منذ صعود كتل اليمين المحافظ واليمين الفاشي عالميًا وجرح صنمية مؤسسات النظام السياسي المتعارف عليه منذ عقود، بات سؤال القضاء مسألة كونية حول حدود ونطاق وصلاحيات ما يسمى بالسلطات الثلاث.
في كتابه حول مونتسكيو يفسر ألتوسير علاقة السلطات الثلاث بأن "القاضي ليس سوى نظرة وصوت. إنه رجل تكمن مهمته كلها في مطالعة القانون وقوله"، وبكلمات أخرى وظيفة المحاكم، وبالتحديد المحاكم الدستورية هي ضمان اتساق القوانين مع الدستور وعدم التضارب فيما بينها.
في نفس الصفحة يختم ألتوسير تفسيره للعلاقة بين السلطات الثلاث بأنها علاقة "دمج وربط"، ولكن تبقى السياسية طاغية من خلال السلطتين التشريعية والتنفيذية أما القضاء فوظيفته إعطاء شرعية حقوقية، يقول ألتوسير: "هدف مونتسكيو الحقيقي هو بالضبط دمج وربط هذه القوى الثلاث، إن الأمر يتعلق قبل كل شيء بمسألة سياسية حول ميزان القوى، مسألة حقوقية بتعريف الشرعية ودوائرها".
ما كان واضحًا لألتوسير وللجميع أن الحسم في صراعات التيارات والأيدولوجيات المختلفة يكون في السياسة، سواء انتخابات أو ثورة أو حتى إصلاح سياسي محدود عبر السلطة أو الضغط عليها.
بهذه الطرق كان يتم حسم الصراعات بدون حاجة إلى السلطة القضائية، لأن النظرة "القديمة" للقضاء هي بالضبط كما وصفها مونتسكو ذاته بأنها "لا مرئية كأنها معدومة".
لم تكن مسألة القضاء بذلك الإلحاح في القضايا السياسية، دور السياسة أعم وأشمل من القانون، صحيح القانون يضع القواعد لممارسة الصراع السياسي، كالتداول السلمي للسلطة، ولكن السياسة كفضاء أوسع هي من تقوم بتحديد الأوضاع القانونية.
منذ تسعينات القرن الماضي دخلت القوى السياسية والأيدولوجية في مرحلة اختلال وتعثر وصول إلى صيغة "دمج وربط" في خلافاتها في دول عديدة، بالتحديد ما يعرف بدول العالم الأول، حيث لم تعد السياسة في حالات كثيرة هي ساحة هذا "الدمج والربط" فصارت قاعات المحاكم من تحسم الصراعات السياسية، وحكمًا على السياسة.
وجد مصطلح "الناشطية القضائية" (Judicial (Activism ليعبر عن واقع نقل صراعات القوى إلى المحاكم بعد عجز قوى المجتمع عن حلها، فصارت مثلًا المحاكم تحسم في قضايا كالخصخصة أو منع شخص من الترشح، أو كما في سياق القضية الفلسطينية أحيانًا قرار محكمة بإخلاء مستوطنة ما، كحالة عامونا، بدون اتفاق سياسي، وحتى قضايا فكرية كعرض أغنية أو عرض مسرحي.
يمكن الإشارة إلى جانب آخر أن الترتيب السلطوي السياسي القديم لا ينال إعجاب القوى الفاعلة الجديدة في دول عديدة وفي نفس الوقت يقوم باحتوائها عبر مؤسسات تقودها "النخب القديمة" للحفاظ على الشكل السياسي القديم ومنع القوى الجديدة من إعادة تشكيله.
في دول معينة انتبهت القوى الصاعدة إلى مسألة علو القضاء كحكم سياسي فصبت جهودها على "ثورة من أعلى" أو "تطويع القانون"، كحالة أردوغان وحزبه في تركيا، فقد سبق أردوغان في أواخر التسعينات قيام القضاء التركي بإقالة حكومة بأكملها في تركيا، وكذلك تجارب فيكتور أوربان في هنغاريا، وتجربة بولندا.
في إسرائيل مسألة القضاء هي مسألة ملحة اليوم، ونقاد يمينيون (حمقى بالطبع) يتخيلون أن القائد التاريخي لليكود، مناحيم بيغين، لم يقم بواجبه لأنه لم يمس بالقضاء، ولكن ما لا يدركه هؤلاء أن مسألة القضاء لم تكن مطروحة -أقلها لم تكن بذلك الإلحاح- ما كان مطروحًا أمام بيغين هو تفكيك مؤسسة الهستدروت والمضي في الخصخصة، ونقاده اليمينيون في حينه كانوا ينتقدونه على تراخيه أمام الهستدروت.
إسرائيل تتشارك مع باقي النماذج في انتقال السياسة إلى ساحة القضاء، التي نفسرها في كل الحالات بثلاثة تفسيرات، أولًا عجز قوى المجتمعات عن تسوية خلافاتها وصراعاتها بنفسها، وثانيًا استنفار الطبقة الإدارية ونخبتها البيروقراطية للحفاظ على الشكل السياسي القديم كما هو، لقلقها مما ستفعله القوى "الجديدة"، كحالة كتل اليمين وتدحرجها نحو الفاشية، وثالثًا عيوب الدساتير والقوانين نفسها التي تفسح المجال أصلًا لنقل الخلافات إلى قاعات المحاكم.
ولكن إسرائيل تختلف في عدم وجود دستور ومحكمة دستورية ووضوح قانوني في المستوى التشريعي، لذلك كانت مهمة نقل السياسية إلى مقاعد المتهمين في القضاء أسهل من غيرها من البلدان، وفي نفس الوقت تغيير هذا الوضع اليوم أصعب ويحتاج إلى تعبئة شعبوية كبيرة وفعالة أكثر من أماكن أخرى بكثير.
هذا الشكل من تسوية الخلافات عبر "الثورة" على القضاء من أعلى يختلف عن تجارب "ثورية" سابقة، فمثلًا في الثورة الإيرانية تم تحطيم النظام بالكامل وإعادة صياغته بحكم الأمر الواقع لانتصار القوى الثورية وليس عبر تغييرات قانونية.
هذا الوضع من إقالة السياسة قضائيًا لا يشمل الدول "الديمقراطية" فقط، بل يشمل وربما بطريقة أبرز الدول التي تسمى "ديكتاتورية". لنأخذ بلد الفكر في المنطقة، أي مصر ونعقد مقارنة بسيطة بين فترتين من تاريخها، الحقبة الملكية-البرلمانية واليوم في الحقبة الجمهورية.
في الفترة الملكية-البرلمانية تشكل فضاء ليبرالي صعد فيه مفكرون شجعان وفريدون من نوعهم وحظوا بمساحة واسعة من الحرية في مجتمع ريفي يعيش عملية تحديث، سياسيًا تشكل فضاء سياسي قوي يحكمه قوى ليبرالية في البرلمان وأخرى رجعية موزعة بين القصر وأحزابه، كان هناك أحزاب ليبرالية أقرب لمغازلة المزاج الرجعي للريف كحالة الوفد وأخرى أكثر مبدئية نظرًا لكونها أحزابًا مدينية كحالة حزب الأحرار الدستوريين، ولكن في كل الحالات كان المجتمع قادرًا على تسوية خلافاته بنفسه.
بنظرة على مفكري تلك الحقبة وأفكارهم التي تعد متقدمة على كثير من الشرشحة التي نعيشها اليوم، طه حسين ("الشعر الجاهلي") رغم توجيه تهم إليه ولكنه عمليًا لم يتعرض للمحاكمة، والشيخ علي عبد الرازق صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم" تم محاسبته في الأزهر وليس في محكمة رسمية، وكذلك إسماعيل أدهم صاحب المقال المشهور "لماذا أنا ملحد؟" لا نعلم أنه لوحق قضائيًا، ولكن في السنوات الأخيرة يتم محاكمة أشخاص وزجهم في السجن بتهمة "إزدراء الأديان" على أقل مما كتب في الفترة الملكية بكثير، كحالة إسلام البحيري الذي سُجن على محاولات "إصلاحية".
خطورة ظاهرة تحويل السياسية إلى قاعات المحاكم تكمن في تقييد الصراع السياسي والفكري وبالتالي تعطيل تطور القوى الحية في المجتمع.
قد يسأل القارئ، "هل المطلوب أن نعيش في مجتمع تفعل فيه السلطة ما تشاء بدون ضوابط وقيود قانونية"، الجواب هو كلا، للمحاكم دور مهم بالطبع ولكن الجديد أن السياسة صارت مسألة قضائية والقضاء يقوم بترتيب السياسة والفكر بدل القوى السياسية الفاعلة نفسها.
معرفتنا بما ستفعله الكتل الفاشية الصاعدة عالميًا يجعلنا نقبل بدور المحاكم في محاكمة السياسة حتى يتحول التوازن ويختل لصالح القوى اليسارية والتقدمية.
.jpeg)






.png)


.jpeg)



.png)

