ستيف ويتكوف زار غزّة. لا ليست نكتة، بل الحقيقة التي تبدو وكأنها مشهد مقتبس من مسرحية عبثية تُعرض على خشبة الواقع الفلسطيني. الرجل وصل ليتفقد الحال في القطاع.
هل زار الخيام؟ لا.
هل رأى الطوابير التي تُطارد رغيف الخبز؟
لا. هل شمّ رائحة الجثث المختبئة تحت الركام؟ بالتأكيد لا.
بل اكتفى بزيارة "مركز لتوزيع المساعدات" مصمَّم بعناية ليلعب دور ديكور الزيارة. ثم عاد أدراجه ليصرّح للعالم أن "لا مجاعة في غزّة". الصورة كانت مكتملة: كاميرات، أطفال بحالة جيدة، مساعدات تُوزّع بانضباط، وابتسامات مرتبة على الوجوه. كان ينقصهم فقط موسيقى تصويرية هادئة وباقة ورود ليُسلّمها للأطفال. المأساة في خلفية المشهد لا تظهر في الإطار، فقط الهياكل البشرية التي نجت مؤقتًا من الموت، لا من الجوع. لكن لا بأس، فالعالم الرسمي اكتفى بمشهد المسرحية، وانصرف مُطمئنًا.
هكذا يُدار الضمير العالمي هذه الأيام: مسكّنات بصرية. مشهد موزون، تقرير مرتب، تصريح دبلوماسي مفلتر جيدًا، ثم صمت طويل. آلة القتل مستمرة، والتجويع أداة حرب، لكن كل هذا قابل للتعتيم إن لم يَرَه "المبعوث". المنطق بسيط جدًا: إن لم تدخل الكاميرا الخيمة، فالخيمة لا وجود لها. وإن كانت المجاعة لا تُعرض في النشرة، فالجوع كذبة.
ويتكوف ليس أول من اختار أن يرى ما يُريد رؤيته. العالم الرسمي بأكمله يمارس طقسًا جماعيًا من إنكار الحقيقة. يُدير وجهه عن المجازر، ويدفن رأسه في تقارير الوكالات التي تتقن لعبة التوازن اللفظي بين القاتل والضحية. "هناك نقص في الغذاء، لكن لا مجاعة". جملة كُتبت بأحرف باردة، لكنها تقطر دمًا.
وفي هذا المشهد القاتم، تلمع نقطة ضوء: الشعوب. هناك صحوة حقيقية، غضب يتراكم ويبحث عن منفذ. الشوارع تعرف الحقيقة، وتحتفظ بالذاكرة. الناس التي خرجت تهتف لفلسطين، وتُقاطع، وتُحاصر سفارات، لا تُشبه حكوماتها. هذا الغضب الشعبي هو الأمل الوحيد الآن، حتى لو كان أضعف من أن يُوقف الحرب، فهو يفضح الصمت، ويكسر الوحشة، ويقول لأهل غزة: لسنا جميعًا صُمًا.
لكن حتى تنضج هذه الصحوة وتكبر، حتى تُجبر الأنظمة على تغيير بوصلتها، غزة تدفع الثمن. لا ثمنًا عاديًا، بل ثمنًا لم يُدفع مثله في التاريخ الحديث. مجاعة تُصمَّم، يُخطَّط لها، وتُدار كعملية عسكرية. أطفال تُركوا ليذبلوا بلا دواء، أمهات يخترن بين الرصاصة أو الجوع، شعب يُجبر على الركوع لعلبة تونة. كل هذا يحدث، والعالم يُواصل مسرحيته الرديئة: زيارات مجاملة، تصريحات مطمئنة، ثم لا شيء.
الهياكل البشرية التي تتحرك فوق تراب غزة ليست مجازًا، بل دليل حيّ على أن المسرحية فاشلة. أجساد أنهكها الجوع والخذلان. هذه الأجساد تقول ما لا يقال، تفضح من لا يُفضَح. تلعن صمتكم، وتنتظر شيئًا أكثر من بيانات الأسف والقلق.
في النهاية، يمكن لوِتكوف أن يكتب تقريره كما يشاء، وأن يعود إلى فراشه مرتاح الضمير. لكن غزة لن تنسى، ولن تسامح، ولن تغفر لهذه المسرحية التي كُتبت بدمها، وعُرضت على أنقاضها، وانتهت بتصفيق بارد في أروقة الصمت.
.png)





.png)


.jpeg)



.png)

