السلطة في دمشق اليوم، لا يمكن التعامل معها بوصفها حتى دولة ديكتاتورية أو فاشية أو قمعية، فهي أقل من دولة، عبارة عن سلطة ميليشيات طائفية همجية ودموية، لا يحكمها قانون أو ضابط، هي هي القانون بحكم سلطة الأمر الواقع، لا تملك شرعية دستورية ولا ثورية ولا انتخابية ولا تفويضًا شعبيًا للحكم الا بقوة السلاح والعصبية الطائفية والظرف الإقليمي الذي كان مهيئًا لغض الطرف عن حكمها، وقبولٍ دولي ما بها، لتوفيرها مناطق نفوذ لقوى إقليمية داخل الخارطة السورية. والآن تحاول بسط سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية، وبالتالي فإن "وحدة سوريا" تحت سيطرتها لا تعني وحدة وطنية لدولة وطنية تفرض سيادتها الوطنية على أرضها، بل تعني شيئًا واحدًا ووحيدًا، وهو تعميم عمليات الإبادة الطائفية والاستباحة الكاملة والإذلال لمجتمعات الأقليات الإثنية والدينية، على كامل التراب السوري.
وبالتالي فإن التصدي لهذه العملية-أي توحيد سوريا تحت سلطة الهمج- من قبل المناطق التي تسكنها أقليات إثنية ودينية خارجة عن سلطة نفوذ دمشق، بكل الطرق المتاحة، هو ليس خضوعًا لمنطق التقسيم على حساب منطق الوحدة الوطنية، بل هو مقاومة بطولية وضرورية وطبيعية إنسانية فطرية للاستباحة الكاملة، هذا رفض للانتحار الجماعي. لأن الاستسلام لسلطة الميليشيات الجهادية الطائفية التي تحكم دمشق، ليس مجرد قبول خاضع بمكانة متدنية، لشكل من أشكال المواطنة "الذمية" في دولة دينية فاشية، لأن هذه السلطة لا تطرح أصلاً أي مشروع مواطنة ولو بأشد أشكاله تخلفًا، بل الاستباحة الدموية الكاملة للكينونة الانسانية للمجتمعات غير السنية. والاستسلام لسلطتها في هذه الحالة يعني تسليم الرقاب للعنف المنفلت الذي لا يصده أي رادع، والاهانة والاذلال اليومي، والاعدامات الميدانية والمجازر الطائفية وخطف النساء، كما يحصل اليوم لمجتمعات الأقلية العلوية في الساحل السوري، ويراد له أن يحصل للمجتمع الدرزي في جبل العرب.
منذ اللحظة الأولى لسعيها إلى تثبيت قبضتها على الجغرافيا السورية، لم تتردّد السلطة الجديدة في استخدام العنف الطائفي المنفلت كأداة لبناء شرعيتها بالقوة. وكانت مجزرة الساحل رسالة دموية لكل المكونات السورية، فقد نفذت الميلشيات التي تحكم دمشق مجزرة بحق أبناء الطائفة العلوية، لم تكن مجرد أعمال انتقامية منفلتة، وانتهاكات خارج سيطرة الحكومة، بل كانت الخطوة الأولية في هندسة الرعب، ترمي إلى تثبيت هيمنة دمشق على الأطراف وإخضاع كل مكونات المجتمع السوري عبر خلق مثال رادع مرعب. فالمجزرة لم تستهدف العلويين وحدهم، بل صُمِّمت لتقول للأكراد والدروز وسواهم: إما الانصياع وإما الإبادة.
ورغم بشاعة هذه الأفعال، لم يؤثر ذلك في المسار الدولي الذي أخذ يتجه نحو إعادة تأهيل النظام الحاكم في دمشق، إذ أن المجتمع الدولي قرأ المشهد من زاوية "إدارة الاستقرار". وأخذت السلطة في دمشق بممارسة لعبة مهادنة الخارج والتذلل لمراكز القوة الإقليمية والدولية، من واشنطن إلى تل أبيب، ومن أنقرة إلى الخليج، وتقديم تنازلات لها واستعدادات لتنفيذ مشاريعها، مقابل الحصول على شرعية سياسية تجعلها في حلّ من أية مساءلة داخلية في محاولة فرض سيطرتها الكاملة بالعنف المنفلت وإخضاع كل المكونات السورية.
إفراط الجولاني في قراءة "الضوء الأخضر" الأمريكي
وفي الأسابيع الماضية، صدرت عن المسؤولين الأمريكيين إشارات حملت في طياتها مديحًا مبالغًا فيه لسلطة دمشق وتزايدت الاشارات على تقبل سلطتها ودورها في المنطقة برعاية أمريكية. وكذلك برزت لقاءات معلنة أو شبه معلنة بين ممثلين عن سلطة الأمر الواقع في سوريا والإسرائيليين، مع تداول متزايد لفكرة انضمام سوريا إلى منظومة التطبيع أو الدخول في تفاهمات أمنية مع إسرائيل. بالاضافة إلى تصريحات أمريكية تميل إلى تهميش الحلفاء الأكراد، ما عزّز لدى السلطة قناعة بأن اللحظة سانحة لتصفية الحسابات الداخلية وفرض سلطتها.
لقد تلقّت سلطة الميلشيات في دمشق هذه الإشارات الدولية باعتبارها تفويضًا مطلقًا لإطلاق يدها في الداخل، ولكنها أفرطت في قراءة "الضوء الأخضر" الذي أعطي لها، وأطلقت يدها في السويداء لتكرار ما فعلته في الساحل، وارتكبت مذابحَ أثبتت أن المجازر بحق العلويين لم تكن حادثًا استثنائيًا في سياق الفوضى، بل جزءًا من منظومة حكم ترى في العنف وسيلة للسيطرة، وفي الإبادة سياسة قابلة للتكرار كلما دعت الحاجة. غير أن هذه المذبحة توقفت فور تصعيد التدخل الاسرائيلي وقصف دمشق. وبسبب طبيعة هذه السلطة الإبادية الطائفية التقسيمية في جوهرها، وبسببها هي فقط، أصبحت إسرائيل لاعبًا مركزيًا في المعادلات الداخلية السورية.
في هذه الحالة، لا يمكن أبدًا لوم الدروز في جبل العرب، على الصمود والقتال واللجوء لكل الأساليب الممكنة للحفاظ على وجودهم المهدد بالابادة، ولا يمكن بأي حال اتهامهم بخدمة "مشاريع التقسيم". إن الملام الوحيد في منح موطئ قدم لتدخل خارجي وتمكين مشروع تقسيم سوريا إلى دويلات متناحرة وفاشلة خاضعة لمصالح اسرائيل والقوى الإقليمية المتنفذة كتركيا وأنظمة الخليج، هو فقط السلطة الطائفية التقسيمية الحاكمة في دمشق، التي لا تطرح، بل عاجزة جوهريًا عن طرح أي مشروع وحدوي جامع يضم كل المكونات السورية تحت ظل دولة تحميهم وتحفظ حقوقهم، بل مشروعها الوحيد هو تعميم الابادة الطائفية على كل المكونات السورية ووضعها في زاوية الخطر الوجودي، حيث يصبح التصدي بأية صورة متاحة هو الخيار الوحيد لهذه المكونات. إن سلطة الأمر الواقع في دمشق هي التي تتحمل المسؤولية بتهديد وحدة البلاد الاجتماعية والجغرافية، وتخدم المشاريع التقسيمية الإسرائيلية والأمريكية والتركية، عبر موجات منظمة من العنف الطائفي والمناطقي، وليس الأقليات المستضعفة التي تضطر لحماية وجودها ذاته من بطش هذه السلطة.
السويداء تصمد في ظل واقع بالغ التعقيد للتداخلات الإقليمية والدولية
لم ترتكب السويداء جرمًا وطنيًا لأنها دافعت عن كرامتها وحريتها بل عن وجودها ذاته، في مواجهة آلة البطش التي لم تتورّع عن استخدام كل أشكال العنف والإرهاب، المحلي منه والمستورد. أبناء السويداء السوريون العرب أصحاب التاريخ الوطني العريق تصدوا لميليشيات جهادية متعددة الجنسيات، جاء عناصرها من جميع أنحاء العالم ليمارسوا "الجهاد الداخلي" ضد المكونات السورية الأصيلة، فقدمت السويداء أنبل أشكال المقاومة الوطنية. لقد خاضت السويداء معركتها ضد مشروع إبادة، في وقت كانت فيه حملات التجييش والتحريض على أشدّها، مدعومة من مراكز قوى داخلية وخارجية، بينما كان سقف الخطاب الموجّه ضدها مرتفعًا إلى حدود التهديد بالاستئصال الكلي. ومع ذلك، صمدت هذه الجماعة المحلية، دفاعًا عن كرامتها ومستقبلها، في وجه منظومة لا تؤمن إلا بالاستباحة الكاملة والإخضاع التام. خاضت مقاومة أمام سلطة استخدمت شتى أنواع خطاب التشويه والتخوين، فاتهمت أبناء السويداء بالسعي إلى الانفصال، وسخّرت لذلك ترسانتها الإعلامية وجماعاتها الموالية، في محاولة لإضفاء شرعية على جرائمها. مع أن السويداء لم تبادر بذاتها إلى أي فعل أو حركة انفصالية، بل إن كل ما فعلته هو التصدي لمحاولة كسرها واخضاعها واستباحتها الكاملة مستعينة بما تملكه من قوة تصدي داخلية وما أتيح لها من توازنات إقليمية من أجل الدفاع عن وجودها واستغلال كل العوامل التي حالت دون المضي في مشروع الإبادة الشاملة، الذي كان سيقضي –لو تُرك بلا كوابح–على الوجود الفعلي للأقليات، بدعمٍ سافر من قوى إقليمية.
لقد تحولت الساحة السورية إلى نموذج بالغ التعقيد للتداخلات الإقليمية والدولية، حيث تتقاطع مشاريع النفوذ في بنية جغرافية وسياسية هشّة. فإسرائيل تمارس نوعًا من السيطرة المباشرة وغير المباشرة على أجزاء من الأراضي السورية، بالتوازي مع ترسيخ تركيا لنفوذها في مناطق أخرى. هذا الواقع لا يمكن فصله عن محاولات الأطراف الإقليمية إعادة ترسيم خريطة التوازنات، بما يتجاوز حدود الصراع السوري الداخلي ليشكّل ميدانًا مفتوحًا للتنافس الإقليمي. في هذا الإطار، كان إصرار الجولاني على استمرار المواجهات في السويداء عنصرًا لا يمكن عزله عن الديناميات الإقليمية؛ إذ يُرجَّح أن يأتي في سياق استجابة لمتطلبات استراتيجية تركية تسعى إلى تعزيز مواقعها التفاوضية في مواجهة إسرائيل، في ظل سباق غير معلن على تثبيت مناطق النفوذ. وإلى جانب ذلك، يبدو أن الولايات المتحدة ما زالت تلعب دور ضابط الإيقاع، من خلال محاولات توفيقية تهدف إلى منع انهيار التوازن، وربما لضمان بقاء بعض الفاعلين المحليين الذين يمثلون أدوات وظيفية ضمن منظومتها.
مع ذلك، فإنّ من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن السويداء لم تكن طرفًا مبادرًا في هذه المعادلة، ولم تنخرط طوعًا في لعبة إعادة توزيع النفوذ، بل وجدت نفسها في موقع دفاعي بحت. فالمواجهات التي خاضها أبناؤها تدور على أرضهم، في إطار مساعٍ للحفاظ على الحد الأدنى من شروط الحياة والأمن والكرامة الإنسانية. ومن ثم، فإن من حقهم –مثلما هو حق جميع السوريين– استثمار أي ظرف يحدّ من قدرة سلطة الميلشيات في دمشق على ممارسة سياسات الإبادة، وهذا ليس مجرد خيار مشروع، بل هو ضرورة وجودية في ظل غياب أي أفق لحل سياسي شامل لبناء دولة سورية موحدة تحت حكم يملك الحد الأدنى من القدرة والنية على دمج كل المكونات السورية والحفاظ على كرامتها وحريتها ومكانتها، أو على الأقل الحفاظ على مجرد وجودها بحد ذاته.
.png)







.jpeg)



.png)

