هل العداء الأمريكي لإيران جديد؟

A+
A-
محمد مصدق رئيس وزراء إيران الذي نفذت المخابرات الأمريكية خطة الانقلاب ضده بسبب قراره تأميم البترول

محمد مصدق رئيس وزراء إيران الذي نفذت المخابرات الأمريكية خطة الانقلاب ضده بسبب قراره تأميم البترول

من المعروف أنّ الولايات المتحدة تركت مبدأ مونرو وعادت للتدخل في السياسة العالمية، فدخلت الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤١ إلى جانب الحلفاء.

 وبعد الحرب أصبحت رأساً للمعسكر الغربي ضد المعسكر الشرقي برئاسة الاتحاد السوفييتي وبدأت تتدخل بذرائع واهية في المناطق التي فشلت فيها بريطانيا بالمحافظة على مصالح الغرب الاقتصادية، والحقيقة هي أنّها أرادت أن تحافظ على مصالحها الإمبريالية في استغلال الشعوب. ولذلك علينا أن نرى الولايات المتحدة كوريثة للإمبريالية البريطانية وهذا ما حدث في إيران بعد الحرب العالمية.

التغلغل الإمبريالي الأمريكي في إيران بعد الحرب العالمية الثانية

بعد الحرب العالمية الثانية بدأ التسرب الأمريكي إلى إيران، وقد تعاون رئيس الحكومة الإيرانية عام ١٩٤٦ "قوام السلطنة" مع الولايات المتحدة ووُقِّعت اتفاقية بين الحكومة  الإيرانية والشركة الأمريكية "موريسون- نادين" بشأن وضع خطّة سباعية لتطوير إيران زراعياً عن طريق قروض أمريكية. ولكن ذلك كان مشروطاً بانتقال النفط الإيراني للأمريكيين. وهنا تجلّى الصراع الإمبريالي المؤقت بين الولايات المتحدة وبريطانيا على نفط إيران. لكن هذه الاتفاقية لم تنفذ.

 في العام ١٩٤٨ وقّعت الحكومة الإيرانية عقداً مع شركة أمريكية أخرى هي" أفرسيز كونسالتانتيس" التي يرأسها رئيس الاحتكار البترولي "ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا" وبموجب هذا العقد تقوم الشركة الأمريكية بوضع خطّة سباعية لتطوير إيران.

 وفي العام ١٩٤٩ أثناء زيارة الشاه الإيراني لواشنطن تبيّن له أنّ القروض والأموال من الشركات الاحتكارية الأمريكية لن تُعطى ما دام البترول الإيراني ليس في يد الأمريكيين.

أدّت السياسة الاحتكارية الأمريكية إلى هبّة شعبية ونقمة إيرانية عارمة وتعاظمت معاداة الإمبريالية وقد نشأت في خريف ١٩٤٩ ونتيجة لهذه الأوضاع منظمة جديدة بادر إلى إقامتها نواب وطنيون تقدميون في المجلس الإيراني برئاسة محمد مصدق وهي منظمة الجبهة الوطنية التي طالبت بإلغاء الانتخابات المزيّفة للمجلس، حرية الصحافة وإلغاء الأحكام العرفية المطبقة في طهران بعد محاولة اغتيال الشاه في العام نفسه.

في العام ١٩٤٩ أجريت انتخابات جديدة ونتيجة لها أصبحت الجبهة الوطنية الكتلة الأكبر نفوذاً في المجلس، وطالب مصدّق في المجلس بتصفية شركة البترول الأنجلو- إيرانية وتأميم البترول الإيراني دون تأجيل وكان هذا مطلب الملايين من الإيرانيين.

استمرّت الحكومة الإيرانية بالتعامل مع الولايات المتحدة، وبعد تعيين الدبلوماسي الماكر الأمريكي هنري فريدي سفيراً جديداً للولايات المتحدة في إيران، شرع بتطبيق أجزاء من مشروع ترومان في إيران،  وهذا الأمر زاد من الوجود الاقتصادي والعسكري للولايات المتحدة في إيران وقد أثّر ذلك تأثيراً سلبياً على الاقتصاد الإيراني، إذ بلغ استيراد البضائع الأمريكية إلى إيران في العام ١٩٥٠ قرابة ٥٠ ضعفاً من الصادرات الإيرانية للولايات المتحدة، وأدّت المنافسة القوية الأمريكية للسلع المحليّة ألى خراب المؤسسات الصناعية الخفيفة الإيرانية والحِرف، وأُغلقت مئات المعامل الصغيرة ونتيجة لذلك بقي ٣٠ ألف عامل حياكة بلا عمل في مدينة يزد وحدها.

ردود الفعل الإيرانية

أمام الضغط الشعبي الهائل اعترف رئيس الوزراء الإيراني، رازمار، أنّ عدد العاطلين عن العمل في العام ١٩٥٠ وصل ألى ٥٠٠ ألف شخص وأنّ الفقر يزداد يوماً بعد يوم.

ازدادت الهبات الشعبية ضد الإمبريالية الأمريكية ووجودها العسكري في إيران، فقد قامت مظاهرة هائلة جبّارة في مدينة بندر شاهبور  وصل عدد المتظاهرين فيها إلى ثمانين ألفا وذلك لوصول سفينة حربية أمريكية محملة بالأسلحة وقد تمرّد عمّال الميناء ورفضوا تفريغ السفينة من الأسلحة واضطر رئيس الوزراء الإيراني نتيجة للضغط الشعبي أن يلغي الإتفاقية مع شركة أوفر سيز كونسالتانتس وطلب من المستشارين الاقتصاديين الأمريكيين مغادرة البلاد ومنع إعادة إذاعة برامج محطة صوت اميركا. في ١٩٥١ أغتيل رازمار واختير حسن علا رئيساً للوزراء وفي فترته اشتدّت المطالبة بتأميم النفط الإيراني وقامت الإضرابات المختلفة، أهمها إضراب عمال وشغيلة البترول، كذلك وقّع سبعة من "آيات الله" فتوى أعلنوا فيها أنّ دعم الحركة من أجل تأميم البترول واجب ديني على كل مسلم إيراني. في ٢٧ نيسان اضطرت حكومة حسين علا إلى الاستقالة وفي ٢٩ نيسان ١٩٥١ صادق المجلس على تعيين محمد مصدّق رئيساً لوزراء إيران وفي ٢ أيّار وافق المجلس على قانون تأميم البترول الإيراني وعموم أموال شركة البترول الأنجلو -إيرانية.

ردود الفعل الأمريكية والإنجليزية

أثار قرار تأليف حكومة الجبهة الوطنية في إيران وعلى رأسها مصدّق، وتأميم صناعة البترول، أثار بالغ الغضب والسخط في الأوساط الحاكمة في بريطانيا، أمّا الولايات المتحدة فاعتقدت أنًها تستطيع استغلال الوضع لصالحها، وتفرض رقابتها على البترول الإيراني بدل الشركة الأنجلو- إيرانية، لكنّ خطوات مصدّق العملية في اتجاه التأميم العام والتّام وتصفية الشركة الأنجلو- إيرانية، أدّى إلى سخط الولايات المتحدة، خاصة وأنّ عملية التأميم في إيران من الممكن أن تتحوّل إلى سابقة ومثل وسيؤدي إلى عواقب وخيمة بالنسبة للاحتكار البترولي الأمريكي في بلدان الجزيرة العربية "أرامكو"، وهكذا أخذ موقف الولايات المتحدة يزداد عداءً  لحكومة مصدّق يوماً بعد يوم.

بعد ثلاثة أسابيع من وصول مصدّق إلى الحكم، أرسلت الولايات المتحدة رسالة إلى الحكومة الإيرانية تبلغها فيها أنّهًا ترى عملية التأميم كعمل سلبي للغاية، وحاولت الولايات المتحدة إرغام الحكومة الإيرانية على البدء بمحادثات لتسوية الخلاف مع إنجلترا.

لم يقف الشعب الإيراني مكتوف الأيدي أمام الضغط الأمريكي، فانعقد في أواخر أيار ١٩٥١ المؤتمر الأول للجمعية الوطنية للنضال ضد شركة البترول الأنجلو- إيرانية، وانبثق عن هذا المؤتمر الجمعية الإيرانية للنضال ضد الشركات البترولية الإمبريالية، أي الأمريكية والإنجليزية أيضا. وأمام ذلك قامت الإمبريالية الأمريكية بدعم إنجلترا واستطاعت إصدار قرار من محكمة العدل الدولية في لاهاي يمنع الحكومة الإيرانية من تنفيذ التأميم، وهذا القرار غير قانوني، إذ أنّ محكمة لاهاي تبث في القضايا والأزمات بين دولتين لا بين دولة وشركة خاصة كما في هذا الوضع… وكان التدخل الأمريكي مقروناً بتهديدات عسكرية واقتراب سفن حربية أمريكية من الأسطول السابع الأمريكي من السواحل الإيرانية. لكن الحكومة الإيرانية، حكومة مصدّق، صمدت ورفضت الرضوخ، أمّا المؤامرات على إيران وحكومة مصدّق فلم تتوقف.

استمرار المؤامرات ضد حكومة مصدّق

استمرّت الولايات المتحدة في التآمر على حكًومة مصدق، ففي ١٥ تموز ١٩٥١ وصل المبعوث الشخصي للرئيس الأمريكي ترومان، الذي قوبل بمظاهرة شعبية احتجاجية وصل عدد المشاركين فيها اكثر من مائة ألف متظاهر، هتفوا مطالبين بتأميم البترول وصناعته في إيران، وبرحيل الوسيط الأمريكي على الفور من إيران، وبسحب السفن الأمريكية والإنجليزية من الخليج العربي. لكنّ وزير الداخلية الإيراني، الجنرال زاهدي،  أمر الجيش والبوليس بضرب المتظاهرين، وهذا أدّى إلى مقتل أكثر من مائة متظاهر وجرح أكثر من خمسمائة آخرين وأُغلِقت أكثر من ٢٠ جريدة تقدمية وأعلنت حالة الطوارئ في طهران وجرت اعتقالات جماعية.

انتفض الشعب الإيراني نتيجة لسياسة وزير الداخلية وقامت المظاهرات في مختلف المدن الإيرانية، وكان طابع هذه المظاهرات معادياً للإمبريالية الأمريكية، فاضطرت الحكومة الإيرانية إلى تقديم الضباط المسؤولين عن أعمال القمع للمحاكمة وأُجبر زاهدي على الاستقالة. وقد أيّد هذه الهبة ودعمها رجال الدين برئاسة آية الله كاشاني. وفي ظل هذا الدعم الجماهيري، رفضت حكومة مصدق العروض الأمريكية والإنجليزية لتسوية النزاع حول البترول الإيراني.

تحوّلت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى الهجوم المباشر على حكومة مصدّق وطالب مندوباهما في مجلس الأمن بأن توافق إيران على وضع صناعة البترول الإيراني تحت رقابة شركة دولية، إلّا أنّ مصدق. رفض ذلك في خطابه في مجلس الأمن.  وهنا قررت الدولتان فرض حصار مالي واقتصادي على إيران، وتوقفت شركات البترول الأمريكية والإنجليزية عن شراء البترول الإيراني، ليس هذا فقط، بل أجبرت هاتان الدولتان الشركات البترولية الفرنسية والإيطالية واليابانية على فسخ الصفقات مع إيران. كذلك أنذرتا الحكومة الإيرانية بوقف الاتصالات مع الدول الاشتراكية لبيعها النفط الإيراني. وكان أثر ذلك انخفاض انتاج إيران جزء من عشرين جزءاً من متوسط استخراجها السنوي للنفط قبل التأميم، واستمر هذا الانخفاض خلال النصف الثاني من عام ١٩٥١ وكل عام ١٩٥٢ والنصف الأول من العام ١٩٥٣، وأوقفت الولايات المتحدة مساعداتها لإيران وفرضت بريطانيا حظراً على الحسابات الإيرانية في المصارف البريطانية.

إقالة مصدق وعودته إلى الحكم ثمّ إقالته ثانية

ضغطت القوى الإمبريالية في أواسط تموز ١٩٥٢ على الشاه والقوى الرجعية في المجلس من اجل إسقاط حكومة مصدق،، وقد قامت هذه العناصر بإجبار  مصدق على الاستقالة في ١٧ تموز ١٩٥٢، وعُيّن بدلاً منه وللمرة السادسة بعد الحرب العالمية الثانية" قوام السلطنة"، الذي باشر بقمع الحركة المناوئة للإمبريالية، وبتنفيذ أوامر السفير الأمريكي فقام باستعمال السلاح في ضرب المتظاهرين وإضعاف فعاليتهم.

كان رد فعل الشعب الإيراني عنيفاً، فبدأ إضراب عام في كل إيران في ٢١ تموز ١٩٥٢، وأُغلقت جميع المؤسسات الإنتاجية وغير الإنتاجية في جميع أنحاء إيران، وكان لرجال الدين وعلى رأسهم آية الله  كاشاني، دور هام في بث روح النضال بين أبناء الشعب ومن أجل القضاء على قوام السلطنة. وقد عُقدت اجتماعات حاشدة في معظم المدن الإيرانية طالبت بإقالة قوام السلطنة وبطرد العملاء الأمريكيين والإنجليز. فقامت القوات المسلّحة بأمر من قوام السلطنة بقصف المتظاهرين بالدبابات والمدافع فقُتل اكثر من مائة متظاهر وجُرح أكثر من ثمانمائة.  وفي مساء ٢١ تموز استقال قوام السلطنة وفرّ إلى بغداد وفي ٢٢ تموز عاد مصدق ثانية ليشغل منصب رئيس الوزراء الإيراني ووزير الدفاع وفي ٣ آب منحه المجلس صلاحيات استثنائية لمدة ستة أشهر.

بعد عودة مصدق وفشل مؤامرة تموز بدأت الولايات المتحدة بتخطيط لدب الخلاف في الجبهة الوطنية تمهيداً لعزل مصدق وإبعاد القوى الوطنية عنه، وقد حاكت الكثير من المؤامرات داخل إيران. لكن رغم ذلك استطاع مصدق في ١٣ كانون الثاني ١٩٥٣ أن يأخذ مصادقة المجلس بتمديد صلاحياته الاستثنائية لسنة أخرى. واستمرت المؤامرات بالتعاون مع الشاه إلّا أنّ مصدق أحرز انتصاراً آخر إذ وافق المجلس في ٢٥ أيار ١٩٥٣ على قرار بموجبه تعود مسؤولية الجيش لوزير الدفاع (وهو مصدق في هذه الفترة). وزاد مصدق من توطيد علاقاته بالاتحاد السوفييتي. لكن المجلس تحول بعد هذا التاريخ ونتيجة لسياسة الشاه المًوالية للغرب والمؤامرات الأمريكية إلى مجلس غير قادر على القيام بأعماله. وهنا زادت المطالبة بحل المجلس. وفي مساء ١٢ آب ١٩٥٣ صدر قراران من الشاه   الأًول بإقالة مصدق والثاني بتعيين فضل الله زاهدي فيى منصبه. وفي ١٨ آب ١٩٥٣ وبأمر من زاهدي وبدعم مادي وعسكري أمريكي ضخم تقدمت وحدات عسكرية باتجاه طهران وكان الهدف القضاء على حكومة مصدق وبعد معارك استمرّت ٩ ساعات استولى جنود الشاه على مقر رئيس الحكومة مصدق واعتقلوه وأعتقل كل وزرائه وعادت ايران إلى سيطرة الشاه والجميع يعرف انّها عادت إليه إلى حين فقد قامت الثورة بقيادة الخميني وأزالت حكم الشاه إلى الأبد.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية