غزّة، جرحٌ مفتوحٌ في قلبِ اللّغةِ، وصرخةٌ تتلوّى بين الضّمائر الغافلة. غزّة نبضُ دمٍ يقاتل تحت الحصار، وصوتُ طفلٍ يحلّق في سماءٍ مخنوقةٍ بالدّخان، يعلِّق سؤاله على الغيم: أمَا في العلوّ متّسعٌ لكرامةٍ؟
هي جرحٌ نازفٌ في أرضٍ ضاقَت بأحزانها، يُصارع فيها الجوعُ طفولةً نحيلةً لم تجد ما تسدّ به رمق الذّاكرة، ويقف الخبزُ على الحاجز يُفتَّش كما يُفتَّش الجسدُ، وتُصادَر منه الحياة. لكنّ غزّة، وإن أضناها الجوعُ، لم تُخفض جبهتها. تأكل من ترابها وتشربُ من دمعِها، وتبني بالصّبر أسوارَ الكرامةِ. فهي لا تموتُ جوعًا، بل تُحاصِرُ الحياةَ كي لا تجوعُ الكرامة.
غزّةُ مدينةٌ تُعرِّفُ نفسَها بوجعِها، وتكتبُ تاريخَها من نبضِ أطفالها لا من خرائط الجغرافيا. هناك، لا تكبرُ الطفولةُ، بل تُصلب؛ تُعلَّق على جدران الفناء، وتُقطَّع أوصالها على أعتابِ الصّمت العربي، وتُدفن قبل أن تنطقَ عينَاها. كلّ أمّ فيها معلّقة بين النّحيبِ والنّجاةِ، بين غيابِ الرّغيفِ وصوتِ الطائراتِ.
في غزّة، لا يُحمل الجسدُ على نعْشٍ، بل يمضي وحدَه، هيكلًا من عظامٍ تشي بخيانةِ الأرضِ والسّماء. تصير الأضلاعُ خارطةً للجوع، والعَينُ حفرةً من ذهول، والطّفلُ رقمًا يُشطب من سِجِّل الحياة. أجسادٌ نحيلةٌ كعروق الأرض في الجفاف، وعيونٌ واسعةٌ كأبواب السّماء... لكنَّ السّماءَ مغلقةٌ، والأبواب موصدةٌ في وجه الملائكةِ.
الحصارُ ليس سياجًا مِن حديدٍ، بل هو عنقٌ يُشَدُّ كلَّ صباحٍ بحبلٍ من صمت العالَم. والجوع ليس خَواء المعدة، بل رسالة يوميّة تخطّها منظومةٌ فاشيّةٌ توقِّعُ يومَها بدم الأطفال، وتصنعُ من كلّ مهدٍ مقبرةً صالحةً للتمدُّد؛ تُصغِّر الجغرافيا لتُكبّر قبضتَها، وتُضخّم الخوفَ لتُقزّم الحقيقة، حتى يصير الهواءُ نفسُه خاضعًا لتفتيشٍ عقائديّ. وهي لا تزرعُ الأرضَ بل تحشوها بالعِظام وتبني بيتها فوق جماجم الطفولة.
الخبز، في غزّة، ليس طعامًا، بل هو وعدٌ مؤجّل، يتأخَّر عن موائد الأطفال كما تتأخّرُ العدالة في قاعات العالَم. هناك، يأكل الصِّغارُ ما تبقّى من هواءٍ، يشربون الغيابَ، ويتعلّمون الأبجدية من حروف الدّمع والرّماد. ومع ذلك، لا تئنّ غزّة لتشكو، بل لتذكِّر بأنَّ الخبزَ بلا كرامة لا يُؤكل، وبأنَّ الطفولةَ حين تُشنقُ في فم الحصار لا تلعنُ الجلّاد وحدَه، بل كلَّ مَن رآها ولم ينهض.
والعالَم؟! يغسلُ يديه بماء الكلام، ويُدير ظهرَه لجثّةٍ تقول بنظرةٍ واحدةٍ أكثرَ ممّا قالته الخطابات. أيّها الصّامتون، اغسلوا أيديكم من دم اللّغةِ، فإنَّ سكوتكم جريمةٌ بحجم الموت، وكلّ نظرةٍ تتجاوز طفلاً ميّتًا في غزّة إنّما هي طعنةٌ في خاصرة الإنسان.
غزّة لا تحتضِرُ وحدَها، بل تُعرّي الزّمنَ كلَّه. تضعُ موتَها الصّغير في حضن العواصم وتعلّق وجعها على جدران المؤتمرات، وتسأل: أما مِن نبيٍّ لهذا العصر يشتهي العدل؟! أما مِن ضميرٍ يشتهي اليقظة؟!
التجويع في غزّة ليس موتًا، بل هو احتضارٌ طويلٌ على مائدة الضّمير العالميّ الفارغة. هي لا تطلبُ الخبز فحسب، بل تطلب أن تَفي اللغةُ بمعناها، وأن يعودَ الإنسانُ إنسانًا، لا منصبًا ولا منصّة. غزّة تُحرجُ الموتَ حين تنهضُ من تحت الرّكام، تحمل في يدها قصيدةً وفي الأخرى حجرًا.
غزّة لا تموت، بل تُعيد تعريفَ الموتِ، وتكتبُ بالدّم نشيدَ الحياة على مسامع عالمٍ أصمَّ.
حيفا
.png)






.png)


.jpeg)



.png)

