إمبراطورية الشر

A+
A-
قوات الاحتلال الأمريكية في شمال شرق سوريا (آذار/مارس 2022)

قوات الاحتلال الأمريكية في شمال شرق سوريا (آذار/مارس 2022)

تأملات عقيد سابق في الجيش الأميركي حول الحرب، القوة، والوهم الوطني. ويليام أستور هو عقيد متقاعد في سلاح الجو الأميركي (USAF) ومؤرخ. ترجمة "الاتحاد" عن موقع "كاونر بانتش" اليساري الأمريكي

ويليام أستور

منذ أربعين عامًا في مثل هذا الشهر، تم منحي رتبة ملازم ثانٍ في سلاح الجو الأميركي، فانضممت إلى ما يُعرف بـ"قوة المتطوعين" (AVF) التي اعتمدتها الولايات المتحدة بعد إلغاء التجنيد الإجباري. قضيت عشرين عامًا في الخدمة، أديت واجبي، وتقاعدت برتبة عقيد في عام 2005. خلال عقدين من الخدمة، التقيت بعدد كبير من الضباط والجنود والمدنيين المخلصين والمتميزين. عملت إلى جانب الجيش والبحرية والمارينز، وتعاونت مع ضباط وطلاب عسكريين من دول مثل بريطانيا، ألمانيا، باكستان، بولندا، والسعودية. لم أتعرض لإطلاق نار، ولم أطلق النار على أحد. بعبارة أخرى، كانت خدمتي العسكرية "سلمية" على نحو غريب.

لكن لا تسيئوا الفهم: لقد كنت جزءًا فعليًا من المجمع العسكري–الصناعي الأميركي. لا أوهام لديّ، ولا ينبغي أن تكون لديكم، بشأن الغاية الحقيقية من وجود مؤسسة عسكرية. بوصفي مؤرخًا قضى خمسين عامًا في قراءة التاريخ العسكري وتدريسه في أكاديمية سلاح الجو وكلية الدراسات العليا البحرية، أعرف جيدًا ما تعنيه الحرب، حتى وإن لم أعش فوضاها وعنفها ورعبها مباشرة.

الخدمة العسكرية، في جوهرها، هي الاستعداد للقتل. لم أكن ممن يضغطون الزناد أو يُسقِطون القنابل، ومع ذلك كنت جزءًا من مؤسسة ترفع شعار "السلام من خلال التفوق في القوة النارية". الجيش الأميركي، كما قادته السياسيون، لطالما آمن إيمانًا مضللًا — بل غير عقلاني — بقدرة الرصاص والقنابل على حل أعتى الأزمات. فيتنام تصبح شيوعية عام 1965؟ لنقصفها حتى تعود إلى العصر الحجري. أفغانستان تدعم الإرهاب عام 2001؟ فلنقصفها بوحشية. العراق يمتلك أسلحة دمار شامل في 2003؟ فلنقصفه أيضًا، رغم أنه لم يكن يمتلك أيًا منها. الحوثيون يجرؤون على الاحتجاج على مجازر غزة عام 2025؟ نقصفهم، ولا نكترث.

مؤسف أن يصبح "القصف" الخيار الافتراضي لأميركا، حلًّا جاهزًا على الطاولة في كل أزمة. ألم يكن الشعار الساخر في فيتنام: "كان من الضروري تدمير المدينة لإنقاذها"؟. حكّامنا، من خلال أفعالهم، يبدو أنهم آمنوا منذ زمن طويل بأن ثمة مدنًا وبلدانًا ينبغي تدميرها كي تُنقَذ.

إن عبارتي "الأورويلية" لهذا الهوس هي: "الدمار هو البناء". لدينا وزارة حرب أعيد تسميتها لتصبح "وزارة الدفاع". لدينا جيش إمبراطوري يروج له في الداخل والخارج باعتباره "حامي الحريات". نملك الأسلحة الخارقة وشهوة الهيمنة التي تليق بـ"دارث فيدر"، ومع ذلك نُصر على أننا "لوك سكاي ووكر" (استعارة ساخرة من سلسلة أفلام ستار وورز الشهيرة).

هذا واحد فقط من المفارقات الكثيرة المتأصلة في المؤسسة العسكرية الأميركية — وفي حياتي الشخصية كذلك. ربما تستحق هذه التناقضات التأمل والتحليل، بينما أعود بذاكرتي إلى لحظة تكليفي الرسمي في سن الثانية والعشرين عام 1985، في بلد يبدو الآن بعيدًا، وزمان لم يعد يشبه حاضره.

الإمبراطورية الشريرة: من؟

عندما التحقت بالخدمة عام 1985، لم يكن هناك شك في مسألة من هي "الإمبراطورية الشريرة". حسب الرئيس رونالد ريغان آنذاك، كانت الاتحاد السوفييتي: استبدادية، عسكرية، مهيمنة، ولا يُوثق بها. بعد أربعين عامًا، من هي "الإمبراطورية الشريرة" الجديدة؟ هل هي روسيا بوتين، التي غزت أوكرانيا قبل ثلاث سنوات؟ إدارة بايدن تعتقد ذلك؛ إدارة ترامب ليست متأكدة. وهل يصح القول إن الولايات المتحدة نفسها باتت أكثر استبدادية، وأشد ميلًا للهيمنة، وأكثر عسكرة، وأقل جدارة بالثقة؟ من الذي يملك نحو 800 قاعدة عسكرية حول العالم؟ من الذي يتباهى بميزانيات حرب تريليونية ويحلم بضمّ كندا وغرينلاند؟ بالتأكيد ليست روسيا... ولا الصين.

عندما ارتديت الزيّ العسكري لأول مرة، لم يكن هناك بعد "وزارة الأمن الداخلي"، ومع ذلك كانت إدارة ريغان تتفاوض — بثقة مشروطة — مع السوفييت حول تقليص الترسانات النووية. عام 1985، شهدنا رئيسًا جمهوريًا عجوزًا يحلم بدرع فضائي (مبادرة الدفاع الاستراتيجي). عام 2025، لدينا رئيس جمهوري عجوز آخر — دونالد ترامب — يطرح فكرة "القبة الذهبية" لحماية أميركا من الهجمات النووية. وطلب الجمهوريون في الكونغرس 27 مليار دولار لذلك المشروع، في تسمية تبدو ملائمة، ولكنها لا تخلو من سخرية.

عندما انهار الاتحاد السوفييتي عام 1991، خفتت مخاوف اندلاع حرب عالمية ثالثة. وسرعان ما شعرت أميركا أنها في ذروة هيمنتها، بعد سحق جيش صدام حسين في "عاصفة الصحراء". ظنّ البعض أن لحظة "أرباح السلام" قد حلّت، لكن ما حدث في الواقع كان العكس تمامًا.

النجاح السريع والمضلل في العراق أعاد إحياء "متلازمة فيتنام" الحقيقية: الغرور الأميركي. توسّع الناتو نحو حدود روسيا. حُلم القطبية الواحدة عاد. بات يُنظر إلى الجيش الأميركي كأكثر الجيوش أخلاقية وقتالية في آن، في إنكار تام لما يمكن أن تجرّه هذه القوة من نتائج كارثية. دعم بن لادن في أفغانستان؟ لا بأس. استفزاز روسيا بضم أوكرانيا إلى الناتو؟ مخاطرة مقبولة.

وهكذا، بدلاً من تفكيك الإمبراطورية، عززناها. في عهد كلينتون، جرت بعض التخفيضات في الإنفاق العسكري، لكنها كانت شكلية. في الواقع، ظلّ المجمع العسكري–الصناعي نشطًا. وتسابق القادة المدنيون لتبرير استخدام الجيش لفرض الهيمنة، وتحوّلت الأسئلة الدستورية حول "إعلان الحرب" إلى تراث قديم لا يليق بالقوة العظمى.

ثم جاء 11 سبتمبر، ولم يغيّر شيئًا سوى تسريع ما كان قائمًا: عسكرة الدولة، ترسيخ "الجانب المظلم"، وتحويل العالم إلى ساحة للغارات والغزوات. قصف، ثم اجتياح، ثم تصعيد، ثم تكرار.

هل هزمنا "متلازمة فيتنام"؟ بالطبع لا. فبعد عقد من "الانتصار"، عدنا للعدو نفسه: حكّام لا يمثلون الشعب، ولا يكلّون عن شنّ الحروب لأنها مربحة، ولأنهم يرون في قوتهم قدوة يجب أن تُكرَّس — خصوصًا حين تنفجر القنابل في السماء.

قوة "المتطوعين": خرافة وطنية

بوصفي مؤرخًا عسكريًا ومخضرمًا، أرى أن "قوة المتطوعين" الأميركية قد ضلت طريقها. لم يعد جنود اليوم مواطنين-جنودًا كما في جيل الحرب العالمية الثانية، بل تحولوا إلى "محاربين"، يُعرّفون أنفسهم من خلال الاستعداد للقتال، ويتبنون خطابًا يشبه الأنظمة الاستبدادية. لقد صاروا طبقة معزولة، لا تربطها بالمجتمع المدني علاقة تمثيل أو مساءلة.

في المقابل، الوطنيّة المتسامحة تراجعت لصالح قومية مسيّسة، تتبنّى خطاب "أميركا أولًا" المحمّل بإشارات دينية وشعبوية، حيث يُمجَّد ترامب، وتُبارك القنابل، ويُقصى من لا ينتمي.

جنود جيل والدي، بالمقابل، كانوا يُفكرون. كانوا يرفضون الأوامر العبثية. أما "المحاربون"، فهم ينفّذون، يُسقِطون القنابل، ويُبقون آلة الحرب في حالة تشغيل دائم.

أما المواطنون، فإنهم مشغولون بهمومهم اليومية، ويغضّون الطرف عن ما يُفعل باسمهم. فهم لا يُسألون، ولا يُطلب منهم التضحية، سوى أن يدفعوا الضرائب ويصمتوا.

ماذا يُمكن فعله؟

إن كنّا نعترف بوجود خلل، فما العمل؟ إليكم ثلاث خطوات فورية:
وقف الحروب غير المعلنة: لا حرب دون إعلان صريح من الكونغرس، كما ينصّ الدستور. لا مزيد من "العمليات الطارئة" أو "الردود الاستباقية". تريد قصف اليمن؟ أعلِن الحرب عليه.

تمويل الحروب بالضرائب، لا بالعجز المالي: وعلى الأخص، من أولئك المستفيدين من خوضها.

فرض ضريبة على أرباح الحروب: كما نُفرض ضرائب على التدخين والكحول، آن الأوان لضريبة "الخطيئة العسكرية" على الشركات التي تجني المليارات من إنتاج الأسلحة الفاسدة والمبالغ فيها.

طالما بقيت الحرب مربحة، سيبقى الجنون مستمرًا، وربما يتوسّع.

أنا، الذي كنت في الثانية والعشرين، كنت أظن أنني من "الطيبين"، وأن بلدي يخوض معركة من أجل القيم. اليوم، وأنا على مشارف الثانية والستين، لست متأكدًا من شيء. أعرف فقط أن بلدي يسير في طريق خاطئ — طريق الدم والربح، وهو طريق لا يليق بشعب يُحبّ الحرية.

بطريقة أو بأخرى، يتعين على أميركا أن تعود إلى مسار الحرية الذي يلهم المواطنين ويمكّنهم، بدلاً من المحاربين الطامحين الذين يلوحون بالأسلحة في كل مكان. بطريقة أو بأخرى، نحن بحاجة إلى أن نطمح مرة أخرى إلى أن نكون أمة قوانين. (هل يمكننا أن نتفق على أن الإجراءات القانونية الواجبة أفضل من عدم وجود أي إجراءات على الإطلاق؟) بطريقة أو بأخرى، نحن بحاجة إلى أن نحلم بأن نكون أمة حيث الحق يصنع القوة، أمة تعرف أن الدمار ليس بناء، أمة تستبدل الرصاص والقنابل بصناديق الاقتراع والجمال.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية