كلمة الكاتب في اشهار كتاب "كفر قاسم المنكوبة" للمناضل الراحل عمر عصفور عامر
في المدارس الإسرائيلية لا يتم تدريس الطلاب عن حرب عام 1956، لكن تلك الحرب تمثّل نقطة تحوّل تاريخية حاسمة — ليس فقط لأن النصر العسكري الإسرائيلي انتهى بفشل سياسي حين أجبرت كلٌّ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إسرائيل على الانسحاب من سيناء، بل لأنها شكّلت لحظة تأسيسية حددت موقع إسرائيل ودورها في الشرق الأوسط.
منذ تلك الحرب، تبلور الدور الإسرائيلي بوصفها "شرطيّ الشرق الأوسط"، الذي يُستخدم لتهديد كل محاولة من شعوب المنطقة للتحرّر من الهيمنة الامبريالية — وهو الدور الذي تواصل إسرائيل القيام به حتى اليوم.
لكن لهذه الحرب بُعدًا آخر محليًا جعل منها أيضًا حدثًا مفصليًا في التاريخ الداخلي للدولة. فـمجزرة كفر قاسم التي ارتُكبت تحت غطاء الحرب لم تكن الوحيدة؛ إذ نفذت وحدة أخرى من حرس الحدود مجزرة في غزة المحتلّة، وفي ظلّ "دخان المعركة" قام إسحاق رابين، قائد الجبهة الشمالية آنذاك، بطرد سكان قريتي كُرد البقّارة وكُرد الغنّامة من المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا. هذا هو ما يحدث عادة تحت ستار الحرب وضجيجها.
الأهم من ذلك أن تلك الحرب، وخاصة مجزرة كفر قاسم، وضعت نهاية للوهم الذي ساد في أوساط النخبة الصهيونية بأن بالإمكان، في ظل حرب جديدة، طرد الفلسطينيين الذين بقوا في أراضيهم بعد عام 1948. لم تكن تلك مجرد "خطة خفيّة" للتهجير، بل ركيزة فكرية للمؤسسة الصهيونية. ومن هنا بدأ النظام الإسرائيلي في التشكل على نحو جديد: فبدلًا من انتظار "اختفاء الفلسطينيين" — كما لا يزال سموتريتش وأمثاله يأملون حتى اليوم — شرع النظام في تثبيت أنماط السيطرة والتمييز التي نعرفها حتى الآن.
هذه الأنماط، على قبحها، تمثل ردّ المؤسسة على فشلها في استكمال مشروع عام 1948. وهنا تكمن الأهمية التاريخية لمجزرة كفر قاسم عام 1956: لقد أثبتت للمؤسسة الحاكمة أن الفلسطينيين الذين نجوا من النكبة لن يرحلوا. إن إفشال مخططات الطرد كان إنجازًا تاريخيًا كبيرًا.
بطبيعة الحال، تواصل الدولة إنكار كل ذلك، وتظل الكثير من الوثائق الأرشيفية مغلقة أمام الجمهور. الصعوبة تكمن في إثبات نية السلطات الأصلية بالتهجير من جهة، وفي إثبات العلاقة السببية من جهة أخرى — أي أن المقاومة الشعبية الفلسطينية للمجزرة، وتمسكها بالوطن، هي التي غيّرت السياسة الإسرائيلية.
وللتدليل على ذلك، يعرض الكاتب وثيقتين من الأرشيف العسكري:
الوثيقة الأولى، مؤرخة عام 1951، تحدد مهام "الحكم العسكري". يوضح واضعوها أن الحكم العسكري ليس نظامًا مؤقتًا كما في زمن الحرب، بل أداة سلطوية بعيدة المدى، ومن بين وظائفه "تشجيع وتمكين أجزاء من السكان من الانتقال إلى الدول المجاورة". أي أن اللغة المستخدمة هنا هي ذاتها لغة نتنياهو وترامب لاحقًا — فهي تتحدث عن التهجير ولكنها تغلفه بعبارة "تشجيع الهجرة"، والمضمون واحد.
الوثيقة الثانية توثّق اجتماعًا في يونيو/حزيران 1957، بعد نصف عام من الحرب، بين الحكّام العسكريين لمناقشة الوضع الجديد. قال فيه العقيد ميشال شاحام، الذي عُيّن عام 1955 حاكمًا عسكريًا عامًا، بوضوح: "في ضوء التطورات الأخيرة، وخصوصًا منذ عملية قادش (حرب سيناء)، أصبح الوجود العربي في البلاد ثابتًا."
وأضاف شاحام أن العرب مواطني إسرائيل تجاوزوا أزمة 1948، وأنهم يأملون في التغيير، وبالتالي على الدولة أن تغيّر مسارها وتتعامل مع الواقع الجديد.
أربعة نضالات
أعقبت مجزرة كفر قاسم أربعة نضالات رئيسية على الأقل.
الأول – الذي حظي بتغطية واسعة – كان النضال من أجل كشف حقيقة المجزرة نفسها، إذ سعت السلطات في البداية إلى إخفاء ما حدث والتقليل من شأنه.
أما النضال الثاني، الذي يسهل نسيانه اليوم، فكان المطالبة بمحاكمة القتلة. أرادت السلطات الاكتفاء بلجنة تحقيق داخلية أو إجراء تأديبي عسكري مغلق داخل الجيش، لكن الضغط الشعبي والسياسي حال دون ذلك.
أما النضال الثالث فكان ضروريًا بدوره: النضال من أجل أن تكون المحاكمة علنية. لدينا اليوم عشرات المناشير والعَرائض الفلسطينية التي طالبت السلطات بإجراء محاكمة علنية وشفافة، أُرسلت من مختلف أنحاء البلاد. كما صدرت عرائض من نشطاء يساريين، ولا سيّما من الناشطين الشيوعيين اليهود في والمخيمات الانتقالية (المعبروت). ورغم أن معظم جلسات المحاكمة كانت علنية، فإن الأجزاء التي ناقشت خطط الجيش تجاه الفلسطينيين ومسألة الأوامر العليا جرت خلف أبواب مغلقة.
أما النضال الرابع، الذي نلتقي اليوم من أجله، فكان النضال من أجل ذاكرة المجزرة.
هذا النضال امتدّ في أنحاء البلاد كافة — في المثلث، في الناصرة، وفي حيفا — حيث اعتُقل نشطاء شيوعيون لأنهم دافعوا عن حق الشعب الفلسطيني في إحياء ذكرى المجزرة التي ارتُكبت في كفر قاسم. لكن عمر عامر عَصفور ورفاقه خاضوا المعركة في القرية الجريحة نفسها، دفاعًا عن الذاكرة الحيّة في مواجهة النسيان المفروض.
ولم يكن نضالهم، كما قد يُظن، صراعًا بين الذاكرة والنسيان؛ فاستحالة النسيان في كفر قاسم كانت واقعًا — لا يمكن لأحد أن ينسى وحشية جنود حرس الحدود، ولا الضحايا والجرحى الذين ملأوا الشوارع. إنما كان التحدي الحقيقي تحويل الذاكرة الجريحة، المشلولة، إلى موقف سياسي؛ تحويل الألم إلى رسالة.
لذلك لم يكن نضال النشطاء نضالًا حول التذكّر بحد ذاته، بل حول معنى التذكّر.
ومن المهم ألا ننسى أنه في أكتوبر/تشرين الأول 1957 أقيم في كفر قاسم حفل رسمي لإحياء الذكرى نظّمته الدائرة العربية في الهستدروت، وقاده رئيس بلدية بتاح تكفا، وشارك فيه فارس حمدان ورؤساء مجالس الطيبة، الطيرة، قلنسوة، وجلجولية.
في ذلك الحفل الرسمي، أُثني على حكومة إسرائيل على "تدخّلها"، وكأنها كانت صاحبة فضل.
في مواجهة هذا التزييف، أصرّ النشطاء على تسمية الأشياء بأسمائها: ما فعله جنود حرس الحدود في 29 أكتوبر 1956 لم يكن "حادثًا" كما قالت لغة السلطة، بل مجزرة بكل معنى الكلمة. رفضوا "الصلح" الذي فرضته السلطات على القرية، وشككوا في سلطة الوجهاء الذين توسطوا باسم الدولة، وسخروا من "ذيول" الحكم الذين حثّوهم على الصمت ووشوا بهم لدى المخابرات.
كما أصرّوا على عدم الاكتفاء بمراسم دينية لإحياء ذكرى الشهداء، بل على تنظيم فعالية شعبية عامة تسمح لأبناء القرية جميعًا بتخليد ما جرى لبناتها وأبنائها. وهكذا تحوّل يوم المجزرة إلى يوم للحِداد والمقاومة.
هكذا يصنع الناس التاريخ — ليس في الكتب ولا في الهوامش، بل في أفعالهم الحيّة ومواقفهم. وأحيانًا، كما يذكّرنا التاريخ، يدفعون ثمنًا باهظًا لذلك.
الأرشيف والنضال
عمر عصفور لم يصنع التاريخ مع رفاقه فحسب، بل ترك لنا أيضًا كتابًا يحتوي على أجزاء مهمة من تاريخ هذا النضال. ما يوجد في هذا الكتاب لا يمكن العثور عليه في الأرشيفات الرسمية.
مثل هذا التوثيق الثمين مفقود لدينا من عدد لا يُحصى من النضالات الاجتماعية التي شكّلت هذا المكان. وكثيرًا ما لا ينتبه النشطاء أنفسهم إلى أهمية هذا التوثيق.
الأمر لا يتعلق فقط بما كانت عليه الشعارات أو المطالب السياسية. فكل ناشط وناشطة يعرفان أن العمل الاجتماعي يتطلب أكثر من ذلك بكثير، ويثير عددًا لا يحصى من الأسئلة الصعبة:
كيف نظّم الناس أنفسهم، وهم تحت القمع وبعد مجزرة، لإحياء ذكرى المجزرة عامًا بعد عام؟
كيف تغلّبوا على الوشايات والاعتقالات؟
ما الثمن الذي دفعوه؟ وكيف تغيّرت الأمور؟
هذه ليست تفاصيل صغيرة.
في ختام كلمتي أودّ أن أشارككم بعض الوثائق.
إحداها مأخوذة من شهادة عمر نفسه، التي سمعناها منه في أمسية لا تُنسى نظّمناها – نحن أعضاء حركة ترابط التي لم تعد موجودة اليوم – في كفر قاسم عام 2009 مع قدامى النضال:
"في عام 1960 بدأنا نستعد بشكل منظّم: حضّرنا شريطًا أسود لنعلّقه في الصباح الباكر عند مدخل القرية لنطلب من العمال ألّا يخرجوا للعمل في هذا اليوم، وجهّزنا أغطية نرسم عليها الشعارات، وبراميل نلصق عليها اللافتات. لم يكن لدينا سيارة؛ الرجل الذي وعد بتأجيرها لنا تراجع في اللحظة الأخيرة نتيجة ضغوط من قوى الأمن. فقمنا بوضع مكبّر الصوت على عربة أطفال وسرنا. كنا فقراء جدًا، إلى حد أننا لكي نحيي ذكرى القتلى، قطفنا الزهور من حديقة المدرسة."
في عام 1967 اعتُقل عمر اعتقالًا وقائيًا. واصلت الدولة حربها ضد النشطاء وضد ذكرى المجزرة. وهذه شهادته:
في 16 تشرين الأول/أكتوبر 1967، أسبوعين قبل يوم الذكرى، اعتقلوني.
قال لي المحقق إنني أحرّض. فسألته: 'على ماذا أحرّض؟'
-نظّمت تظاهرة حول المجزرة. المظاهرة' – قال المحقق – 'تحتاج إلى ترخيص.'
-قلت له: 'لم أكن أعلم. وكيف يمكن الحصول على ترخيص؟'
-'لن تحصلوا على ترخيص'، قال المحقق.
-فقلت له: 'إذن سنقوم بمسيرة أكبر من تلك التي كانت عام 1966.'
انتهى التحقيق. قال لي: 'انصرف!' لم أكن أعرف إلى أين. خرجت من شرطة بتاح تكفا وسرت باتجاه المعتقل.
بعد عدة أيام استدعوني للتحقيق، ولم أذهب. كنت ناشطًا سياسيًا، أقرأ الصحف وأعرف الحقوق: إذا استدعوك، لا تذهب ما لم يكن هناك أمر رسمي.
في 27 تشرين الأول/أكتوبر جاؤوا إلى بيتي في الليل واقتحموه. حطّموا الباب وأعطوني أمر نفي إلى حيفا لمدة أسبوع.
أخذت الأمر وذهبت إلى شرطة بتاح تكفا. كان هناك ضابط اسمه روزن. سألني: ‘هل أحضرت المعدات؟’ فسألته: ‘ما هي المعدات؟ لديّ أوراقي.’ [ظنّ عمر أنهم سيعتقلونه مجددًا ولم يفهم أن المقصود هو ترحيله].
قال الضابط: ‘هل معك مال؟’
قلت: ‘ليس معي قرش.’
أرسلني إلى القرية لأحضر ثيابًا وبعض المال. وصلنا القرية عند الغروب، وكان الجميع في الحي فرحين بلقائي، ظنّوا أنني أُفرج عني. الشرطي الذي رافقني تبعني في كل مكان، حتى أراد أن يتبعني إلى الحمام. قلت له: ‘عيب عليك!’
أخذت المال والثياب، وغادرنا بسيارة الشرطة. وصلنا إلى شرطة حيفا، يدًا بيد، أنا والشرطي."
عمر كان راويًا رائعًا. وإلى جانب روايته الحيّة، أودّ أن تقرأوا معي تقرير الشرطة أو الشاباك حول الحدث الذي جرى عام 1968.
حاولوا أن تتخيّلوا الحدث رغم اللغة العسكرية الجافة؛ حاولوا أن تتصوّروا ما يقوله النشطاء. وجاء في التقرير:
"من الساعة 06:30 وحتى 07:15، تجمّع نحو 300 رجل من مختلف الأعمار قرب المسجد. عندما بدأوا بالتحرك نحو موقع الحادثة،
ظهر عمر أحمد حمدان عامر (عَصفور) وصالح خليل عيسى، ومعهما علم أسود وعلم آخر كُتب عليه "للذكرى"، ومكبّر صوت. بدأ صالح خليل عيسى يتحدث إلى الشبان الذين بقوا في مقهى عبد الله عَامر قائلًا:
"تسقط المجزرة والقتلة"، "لا للتهديدات والتخويف"، ‘تذكّروا الشهداء".
هذا هو شعارهم – لا خوف.
ويتابع التقرير:
"سلّم [صالح] المكبّر إلى عبد الله نمر محمود درويش عيسى، الذي تلا آيات من القرآن الكريم. بعد عشر دقائق انضمّوا إلى الكبار الذين توجّهوا إلى موقع الحادثة بعد قراءة الفاتحة.
أخذ صالح عيسى الميكروفون وبدأ يخطب قائلًا: ‘تسقط ذيول الحكم’، ‘تسقط التهديدات والقتلة الذين يواصلون ذبح إخوتنا في الضفة الغربية’، ‘حوّلوا هذا اليوم التذكاري إلى ثورة متصاعدة.’
بعد ذلك أخذ المكبّر عبد الله داوود جبريل، وبدأ يتلو قصائد وطنية حماسية ومحرضة. استمرّوا على هذا النحو حتى وصلوا المقبرة، حيث تلا الشيخ دعاء " الذكرى، وبدأوا بالتفرّق."
"وهنا تأتي لحظة يعرفها كل من شارك في مظاهرات جماهيرية.
أخذ عمر عصفور الميكروفون أثناء تفرّق الجمهور وقال:
‘بعد انتهاء إحياء هذا اليوم التذكاري، نحن غير مسؤولين عمّا سيحدث.’
دار نقاش بين عضو المجلس وعَصفور حول تصريحه هذا. وبدأ الشبان يشجعون عَصفور أثناء سيرهم وهم يهتفون: ‘لا خوف!’، ‘لا تهديدات!’
بعد التفرّق من المقبرة، تجمّع نحو 50 شابًا بقيادة عبد الله داوود جبريل عيسى، عمر أحمد حمدان عامر (عَصفور)، وصالح خليل عيسى، وتوجّهوا نحو موقع الحادثة.
ألقى صالح فيهم خطبًا سياسية على طريقة راكاح (الحزب الشيوعي)، مثل: ‘احتلال المناطق المحتلة من قبل إسرائيل وضرورة الانسحاب’، ‘حرب الأمريكيين في فيتنام’.
استمروا نحو نصف ساعة ثم تفرّقوا." .
حتى هنا ينتهي الوصف. هكذا كانت تبدو إسرائيل في أواخر ستينيات القرن الماضي وبداية السبعينيات. فـنظام الحكم العسكري أُلغي شكليًا، لكن الدولة، التي لم تستطع منع أهالي كفر قاسم من إحياء ذكرى المجزرة في قريتهم، واصلت منع النشطاء من الوصول إليها للتعبير عن تضامنهم. كانت الشرطة تنصب الحواجز وتتدخّل عند الحاجة. كل ذلك انكسر نهائيًا عام 1976، في الحدث الجماهيري الشعبي الكبير الذي أُقيم بمناسبة الذكرى العشرين للمجزرة. كانت تلك المرة الأولى التي زرتُ فيها كفر قاسم. أدين بالكثير لأصدقائي وصديقاتي في القرية، ومعهم سرتُ في طريق طويلة — طريق قادتنا إلى الضفة الغربية، وإلى النضال داخل الخط الأخضر أيضًا. هذا الطريق هو ما دلّنا عليه عمر عَصفور ورفاقه.
.jpg)







.png)


.jpeg)



.png)

