كيف نترجم الصمود والبقاء، جوهر يوم الأرض، على واقع اليوم؟

A+
A-
الصورة: غلاف عدد جريدتنا "الإتحاد" بتاريخ , 29 آذار 1976 عشية يوم الأرض

الصورة: غلاف عدد جريدتنا "الإتحاد" بتاريخ , 29 آذار 1976 عشية يوم الأرض

هل جربتَ مرة، أن تدخل صفا مدرسيا، أي صف في أي مدرسة، وتسأل الطلاب عن بعض تفاصيل يوم الأرض؟ عن تاريخه وأسبابه وأحداثه؟ أنا جربتها. النتيجة كانت صادمة: الأغلب سمعوا باسم هذا اليوم دون معرفة أي من تفاصيله، حتى أن بعضا لا بأس به ظنه من أحداث عام النكبة، ومع ذلك فأكثر الكلمات ترديدا في سياق يوم الأرض كانت: الصمود والبقاء.

وهذا مع العلم بأنه قد كتب ورُوي الكثير عن أحداث هذا اليوم المفصلي العظيم: عن تأسيس لجنة الدفاع عن الأراضي، مخططات المصادرة عموما وفي أرض المل تحديدا، عن المواجهة غير المباشرة مع السلطة في بعض الأحيان والمباشرة في أحيان أخرى، عن اجتماع اللجنة القطرية للرؤساء في بلدية شفاعمرو وصرخة توفيق زياد "الشعب قرر الإضراب"، وعن مأثرة الناس الذين واجهوا بطش السلطة، بعدما حرضتهم، نظمتهم وأنزلتهم إلى الشارع قيادتهم الوطنية وفي مقدمتها قيادة الحزب الشيوعي وصحافته.

رغم أهمية التفاصيل الضائعة، لربما نجد ما يعزينا بالجوهر وهو الربط بين يوم الأرض وقيم البقاء والصمود، وهذا مهم إلا أن الأهم هو أن نحاول استخلاص العبر من حدث مر على وقوعه 49 عاما، وبين الظروف الراهنة، بعد عامين من حرب عدوانية وما لازمها من مجازر متصاعدة في القطاع والضفة وتصعيد فاشي ضد المواطنين العرب مع كل ما يرافقه من الانقلاب القضائي الذي بات يهدد مجرد بقائنا بالخطر.

عند أي مقارنة بين ما سبق يوم الأرض الأول وما نعيشه اليوم، لا بد من استحضار العبارة الدارجة بأن جماهيرنا العربية لم تتغلب في يوم الأرض على المخططات السلطوية لمصادرة الأرض فقط، إنما تمكنت من التمرد على عقلية الخوف والنكبة وفرض العزلة عليها، فكان هذا انجازا تاريخيا لأقلية خارجة للتو من قفص الحكم العسكري البغيض، الذي استضعفها وشرذمها.

حتى وهي في ذاك القفص اللعين، اهتمت جماهيرنا ولو سرا بتطوير لياقتها النضالية وترميم انتمائها واستعادة ملامحها فإذ بها في أول فرصة تفاجئ السلطات ولربما تفاجئ نفسها أيضا بما لديها من قدرات هائلة.

طبعا، لا بد أن الأجواء الفلسطينية، الإقليمية والدولية المشجعة لنضالات الشعوب وحركات التحرر الوطني حينها كانت محفزًا لهذا كله، فماذا عن اليوم؟

قد يعتقد بعض "المتفائلين" بأن جماهيرنا الفلسطينية في البلاد، في طريقها مرة أخرى إلى قفص الحكم العسكري الذي ستجعل المؤسسة هذه المرة جهازه أكثر ذكاء ودهاء ووحشية ويتطلب بالتالي مواجهة أكثر حنكة ودقة ومثابرة، بينما قد ينظر بعض المتشائمين إلى الأجواء الدولية المحبطة وتصاعد الفاشية في رقع واسعة من العالم، فيشير إلى احتمالية التهجير القسري أو الطوعي، علما أن هذه المسالة كانت قد حسمت ما جعل جماهيرنا تتعامل مع البقاء على أنه أمر واقع بينما التحدي الأساسي في تلك السنوات كان "الدفاع عن البقية الباقية من أرضنا".

في هذه الظروف القاسية، حاولنا خلال العامين الأخيرين رفع الصوت ضد المجزرة في غزة والضفة والملاحقة هنا، فكانت نجاحاتنا ضئيلة ونسبية بالمقارنة مع الهجمة القمعية الممنهجة علينا.

قدرتنا المحدودة على المواجهة، (بفعل عوامل كثيرة تتاولت بعضها سابقا ولن أتمكن من الخوض فيها الآن) لا يجب أن تحبطنا، بل يجب أن تستفزنا لمحاولة الاستفادة من تجربة يوم الأرض وعدم الاكتفاء بتكرير المقولة الصحيحة بأن: "الكف أثبتت قدرتها على مواجهة المخرز"، انما بطرح السؤال: ما الذي جعلها قادرة على ذلك وهل ما زالت كفنا نفس الكف ومخرزهم  هو نفس المخرز ؟

هذه الأسئلة وغيرها تحتاج إلى إجابات عميقة عليها لكننا لا نملك ترف انتظارها، خاصة ونحن في خضم حدث تاريخي متدحرج لا نبصر نهايته، ومع ذلك أعتقد أن ثمة عبرتين مركزيتين من الصحي دوما أن نأخذهما بعين الاعتبار:

الأولى: تطوير القدرة على تحديد الهدف المركزي لجماهيرنا العربية والقوى التقدمية اليهودية، وذلك من خلال النظر الى المخططات السلطوية وما تهدف اليه. فإذا كانت السلطات في حينه استهدفت بمخططاتها المختلفة الأرض فإنها اليوم تستهدف البقاء بكل معنى الكلمة، فإذن، إن كان من الصحيح حينها الدعوة الى اقامة لجنة شعبية للدفاع عن الأرض فمن الصحيح اليوم أن ندرس، مع شركائنا، توسيع وتطوير فكرة الشراكة ضد الحرب والدعوة الى لجنة واسعة للدفاع عن بقائنا.
والثاني، التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، فالقرار بالإضراب  يوم الأرض كان قد اتخذ، وفقا للمصادر التي اطلعت عليها، منذ شتاء 1975 وأخذ المنظمون على أنفسهم مهمة التحضير له على مدار اربعة أشهر تخللها تنظيم الاجتماعات والتحضيرات وتوزيع المنشورات وتشجيع الناس على مواجهة السلطة والعمل على كسر هيبتها ولعل هذه هي فعلا كلمة السر: أن نكسر هيبة السلطة.

بناء على المذكور أعلاه قد يكون مطلب الساعة هو الإعلان عن اوسع شراكة نضالية ممكنة بين القوى الفاعلة في المجتمع العربي والقوى التقدمية اليهودية للدفاع عن البقاء والتطور في وطننا الذي لا وطن لنا سواه، وأن تتسم خطواتنا بالاستراتيجية النضالية بعيدة المدى وعدم الاكتفاء باتخاذ القرارات انما بوضع خطط لإنجاحها من خلال إشراك الجمهور الواسع بها انطلاقا من طرح الفكرة وتداولها وصولا الى تنفيذها والوقوف من ورائها.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية