بدأت الأحزاب والحركات المشاركة في انتخابات الكنيست استعداداتها، وأجرت لقاءات ثنائية وجماعية وشرعت في مفاوضاتها لتشكيل قائمة مشتركة. كل تلك اللقاءات تمثل مبادرات نضوج واهتمام بالوحدة عند جميع الأطراف، هكذا نبدأ دون تقديم تصنيفات وتدريجات. وفي المقابل، وكي يكون النقاش شاملا لكل الجمهور الفلسطيني في مناطق 48/49 فإن من الضروري الإشارة الى أن هناك مجموعات حزبية وحركية تقف في معارضة المشاركة في الانتخابات، وتتجاهل أهمية النضال البرلماني. وذلك بالرغم من أن هذه المجموعات، مرتبطة بواقعها وواقع جماهيرها بمحصلة ما يجري في الانتخابات وبمحصلة ما يتشكل من تحالفات داخل الكنيست، برلمان النظام الاسرائيلي وصاحب الحكم والتأثير على جميع المواطنين.
وتحديد أهمية الانتخابات ونتائجها ليس رأيا خاصا بي او بالمشاركين في الانتخابات. فها هي المجموعات الأخرى التي تشطب اهمية الانتخابات وتتجاهل دور الكنيست في حكم جميع المواطنين بكل درجاتهم، تعلن صباح مساء وتمارس يوميا، ما يؤكد صراحة وعمليا انها مجموعة قابلة بالكنيست والقوانين التي يشرعها الكنيست وتتأثر بسياسات الحكومة التي يصادق عليها الكنيست.
ولكي نتقدم نحو الحقيقة فان علينا ان ننزع الغطاء الخطابي الأيديولوجي عن ما يسمى "مقاطعة" وهي عمليا مجرد امتناع عن التصويت. لذلك يكون من المفيد الاشارة الى ان احد قوانين الكنيست هو قانون حرية التصويت بالمشاركة أو التعبير بالامتناع عن التصويت، وحرية النشاط في تعميم هذا الامتناع. فما يسمى "المقاطعة" هو فعليا امتناع عن التصويت مكفول كحق قانوني اسرائيلي، وليس تخطيا لا للقانون ولا للنظام الاسرائيلي.
هذا النهج في النظر لموضوع الانتخابات، هو نهج مثابر عندي، منذ نشاطي في تأسيس وقيادة حركة أبناء البلد، وخصوصًا في مفصل مهم في تاريخ الحركة، حيث قدمت قرب سنة 1980 أول دراسة وبحث في موضوع الانتخابات عند الفلسطينيين في مناطق 48/49 في ظروف وجود وتصاعد الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية والتماثل مع سياستها التحررية الاستقلالية. ولأجل نشر الدراسة قريبا، اتمنى من اي شخص يملك نسخة من الدراسة بان يتكرم ويوافيني بنسخة تساعد في تدقيق النص وتعجيل النشر.
أعود الى مركز الثقل السياسي وهو ميدان غالبية الفلسطينيين تحت المواطنة الاسرائيلية، والاحزاب والحركات السياسية، بكونها الاغلبية السياسية الميدانية المشاركة في انتخابات الكنيست.
وكما ذكرت أولا فإني أجد ان هناك تجديدا وتغييرا عند الأحزاب والحركات المشاركة في الانتخابات يتمثل بسعيها إلى تشكيل قائمة مشتركة، وإنهاء حالة التوجه بقوائم أحادية أو ثنائية للانتخابات، مما يمثل بذاته قوة جماهيرية لصالح التحرر والحقوق، ومما يساهم في تقليص نفوذ أحزاب الحكم الاسرائيلية في وسط الجمهور الفلسطيني.
بالمقابل فاني لا أرى أن قوى الامتناع عن التصويت (المقاطعة) تحاول أو تسعى لتقديم اي مراجعة تناقش فيها سياساتها السابقة او علاقاتها بالاحزاب الاخرى والحركات الأخرى وجمهور الاغلبية، مع العلم انها تجتمع مع الاحزاب والحركات في إطار لجنة المتابعة العليا، واللجان الشعبية القائمة في اغلب المدن والقرى.
البارز في نشاط كل تلك الحركات والأحزاب والقوى، وبغض النظر عن موقفها من الانتخابات انها تبدأ نشاطها بدون تقديم دراسات وبدون إجراء حوارات يتم من خلالها السعي لتحديد معالم الوضع السياسي الرسمي في اسرائيل، وفلسطين، وبدون دراسة الوضع الشعبي عن الفلسطينيين تحت المواطنة الاسرائيلية (48/49) وبدون دراسة الوضع الشعبي الفلسطيني والوضع الشعبي الإسرائيلي.
فهل بدايات تشكيل القائمة المشتركة والبحث في برامجها وسياستها العملية قبل وبعد الانتخابات، وهل النفير المبكر وإعلان مواقف عدم التصويت (المقاطعة)، أي الابتداء بتقديم الحلول وتقديم العلاج وتصنيف طريق تنفيذه، هي الطريق العلمي والسياسي الصحيح؟ وهل السير في هذا الطريق واعتبار الوضع السياسي الرسمي والشعبي عند الفلسطينيين والاسرائيليين وكأنه امر مفروغ منه، او أمر يتفق عليه الجميع، هو الطريق الصحيح لبناء سياسة انتخابية؟
برأيي ان القفز عن النظر في الوضع الفلسطيني والإسرائيلي الشامل، يمثل الأرضية الخفية التي يقوم عليها تشتت الآراء وتسارع ظهور التضاربات بين القوى المختلفة. وإذا كانت هناك فرضية تقول بأن الجميع متفق على تشخيص الوضع السياسي والاقتصادي والثقافي والعسكري في الساحتين الاسرائيلية والفلسطينية، فلماذا لا يتم تقديم بيان أو بيانات تفصيلية بهذه التشخيصات؟
قد يكون لبعض السياسيين والحركات حكمة فائقة في تقديم الدواء قبل تحديد التشخيص، وقد يكون للبعض قرار حاسم بأن قراراته حول تشخيص الأوضاع هو الصحيح الوحيد، ولكن لماذا لا يتقدم اي حزب او حركة او قوة او اي قيادي وينشر رؤيته وتشخيصه للوضع السياسي العام، اي تقديم الأساس التحليلي الوثائقي الواقعي الذي تقوم عليه السياسة الانتخابية؟
سأطرح مثالين لإظهار أهمية وضرورة عرض القاعدة المعلوماتية والتحليلية التي يحتاج إليها المتحاورون واصحاب القرارات والتي يحتاجها الجمهور لكي يمارس دوره بمزيد الإلمام والوعي بمركبات النظام والوضع السياسي القائم. سأعتمد على معلومات هامة معروفة للجميع تستحق ان تكون حاضرة كأسس مهمة في التشخيص.
أولا، ماذا يعني طرح النقاش بين الأحزاب والحركات المشاركة في الانتخابات، والممتنعة أيضا، عن ضرورة إعلان موقف كل حزب ومجموعة بخصوص المشاركة في الحكومة الاسرائيلية التي ستتشكل بعد الانتخابات؟ او المطالبة بتحديد موقف بخصوص التوصية على احد من الأحزاب الإسرائيلية الكبرى لكي تحظى بتكليف من رئيس دولة اسرائيل يمنحها الأولوية في تشكيل الحكومة؟
ففي هذا الخصوص، كيف يمكن مناقشة الموضوع إذا تم تجاهل وعدم دراسة وتحليل، اعلانات رؤساء الأحزاب الإسرائيلية الكبرى القائمة والمحتملة القيام بانها تسعى الى اقامة إئتلاف صهيوني بدون اصوات العرب؟ وأنا اسمي هذه الأحزاب كبيرة وصغيرة (أحزاب الحكم).والمعلن على الملأ انها مع موقف مقاطعة (القوائم العربية) هو موقف ليس فقط لأحزاب الحكومة، وانما ايضا هو موقف أهم (أحزاب الحكم) المعارضة ومنها لبيد وليبرمان وبينيت بكل تأكيد، وهم رؤساء أكبر الاحزاب في الانتخابات القادمة طبقا للاستطلاعات. وماذا عن يئير جولان، ايزنكوت، جانتس؟ هل هم الآن وهل سيكون لهم مستقبلا نفس الموقف؟
وماذا عن دراسة التفاوت والتوافق في دعم رؤساء أكبر الأحزاب الإسرائيلية التي ستشكل الحكومة في تأييد التدمير العسكري والسياسي والإنساني الذي تمارسه الحكومة الاسرائيلية في قطاع غزة، وجيش المستوطنين وبلدية يروشلايم في الضفة الغربية والقدس؟ وماذا عن دراسة موقف أحزاب الحكم من مسألة تدمير السلطة الفلسطينية ومنع استقلال الشعب الفلسطيني في دولة سيادية؟ هل هذه أمور مفروغ منها، وهل يوجد حولها نظرة وحدوية متفق عليها بين الأحزاب والحركات، وعند جمهور المواطنين؟ لماذا لا نرى مثلا تصريحات من المؤيدين لدخول الحكومة يهاجمون فيها قرار "الائتلاف الصهيوني بدون عرب"، لماذا يطلب البعض ان يكون لديه ترخيص مُسبق بدخول الحكومة، ما دامت القوى الكبرى نفسها التي ستشكل الحكومة القادمة، ترفض مشاركة أي "قائمة عربية"، بما فيها القائمة وأعضاء الكنيست العرب من حزب ميرتس الذين شاركوا في حكومة بينيت - لبيد؟ اعتقد ان هذا المثال يبرهن مدى حيوية وضرورة تشخيص الواقع السياسي عبر حوارات جدية والتوصل الى تلخيصات مشترك ستوفر الكثير على قسم العلاجات وتمنع تبديد القوى في نقاشات حول التمنيات السياسية كما يراها القياديون في الأحزاب والحركات؟
ثانيا، هنا اقدم السؤال الاطراف التي تتبنى إهمال التصويت وتدعو للامتناع عن التصويت. وهو عمليا سؤال كبير يخص جميع المواضيع ويقول: كيف سيكون عدم التصويت مساهما ايجابيا في صناعة سياسة وقوانين اسرائيلية تلبي مطالب الفلسطينيين الأساسية؟ ويمكن طرح السؤال كالتالي ايضا: كيف يمكن أن يكون عدم التصويت معيقا ومانعا ضد تشريع قوانين عنصرية وقوانين تمييز وقمع وعدوان على الفلسطينيين وعلى الاسرائيليين ايضا؟
ومن المواضيع السياسية التي ستحسم فيها الكنيست القادمة وتقرّ فيها قوانين مسائل مثل تغيير قانون الخدمة العسكرية القائم، وتشريع قانون الخدمة العسكرية والمدنية الحكومية على جميع المواطنين الإسرائيليين (يهود وعرب) مهما كانت انتماءاتهم وطوائفهم الدينية.
والموضوع الآخر الذي يلاقي شبه إجماع بين أحزاب الحكم في الحكومة والمعارضة هو التحضيرات لتشريع قانون يفرض قيودا مشددة على برامج القوائم الانتخابية بهدف منع اي تأييد ودعم للشرعية الفلسطينية رموزا وسياسة وفكرا.
فكيف سيكون الامتناع عن التصويت وما سينتج عنه من خفض عدد النواب (العرب واليهود) في القائمة المشتركة، وأيضا خفض قوة معسكر الاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقوقه مساهما في دفع خطر التجنيد العسكري وفي منع تحويل قانون الخدمة المدنية الى خدمة ولاء سياسي صهيونية أو في وقف الاستيطان وجرائم الاستيطان في مناطق دولة فلسطين؟ هل سيكون عدم التصويت طريقا عمليا لوقف النزعات والتشكيلات والسياسة العنصرية الفاشية؟
أصلا، كيف يمكن وقف الحرب التي تشنها الحكومة القائمة والتي تواصل القتل والتدمير والتجويع والاستيطان والعنف والحرق وقطع الأرزاق؟ وكيف يمكن وقف كل قوانين التحكم والسيطرة وكبت الحريات وإلغاء قانون كرامة الإنسان وفرض تبعية المحاكم للسياسيين؟
إن دراسة وتحليل هذه المواضيع، والنظر في تنظيم قوى جماهيرية لمواجهتها يجب ان تكون مقدمات وتلخيصات يقوم عليها النقاش في السياسات الانتخابية عموما، وفي النقاشات حول تركيب القائمة المشتركة وفي النقاشات حول رسم مسار تحركها خلال عمل نوابها في الكنيست. فقط بوضوح الرؤية في هذه المواضيع يمكن التقدم بخطى ثابتة نحو تجنيد حشود انتخابية فائقة، من خلال قائمة مشتركة.
ومادام النجاح الانتخابي يتطلب مشاركة واسعة من المواطنين في دعم القائمة المشتركة وأي قائمة، فإنه يبدو واقعيا وممكنا أن تتم الكثير من الحوارات والمحاضرات والاجتماعات الشعبية حول التشخيص، أي حول نقاط الاستراتيجية المشتركة في فه الواقع بمشاركة جماهيرية مباشرة وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.من خلال تحويل النقاشات الى حوارات علنية ونشرها في كل قرية ومدينة.وبكل تأكيد فإنه من الممكن ومن المفيد والمضيء ان يتم استدعاء خبراء مختصين في كافة المجالات للمشاركة في الحوارات إضافة لمشاركة القيادات السياسية. اعرف ان كل الاطراف قدمت من خلال مثقفيها وقياداتها مقالات وتصريحات هامة للجمهور، ولكن كل ذلك لا يشكل اساسا مشتركا، بل يشكل عمليا بيانات في التناقض والاختلاف والتنافر، كما أن المقالات والبيانات المذكورة لا تشكل حالة مشاركة جماهيرية في الحوارات. ولماذا لا نعتبر الحوارات والمحاضرات والاجتماعات الشعبية عاملا ضروريا لتنشيط للحركة الانتخابية ومساهمة المواطن والمواطنة في دفع السياسات التدميرية القائمة والقادمة. فكيف سندفع نزعات اليأس واللامبالاة التي يسببها وقع الحرب التدميرية الإسرائيلية على السلوك الاجتماعي فالانتخابي!
أم الفحم/نيويورك







.png)


.jpeg)



.png)

