"בעזה יש מלחמה. ובמלחמות נהרגים אנשים". هكذا قال بهدوء يفلق الصخر فيلسوفٌ صغير في إحدى القنوات التلفزيونيّة العبريّة! فلقني هذا الكلام فغضبت. وغضبي يسبق أدبي. علّة الأدب هي الغضب. ولا يفلّ الغضب إلا الأدب. فقلت أتأدّبُ إذًا وأكتبُ عمّا قاله هذا الفيلسوف في التلفزيون... أكتبُ بأدبٍ يليق به!
وكان لا بدّ أن أترجم قوله إلى العربيّة، لعلّ الترجمة تدفع عني بعض حيرتي وتسعفني في السعي إلى المعنى الدقيق الذي قصده ذاك الفيلسوف. لكنّ الترجمة تقتضي أولًا فهم المعنى في الأصل فاحترت وارتبكت. وارتبكت أكثر حين وجدتُني أمام ترجمتين محتملتين لا أعرف كيف أفاضل بينهما: (1) "في غزّةَ حربٌ. وفي الحروبِ يُقتلُ الناسُ". (2) "في غزّةَ حربٌ. وفي الحروبِ ينقتلُ الناسُ". والترجمتان مختلفتان بالضرورة. لكنْ في كلتيهما فاعلُ القتل، أقصد الفاعل الحقيقيّ، غير محدّد لا باسمه ولا بصفته ولا بجنسه. القاتل الحقيقيّ في الترجمتين حالة هباء أو خواء. في اللغة العربيّة ظاهرتان للتعبير عن غياب الفاعل "الحقيقيّ" أو تغييبه أو التباس هويّته أو إضماره أو ستره لعلّة أو لأخرى: الأولى يسمّونها "نائب" الفاعل والثانية الفاعل النحويّ. ظاهرتان تترادفان بالتشابه التفت إليهما النحو العربيّ القديم بشيء من العمق وشرحهما بمنطق الإسناد. وهو منطق قويّ الحجّة.
"نائب" الفاعل: "في غزّةَ حربٌ. وفي الحروبِ يُقتلُ الناسُ"
قبل أربعة عقود تقريبًا حضرت درسًا في النحو العربيّ قدّمته معلّمة مجتهدة في إحدى مدارس حيفا. كان الدرس عن "نائب" الفاعل. والمعلّمة قد جعلت النيابة، نيابة المفعول به عن الفاعل، مادّتها المنهجيّة لشرح ظاهرة المفعول الذي لم يُسمّ فاعله حين يُبنى الفعل لمجهول. وأتت بجملة التفّاحة المشهورة: "أكل الطالبُ التفّاحةَ". وحين بُني الفعل لمجهول وتبخّر الفاعل جاءت التفّاحةُ لكي تنوب عن آكلها فرُفعت بهذه النيابة. هكذا قالت بشيء من التوثّب والتوهّج والتحفّز.. عند منتصف الدرس بالضبط رفع الطالب الذي كان يجلس إلى يساري في آخر الصفّ إصبعه ليسأل: كيف تكون التفّاحة مرفوعة نائبًا لفاعل وهي مفعولٌ به، فهي هي التي قد أُكلِتْ بالفعل؟! ارتبكت المعلّمة وخفت صوتها وارتعبت قليلًا. لم تكن المعلّمة مهيّأة لهذا النوع من الأسئلة. وكأنّ الطالب بفطرته السليمة يسأل: كيف ينوب المفعول به، وهو المأكول، عن آكله؟! وبالقياس على هذا المنطق، كيف ينوب المقتول عن قاتله؟! كيف صار المقتول يقوم مقام قاتله إن هو غاب أو غُيّب؟! وإذا كان يقوم مقامه فهل يصير قاتلًا لنفسه، بصفة افتراضيّة، أو على الأقلّ مشاركًا صامتًا في فعل القتل؟! هل القاتل والمقتول سواء؟! لم يفهم الطالب معنى النيابة هنا مثلي بالضبط.
الفاعل النحويّ: "في غزّةَ حربٌ. وفي الحروبِ ينقتلُ الناسُ"
يفرّق النحاة العرب بين نوعين من الفاعليّة في اللغة: الفاعل اللغويّ الحقيقيّ، وله أسماء أخرى، والفاعل النحويّ اللفظيّ أو الافتراضيّ. ولو انتقلت تلك المعلّمة نفسها من مادّة "نائب" الفاعل إلى مادّة الفاعل النحويّ لسألها ذاك الطالب نفسه سؤالًا مشابهًا لسؤاله السابق: كيف يكون الزجاجُ فاعلًا في قولك "انكسرَ الزجاجُ" وهو المكسور أصلًا؟! ولو سمع الطالبُ الفطن ذاك الفيلسوفَ الصغير في الأستوديو يقول "في الحروب ينقتلُ الناسُ" لاستغرب واستهجن وغضب وقحص وصرخ من قِحف رأسه: كيف يصير المقتول فاعلًا رفعته فاعليّته؟! كيف يصير "انقتاله" علّة رفعته وحجّة رفعه؟!
والفاعل الحقيقيّ لا يمكن ستره
في الترجمتين محاولةٌ خبيثة فاشلة لستر الفاعل الحقيقيّ وحمايته. في لغة العرب يا فيلسوف يستدلّون على الأسباب بالنتائج. يستدلّون على الفاعل إمّا بالمفعول وإمّا بالفعل نفسه. وهكذا تعظم الحاجة إلى البحث عن الفاعل الحقيقيّ واستحضاره على قدر المبالغة في ستره، لأنّ اللغة لا تسمح لفعلٍ أن يُفلت من الفاعليّة. وإن حاول بعضهم إخفاءه قدّروه أو جعلوا مفعوله دليلًا عليه. وحين لا يكون في الجملة إلا الفاعل النحويّ جعلوه شاهدًا على فاعل حقيقيّ قد حقّق الفعل. هكذا تتحرّك اللغة. هذه هي سياسة اللغة ومنطقها البنيويّ. تتحدّث أنت بلغة السياسة وأنا أحدّثك بسياسة اللغة.
من سيبويه، وعلى امتداد خمسة قرون من الجهد في النحو العربيّ، لم يتحدّث أحد عن "نيابة" أو "إنابة" في حال المفعول الذي لم يُسمَّ فاعلُه حتى جاء ابن مالك في ألفيّته وجنى جنايته في هذه المسألة. وهذه حساباتنا نحن مع ابن مالك رحمه الله. لا شأن لك أنت بها. لكن اعلمْ أيّها الفيلسوف أنّ المفعول به لا ينوب عن فاعله ولا يرتفع بفضل هذه النيابة أو الإنابة بل يكتسب رفعة مكانته وحقّه في الرفع بفضل قدرته على أن يكون شاهدًا أو دليلًا على الفاعل الحقيقيّ. المفعول به يتحمّل مسؤوليّته النحويّة تجاه الفعل حين يُبنى لمجهول ويُسند إليه الفعل. وما هي هذه المسؤوليّة إن لم تكن الدلالة على فاعل قد تستّر في موضع ما أو سترته أنت؟ بهذه المسؤوليّة الجديدة يرتقي المفعول به ويرتفع! وبنفس القدر بالضبط، لا يكتسب الفاعل النحويّ رفعة مكانته وحقّه في الرفع إلا بفضل قدرته على أن يصير شاهدًا ودليلًا دامغًا على تحقيق الفعل الذي أُسند إليه.
لم يرتفع الناس لأنهم نابوا عن قاتلهم بل لأنهم صاروا بمفعوليّتهم قرينة نصّيّة تفضح الذي قتلهم. حين تحاول أنت أن تستر القاتل يأتي المقتول ليدلّ عليه ويأتي الفعل ليشهد عليه. لا شكّ في أنّ هناك قاتلًا قد جعل الناس في الحروب ينقتلون. لا يمكنك مهما حاولت أن تقلعها من لحية حكومتك لتضعها في لحية القتلى أنفسهم! أكبر دليل أو حجّة أو قرينة على قتل الناس في الحروب هم الناس المقتولون أنفسهم. والمقتول يقوم بثلاثة أدوار لا تنفصم ولا تنفصل ولا تستقلّ يدلّ الواحد منها على الآخر: الفعل والفاعليّة والمفعوليّة. إذا كان الطفل مقتولًا فهناك قتلٌ وهناك قاتلٌ بالضرورة. سياسات حكومتك الفاشيّة هي القاتل يا فيلسوف. أنت تعرف الفاعل الحقيقيّ. تعلمه علم اليقين وتعلمه عين اليقين وتعلمه حقّ اليقين. ورغم ذلك ما زلت تعرف وتحرف!! من يقتل الأطفال في غزّة هي حكومتك الفاشيّة. وتعرف أنّ من يقتل الأطفال في غزّة هي سياساتها السافلة، سياسات الغطرسة والاستعلاء العنصريّ البغيض والأنا الاستعماريّة المتورّمة. هي سياسات المحو والشطب. أنت تعرف أنّ الناس في الحروب يقتلهم قاتل. أنت تعلم أيّها الفيلسوف الصغير أنّ ستر القاتل وحمايته يعاقب عليها القانون المدنيّ الذي تؤمن به وتدين.
ما رأيك إذًا، بعد هذه المكاشفة، أن نصطلح أنت وأنا ونتوافق أنا وأنت على صياغة أخرى يعرفها العالمُ كلّه، يعرفها ويقرّها، وتعرفها أنت وحكومتك الفاشيّة: "حكومة إسرائيل أعلنت الحرب على غزّة والشعب الفلسطينيّ أينما حلّ وارتحل. وفي هذه الحرب قتلت الحكومة آلافًا مؤلّفة من نساء هذا الشعب ورجاله وأشياخه وأطفاله".. أظنّ أنّ هذه الصياغة تنصفك أنت... ما قولك؟!





.png)


.jpeg)



.png)

