لا حدود لسفالات السياسة والتجارة المتنوعة الأهداف والمهام والمصالح المُقرفة، التي تقوم بها مملكة آل سعود هذه الأيام وفي كل الأوقات والمراحل، حين تمنح وتَهب مهبول أمريكا "الراقي"، دونالد ترامب، ما يزيد عن 142 مليار دولار، أثناء زيارته الأخيرة يوم الثلاثاء 13 أيار الجاري، بينما غزّة العزة والعروبة، تئن تحت القصف وضربات الطائرات الإسرائيلية ذات الإنتاج والصناعات الأمريكية، وتتلوي الأجساد وتخور البطون والأمعاء من ضغط الجوع الكافر الذي لا يرحم.
تعقد وتُبرم السعودية، التي تخُط علمها باللون الأخضر وتُذيّله بالعبارة الكريمة: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، اتفاقية مجانية إلزامية وأدبية على نفسها، تُلزِمها هذه الإدارة بشراء أسلحة ومعدات عسكرية، بمليارات الأوراق الخضراء من فئة المئة دولار وطالع، والمغمّسة بالذل والخيانة والعار.
نسأل أنفسنا أحيانًا: ما هي حاجة مملكة آل سعود إلى التزود واقتناء السلاح المتطور، وصرف مليارات الدولارات، وخاصة على الواردات الأمريكية من السلاح؟ من هم أعداء السعودية؟ أليسوا جيرانها من كازيات الخليج، السالكين في التلم وفي المحور الأمريكي والغربي، والذين ترعاهم في الخفاء والعلن إسرائيل العدوانية على الشعب الفلسطيني وغيره؟ أوليس حكّام إسرائيل مع الأمريكيين، هم الحراس الفعليين لمنابع النفط السعودي والخليجي؟
إن التحالف العميق والشامل والمُوسّع، ذو الوظائف المتعددة المهام، بين الإدارة الترامبية وأمراء وحكام السعودية، يقوم بالأساس على أمرين جوهريين:
الأول: ضرورة السعودية شراء السلاح الأمريكي المتطور، بلغة الفرض والأمر، على شكل دعم لاحتكارات صناعة وإنتاج السلاح الأمريكي. وهذا بالضبط هو المطلوب، أن يُصب المال في مصلحة الاقتصاد والخزانة الأمريكية، مما يُعوض النقص فيها نتيجة الدعم المستمر والمباشر والكثيف، المتعدد الأوجه، إلى الابن المُدلل، حكام إسرائيل، في احتلالاتهم وعدوانهم المستمر على قطاع غزة، وتعويضًا عن الدعم المالي والعسكري الذي قدمته وتقدمه إلى نظام الدمى في كييف أوكرانيا وغيرها.
الثاني: إن هذا السلاح المتطور، الذي تقتنيه السعودية، يفوق حاجة السعوديين وجيشهم على استيعاب كامل التكنولوجيا العسكرية الجديدة، ولذا يجري استعماله بواسطة خبراء ومستشارين عسكريين أمريكيين وأوروبيين. ولا تستطيع السعودية استعماله إلا بأوامر من وراء المحيط، وهو ليس لحاجة السعوديين الداخلية، وإنما يأتي ضمن الدعم المالي والعسكري المباشر، في التدخل وخلق بوادر للتوتر والنزاعات المسلحة (دعم وخلق ثورات مضادة ومصطنعة) في أنحاء العالم العربي وغيره، كما جرى في العقود الأربعة المنصرمة، في دعم الإرهاب المنظم في كل من سوريا والعراق وليبيا والسودان واليمن وأفغانستان وغيرها. وهذا، بالطبع، بأوامر وتنسيق مباشر من وكالة المخابرات الأمريكية والبيت الأبيض مع كازيات الخليج الأخرى: قطر والإمارات والبحرين وغيرهم.
فلو أراد النظام السعودي، وباقي كازيات الخليج، دعم كفاح الشعب الفلسطيني في التحرر والاستقلال، لكان وجه العرب والشرق الأوسط قد تغيّر كليًا إلى الأفضل، وأصبح العالم يعيش في حقبة مليئة بالازدهار والأمن المتكافئ للجميع.
لكنهم حتى لا يشترطون مقابل هذا السخاء والكرم (الحاتمي) أيّ شروط أو مقابل، لا في القضية الفلسطينية، ولا حتى في وقف الحرب الإبادية على غزة، ولا في دعم الصمود الفلسطيني، أو حماية الأقصى والقدس، وتحقيق حلم الدولة.
هم من يعرقل ويتآمر، في السر، على الحق الفلسطيني والدولة العتيدة، وكل الجهود التي تُنصب على تحقيق مبدأ السلام العادل والانسحاب الكامل، ما هي إلا أمور ثانوية ليست في سلّم أولويات هذه الأنظمة. فهي أمور يجري مدارَاتها أمام الإعلام والرأي العام العربي والعالمي، بينما يشترط المهرّج ترامب، في استقباله في القمة السعودية الأمريكية، على حاكم سلطة الأمر الواقع في سوريا، أحمد الشرع، لتخفيف أو رفع العقوبات عن الشعب السوري، أن تقوم الإدارة السورية الجديدة بطرد التنظيمات الفلسطينية من الأراضي السورية، وقد أبدى مرونة واستعدادًا بإمكانية فتح الأراضي السورية والمنشآت النفطية أمام الأمريكيين للوصول إليها دون عقبات تُذكر.
وما يجري على الأراضي السورية اليوم، ما هو إلا تنفيذ للسيناريو المُتفق عليه سابقًا، وهو تقسيم سوريا إلى دويلات هزيلة ضعيفة هامشية مصطنعة دينيًا وقوميًا وطائفيًا، للحيلولة دون وحدة الشعب والأراضي السورية، وهذا يصبّ في خانة مصالح الثالوث الثلاثي المعادي لوحدة الأمة والموقف، ولإضعاف وتفتيت قوى المقاومة والمواجهة والتحرر في العالم العربي وغيره.
ندعو الشعوب وقواها الواعية والوطنية، بالرغم من القيود المفروضة ومصادرة حرية الرأي والتعبير في دول الخليج وعموم الشرق الأوسط، إلى التحرك السياسي والجماهيري، للدفاع عن مصالحها وأموالها التي تُمنح هباءً للغرب الأمريكي والأوروبي، بالعمل على إخراج التواجد الأجنبي من أراضيها، والمطالبة بالحياة السياسية والبرلمانية، وبالتعبير الديمقراطي، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، والوقوف في وجه الديكتاتوريات العائلية المهيمنة على مقدراتها الوطنية. وليَبقَ الشعار الصحيح هو الملهم الأول، وهو: "مع الشعوب العربية، ضد الهيمنة الإمبريالية والصهيونية والخيانة القومية".






.png)


.jpeg)



.png)

