك، وفيها فاز مرشّحون ديمقراطيّون. لم نرَ ترامب، ولا غيره، يقيم الدنيا ويقعدها مثلما فعل في محاربته لممداني! من دفع بالعقليّة الاستشراقيّة المقيتة إلى قلب المعركة الانتخابيّة، وهي معركة على الفكر، هي الترامبيّة. فقام ممداني ووظّف هجنته وإسلامه، وحماه باللغة العربيّة، كفعل مقاومة. أيّ قطع لهذه الصلة العميقة بين الترامبيّة والعقليّة الاستشراقيّة الكولونياليّة، بصرف النظر عن الأسباب والاعتبارات، هو شطب شامل لكلّ المشروع الثقافيّ لإدوارد سعيد!

تذييل: أوصي بقوّة بالعودة مرّة أخرى إلى ما كتبه إدوارد سعيد في هذا الشأن منذ نشر كتابيه "الاستشراق" و "تغطية الإسلام" حتى مقالاته الأخيرة في مجلّة "الأمّة" (The Nation).

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية