إشكالية عمر القضية (1-2)

A+
A-
متظاهر يلوّح بالعلم الفلسطيني خلال وقفة احتجاجية ضد حرب الإبادة على غزة في مكسيكو سيتي – (شينخوا).

متظاهر يلوّح بالعلم الفلسطيني خلال وقفة احتجاجية ضد حرب الإبادة على غزة في مكسيكو سيتي – (شينخوا).

يوم السبت الموافق 29 تشرين ثاني / نوفمبر الفائت، عقد مركز إميل توما، بالمشاركة مع المنبر الديموقراطي، لقاءً في مركز فؤاد نصار برام الله، بمناسبة يوم التضامن العالمي مع شعبنا الفلسطيني الموافق لذكرى النكبة وقرار التقسيم 181. طالبني القائمون على اللقاء، كوني مؤلف كتاب "إطلالة على القضية الفلسطينية"، تقديم مداخلة عن الدور العربي في القضية. في التحضير للمداخلة كان عليّ الإجابة على السؤال الإشكالي الخاص بِالمتداول عن عمر القضية: هل هو 78 عاما باعتبار أن البداية كانت بقرار التقسيم كما يقول البعض؟ أم هو 118 عاما بوعد بلفور الصادر عام 1917، كما يقول بعض آخر؟ أم هو 138 عاما بانعقاد مؤتمر بازل الصهيوني الأول العام 1897 كما يقول آخرون؟

جوابي كان: ليس أيا من الثلاثة. ذلك أن عمرها هو 180 عاما استنادا لبداية الهجرة والاستيطان اليهودي، وحيث تحتل الحقبة العثمانية أكثر من ثلثها، و145 عاما استنادا لبداية الاحتكاك العنيف بين الفلاحين الرافضين للاقتلاع من القرى المحيطة بقرية ملبس التي غدت بتاح تكفا العام 1881 وبين الدرك العثماني الذي نفذ عملية الاقتلاع. كيف؟

حدث إسدال لِلستار على الحقبة العثمانية من عمر القضية، الأمر الذي أدى إلى خلق إشكالية تحديد العمر، وقبلها وبعدها تحديد الجهات الفاعلة فيها، فَوضع السياسات، برامج، مهام وأهداف الثورات، اختيار أشكال وأساليب النضال..الخ الأمر الذي أدى بالضرورة لارتكاب الكثير من الخطايا والأخطاء، وحيث آل الحال إلى ما نحن فيه اليوم.

شخصيا وقعت فريسة للعتمة التي أحدثها إسدال الستار هذا. في التحضير لكتاب "إطلالة على القضية الفلسطينية" لم أعثر على مرجع واحد يلقي بصيصا من الضوء على هذه الحقبة الطويلة من عمر القضية. هبَّ السياسيون والمؤرخون للدفاع عن الخلافة العثمانية، انطلاقا من تقدير أن إدانتها إدانة للدين، وهو المرفوض بكل أشكال العزم، الحسم والحزم. استند دفاع التبرئة إلى حديث منسوب للسلطان عبد الحميد يرفض فيه بيع فلسطين للحركة الصهيونية مقابل تسديد ديون الدولة ودفع ملايين عديدة أخرى للخزانة العامة وله شخصيا. لم يكلف أحد من هؤلاء السياسيين والمؤرخين نفسه عناء البحث، عناء التحري عما يثبت صحة هذا الحديث من عدمه. حدث ذلك بالرغم من عديد الوقائع الماثلة أمام أعينهم، والتي تثبت قراءتها المتبصرة عبثية الركون لحديث السلطان، صح أو لم يصح حدوثه.

بدا لي آنذاك أنني كنت مضطرا لتثبيت دفاعات أصحاب المراجع تلك في الجزء الأول من كتاب الإطلالة. وأظن الآن أنه لا يشفع لي تثبيت وقائع تدحض قراءتها المتبصرة تلك الدفاعات، وكذلك اعتمادي نباهة القارئ لتحقيق ذلك. من هذه الوقائع 1- أن نظام الخلافة العثمانية هو من أصدر تراخيص بناء مدن بتاح تكفا العام 1881، ريشيون ليتسيون العام 1882، تل أبيب العام 1909، وبديهي أنه هو من أصدر تصاريح بناء عديد الأحياء اليهودية في المدن المختلطة؛ القدس، الخليل، يافا، حيفا، طبريا، صفد.. الخ، ومثلها تصاريح بناء العديد من المستوطنات، المستشفيات، المدارس، وغيرها وغيرها. 2- تجمع المراجع على أن عدد اليهود في فلسطين ظل أقل كثيرا من خمسة آلاف حتى مطلع القرن التاسع عشر - 1800 - وأن تقريرا للسير مونتفيوري في العام 1839 قال أن العدد كان أقل من 6000. ارتفع هذا العدد إلى 13 ألفا العام 1850، وَإلى 25 ألفا العام 1881، 55 ألفا العام 1900، و105 العام 1917 عام دخول الاحتلال البريطاني.وكان أن كل هؤلاء المهاجرين المستوطنين حملوا بطاقة هوية الدولة العثمانية. 3- زار تيودور هرتزل فلسطين العام 1898. حل ضيفا على المستوطنات اليهودية، وتجول في فلسطين تحت رعاية الدولة العثمانية. 4- كتب جورجي زيدان في تقرير عن زيارته لفلسطين صيف العام 1913 أن الجماعة اليهودية وعددها 78 ألفا تدير دولة داخل الدولة العثمانية. لا داعي للسؤال: من سمح لها ذلك؟ 5 - دخل جيش الجنرال اللنبي مدينة غزة في آذار العام 1917، أي قبل صدور وعد بلفور بأكثر قليلا من سبعة شهور. وزع الجيش على الأهالي منشورا يطالبهم بالهدوء بثلاث لغات هي الإنجليزية، العربية والعبرية.

أثناء تحضيري لكتاب الإطلالة الذي صدر جزؤه الأول العام 2007 لم تكن لي معرفة باستخدام محرك البحث غوغل. استخدامه يزود الباحث ببراهين أخرى على ضلوع سلاطين الخلافة العثمانية في حفر وبناء أسس وأعمدة مأساتنا الفلسطينية. منها مثلا تواريخ بناء الأحياء اليهودية في القدس. مونتفيوري العام 1855، حارة اليهود داخل السور العام 1856، مئه شعاريم العام 1874، محني يهودا العام 1887، وقس على ذلك بناء الأحياء المماثلة في المدن المختلطة، حيفا، يافا، طبريا، صفد.. الخ. هل هناك ضرورة للتذكير بأن تراخيص البناء صدرت عن الدولة العثمانية، وأن معاملات شراء وبيع الأراضي، وإصدار الكواشين أنجزت في دوائر الطابو العثمانية؟

ما الذي يعنيه كل ذلك؟ وما الفائدة الآن من هذا السرد المطول لإثبات ضلوع الخلافة العثمانية في خلق القضية الفلسطينية؟

تقديري أن فائدة هذا السرد تتمثل في التالي: 1- أن القضية نشأت، تَطورت وتثبتت، في زمن لم يكن الشعب الفلسطيني قد أفرز طبقة سياسية، وأنه دخل حقبة الانتداب البريطاني وتطبيق وعد بلفور وهو لا يملك قيادة سياسية، وأنه كان على هذه القيادة أن تنشأ، تتطور، تتمكن وتتأهل في فترة قصيرة محدودة وعاصفة. 2- أنه لم تكن في العالم العربي دولة مستقلة واحدة. كان ممزقا بين تبعية عثمانية - الهلال الخصيب وداخل شِبه الجزيرة العربية -، استعمار بريطاني: مصر، السودان وكامل سواحل شبه الجزيرة على بحر العرب والخليج، واستعمار فرنسي لكامل الشمال الإفريقي باستثناء ليبيا. وبالتالي لا سند للشعب الفلسطيني من أي نوع كان 3- أن سايكس - بيكو الذي استثنى داخل الجزيرة العربية، ووعد بلفور جاءا على هذه الخلفية. استثمرا واقعا قائما ولم يخلقا لا المشكلة العربية ولا القضية الفلسطينية. أكثر من ذلك أن واقعنا المتخلف هذا لم يسمح بقراءة دقيقة للغة وعد بلفور الملتوية والتي تحتمل تفاسير عديدة. كيف؟

الجواب في الحلقة القادمة.

اطلالة على القضية الفلسطينية

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية