في ذكرى وفاة ماركس

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في 14 آذار سنة 1883 رقد ماركس في كرسيه رُقادا أخيرا هادئا، ودُفن مع زوجته في مقبرة هايغات في لندن. وقد مات لماركس عدة أولاد وما يزالون أطفالا، في لندن حين كانت عائلته تُعاني بؤسا مدقعا. 

وكانت بناته الثلاث متزوجات من اشتراكيين من إنجلترا وفرنسا وهن: ايليونور ايفلينغ ولورا لافارغ وجيني لولغي وابن هذه الأخيرة كان عضو في الحزب الاشتراكي الفرنسي.

كارل ماركس (1818 – 1883) هو فيلسوف ألماني واقتصادي ومُنظر سياسي بارز، قام بجانب فريدريك انجلز بوضع الأساس للاشتراكية والشيوعية العلمية.

فمذهب وفلسفة ماركس وانجلز من أبرز منجزات الفكر البشري. ان الماركسية هي أيديولوجيا البروليتاريا والتعبير العلمي عن مصالحها. وسلاح روحي وفكري وموضوعي للطبقة العاملة في النضال من أجل التحرر الوطني والسلام ومن أجل مجتمع المستقبل مجتمع حرية الانسان والإنسانية، ان التنبؤ بالمستقبل كان دائما ذا أهمية. ليس لكل انسان وحسب، بل وللمجتمع الذي عاش ويعيش فيه أيضا. حتى ولو كان هذا التنبؤ التقريبي يخص المستقبل القريب. 

ان الاهتمام بالمستقبل ليس فضولا بسيطا بل تعبير عن حاجة علمية من اجل ان يعمل الانسان اليوم بنجاح يجب ان يعرف ماذا سيكون غدا. فالرغبة في التطلع الى يوم الغد هي صفة مميزة للإنسان العامل بحكمة.

وفي المجتمع وجدت على الدوام تصورات عن المستقبل وان كانت بدائية وغامضة تماما. الا ان التنبؤ العلمي الحق لم يكن قط في الحقيقة ضروريا بالقدر الذي هو عليه الآن في عصرنا الديناميكي، في مرحلة الثورة العلمية التكنيكية المعاصرة.

مضى أكثر من قرنين على ذلك اليوم الذي أدرك فيه أحد العباقرة السابقين لماركس وانجلز وعلى طريقته الخاصة، مدى الحاجة الى معرفة علمية حقه للمستقبل، فصرح بفكرة حكيمة وعميقة جدا: "حتى الان تحرك الناس في طريق الحضارة وظهرهم الى المستقبل، موجهين أنظارهم عادة الى الماضي، أما المستقبل فقد رمقوه بنظرات نادرة جدا وسطحية فقط، والآن وقد قُضي على العبودية، فان على الانسان أن يركز انتباهه نحو المستقبل". (سان سيمون مؤلفات مختارة م 1-2 موسكو ليننغراد 1948).

مقولة سان سيمون هذه قيلت قبل عقدين من نشوء الشيوعية العلمية، وفي أحد من آخر مؤلفات سان سيمون الاشتراكي الطوباوي الفرنسي العظيم. ان تصورات سان سيمون عن المستقبل، كأراء السابقين الآخرين للشيوعية العلمية، بقيت بكاملها في حدود الطوباوية أيضا، ولكن ما كان طوباويا آنذاك أصبح علما في مؤلفات كارل ماركس ورفيقه فريدريك انجلز وبعدهم فلاديمير لينين.

فمذهب ماركس وانجلز مؤسسي الشيوعية العلمية هو انقلاب لا بل ثورة حقيقية في ميدان العلم والفلسفة فان ماركس وانجلز اكتشفا قوانين التطور الاجتماعي الموضوعية المادية الجدلية التاريخية وقدما البرهان العلمي على حتمية هلاك الرأسمالية.

القضاء على المجتمع الرأسمالي، وتحويل النظام الاجتماعي كله تحويلا ثوريا عميقا، وبناء مجتمع جديد قائم على مبادئ الحرية والمساواة والأخوة والسلام والعمل – هذه الأهداف العظيمة والنبيلة تشكل الرسالة التاريخية العالمية التي ينبغي للبروليتاريا – الطبقة العاملة أن تؤديها لما فيه مصلحة الجماهير الكادحة الواسعة، بتأييد الفلاحين وجميع قوى المجتمع التقدمية.

ان الفهم المادي الجدلي للتاريخ هو الأساس النظري العام الفلسفي للنظرية الماركسية عن الثورة ومجتمع المستقبل.

فقد سحب ماركس وانجلز خلافا لأسلافهم الفلاسفة وآخرهم هيغل وفورباخ، المادية الفلسفية والديالكتيك – الجدل ونظرية التطور الى ميدان التاريخ. وبرهنا ان انتاج وتجديد انتاج الحياة المادية هما أساس الحياة الاجتماعية والعلمية التاريخية.

وهنا اذكر ما كتبه كارل ماركس: " يرى هيغل أن عملية التفكير هذه العلمية التي يحولها حتى تحت أسم الفكرة الى ذات مستقبل، هي " الديميورج" (الخالق، الصانع) للواقع ... أما أنا فاني أرى العكس: ان المثالي ليس سوى المادي منقولا الى دماغ الانسان ومُحولا فيه". (رأس المال – المجلد الأول – تذييل للطبعة الثانية).

الفلسفة الماركسية كلية الجبروت لأنها فلسفة متناسقة ومتكاملة، وتعطي من يدرسها ويتعمق في دراستها ويمارسها على أرض الواقع مفهوما منسجما عن المجتمع والعالم.

ومن يحمل هذه الفلسفة لا يتفق مع أي ضرب من الأوهام والخرافات والاساطير، ولا يتفق مع أية رجعية، ومع أي دفاع عن الطغيان والاستبداد الرأسمالي.

" لقد عمق ماركس الفلسفة المادية وطورها، فانتهى بها الى نهايتها المنطقية ووسع نطاقها من معرفة الطبيعة الى معرفة المجتمع البشري. ان مادية ماركس التاريخية كانت أكبر انتصار أحرزه الفكر العلمي". 

(لينين – مقال مصادر الماركسية الثلاثة وأقسامها المُكونة الثلاثة). 

فكما كتب لينين:" كان أدراك ماركس لخلو المادية القديمة من المنطق، وعدم اكتمالها، وطابعها الوحيد الجانب قد آل به الى الاقتناع بضرورة " جعل علم المجتمع منسجما مع الأساس المادي، وإعادة بنائه وفقا لهذا الاساس. (انجلز "ضد دوهرينغ" ص 227). 

واذا كانت المادية بوجه عام، تفسر الوعي بالوجود، وليس بالعكس فهي تتطلب عند تطبيقها على الحياة الاجتماعية للإنسانية، تفسير الوعي الاجتماعي بالوجود الاجتماعي.

وقد أعطى ماركس صيغة مكتملة للموضوعات الأساسية للمادية في تطبيقها على المجتمع البشري وعلى تاريخه وذلك في مقدمة كتابه "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" قال:" ان الناس اثناء الإنتاج الاجتماعي لحياتهم. يقيمون فيما بينهم علاقات معينة ضرورية، مستقلة عن ارادتهم، وتطابق علاقات الإنتاج هذه درجة معينة من تطور قواهم المنتجة المادية. ومجموع علاقات الإنتاج هذه يؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع، أي الأساس الواقعي الذي يقوم عليه بناء فوقي حقوقي وسياسي والذي تطابقه اشكال معينة من الوعي الاجتماعي. ان أسلوب انتاج الحياة المادية يشترط مجرى الحياة الاجتماعي السياسي والروحي بصورة عامة. فليس وعي الناس هو الذي يعين معيشتهم بل على العكس من ذلك، معيشتهم الاجتماعية هي التي تعين وعيهم. وعندما تبلغ قوى المجتمع المنتجة المادية درجة معينة من تطورها، تدخل في تناقض مع علاقات الإنتاج الموجودة او مع علاقات الملكية – وليست هذه سوى التعبير الحقوقي لتلك – التي كانت الى ذلك الحين تتطور ضمنها.

فيعد ان كانت هذه العلاقات اشكالا لتطور القوى المُنتجة، تُصبح قيودا لهذه القوى، وعندئذ سنفتح عهد الثورة الاجتماعية. ومع تغيير الأساس الاقتصادي يحدث انقلاب في كل البناء الفوقي الهائل، بهذا الحد او ذاك من السرعة. 

وعند دراسة هذه الانقلابات ينبغي دائما التمييز بين الانقلاب المادي لظروف الإنتاج الاقتصادية – هذا الانقلاب الذي يُحدد بدقة العلوم الطبيعية – وبين الاشكال الحقوقية، والسياسية، والدينية، والفنية والفلسفية، او بكلمة مختصرة، الاشكال الأيديولوجية التي يتصور فيها الناس هذا النزاع، ويُكافحونه.

فكما انه لا يمكن الحكم على فرد وفقا للفكرة التي لديه عن نفسه، كذلك لا يمكن الحكم على عهد انقلاب كهذا، وفقا لوعيه.

فينبغي بالعكس تفسير هذا الوعي، انطلاقا من تناقضات الحياة المادية، من النزاع القائم بين قوى المجتمع المنتجة وعلاقات الإنتاج.." " ان أساليب الإنتاج الأسلوب الآسيوي، والقديم والاقطاعي، والبرجوازي المعاصر، مرسومة بخطوطها الكبرى، يمكن اعتبارها بمثابة عهود متصاعدة من التكون الاجتماعي الاقتصادي (راجع الصيغة الموجزة التي يعطيها ماركس في رسالته الى انجلز بتاريخ 7 تموز 1866-" نظريتنا حول تحديد تنظيم العمل بواسطة وسائل الإنتاج").

وكما كتب لينين:" ان ماركس قد أعار انتباهه لكل هذه المسائل ودل على طريق الدراسة العلمية للتاريخ بوصفه عملية واحدة تسير وفق قوانين معينة، رغم كل تعدد جوانبها الهائل، ورغم كل تناقضاتها". (لينين – المجلد 5 – كارل ماركس – ص 240- 241).

وفي مقدمة كارل ماركس لمؤلفه " مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" الصيغة الكلاسيكية لجوهر الفهم المادي للتاريخ. فان ماركس يشير الى ان جوهر الثورة الاجتماعية يكمن في حل النزاع بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، وفي الانتقال من نظام اجتماعي الى نظام آخر، ويؤكد أن "أي تشكيلة اجتماعية لا تموت قبل ان تتطور جميع القوى المنتجة التي تفسح لها ما يكفي من المجال، ولا تظهر ابدا علاقات انتاج جديدة أرقى قبل أن تنضج شروط وجودها المادية في قلب المجتمع القديم بالذات". (من مقدمة الطبعة الأولى لكتاب" مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي").

ومع دراسة سنن الإنتاج المادي، وديالكتيك القوى المُنتجة وعلاقات الإنتاج، أثبت ماركس وانجلز أن النضال الطبقي هو مصدر التطور القوة المتحركة للجميع المجتمعات المُنقسمة الى طبقات.

ووراء جميع التغييرات التاريخية والاجتماعية وغيرها في حياة المجتمع، تعلمنا الماركسية ان نرى المقام الأول النضال بين الطبقات، النضال بين المستثمرين والمستثمرين، ان الثورات الاجتماعية هي ذرى هذا النضال في التشكيلات الاجتماعية. 

وهنا اريد ان اذكر ما قاله ماركس: "ان شعبا يستعبد شعبا آخر يصنع قيوده بالذات" وفي عصرنا الحاضر إسرائيل التي تمارس التمييز العنصري والاحتلال الصهيوني الكولونيالي الشوفيني، وتمارس سياسة غطرسة القوة وجريمة الحرب في غزة، تصنع قيودها بالذات.

وهنا اريد ان اذكر جزء من رسالة كارل ماركس الى انجلز بتاريخ 8 أكتوبر عام 1858:" ان مهمة المجتمع البرجوازي الفعلية تتلخص في خلق سوق عالمية بخطوطها الكبرى على الأقل، وفي خلق انتاج يرتكز على أساس هذه السوق. وبما أن الأرض كروية. فان هذه العملية قد انتهت، على ما يبدو مع استعمار كاليفورنيا وأستراليا وفتح أبواب الصين واليابان. هناك مسألة صعبة تواجهنا مفادها ان الثورة قريبة في القارة (أي في أوروبا د.خ) وانها ستتخذ في الحال طابعا اشتراكيا. ولكن ألن تُسحق حتما في هذه الزاوية الصغيرة ما دام المجتمع البرجوازي يواصل حركته الصاعدة في رحاب أكبر بما لا قياس له؟".

وهذا الطرح بالنسبة لكاتب هذه السطور وكأنه رؤية للمستقبل حيث تجربة بناء الاشتراكية زمن الاتحاد السوفييتي فشلت، حيث سحقت هذه التجربة لعدة أسباب منها الفشل الاقتصادي والبيروقراطية وفساد السلطة في الاتحاد السوفييتي وأهم الأسباب الفشل الاقتصادي وهنا أذكر ما قاله لينين: "بأنه لا يمكن للاشتراكية أن تنتصر على الرأسمالية الا اذا أصبحت إنتاجية المجتمع الاشتراكي ضعفي إنتاجية المجتمع الرأسمالي". 

وأذكر قول لينين الآخر:" لا يمكن أن تنتصر الاشتراكية بدون دعم حركات تحرر شعوب الشرق". وهنا أذكر بأن دعم الاعتراف بإسرائيل القاعدة الأمامية للإمبريالية العالمية في الشرق الأوسط كان لها أيضا دور حاسم في فشل تجربة بناء الاشتراكية في دولة أوروبية واحدة – روسيا.

من أشهر اقوال ماركس:

•    الفلاسفة فسروا العالم بطرق مختلفة ولكن المهم هو تغييره.

•    عن المجتمع الشيوعي سيكون: من كل حسب قدرته الى كل حسب حاجته.

•    هناك شبح يُطارد أوروبا شبح الشيوعية.

•    ان تاريخ أي مجتمع حتى الآن ليس سوى تاريخ صراعات طبقية.

•    الديمقراطية هي الطريق الى الاشتراكية.

•    ليس لدى البروليتاريا ما تخسره سوى اغلالها.

•    ان وحدة البرجوازية لا يمكن ان تهتز الا بوحدة البروليتاريا.

•    ان الوعي هو ذلك البناء الفوقي الذي تتجلى فيه جميع الأنشطة الإنسانية، لا نستطيع اطلاقا أن نتمثل الوعي في معزل عن الأوضاع الاجتماعية. ان الوعي على علاقة رئيسية بالإنتاج. فالناس يدخلون في علاقات انتاج معينة خارجة ارادتهم، تولد عندهم درجات متنوعة من الوعي".

•    الرأسمالية ستجعل كل الأشياء سلع (الدين، الفن، الأدب) وستسلبها قداستها".

•    ان تراكم الثروة في قطب واحد من المجتمع، هو في نفس الوقت تراكم الفقر والبؤس في القطب الآخر.

•    الفقر لا يصنع ثورة وانما وعي الفقر هو الذي يصنع الثورة، الطاغية مهمته ان يجعلك فقيرا، وشيخ الطاغية مهمته ان يجعل وعيك غائبا.

•    إذا اردت ان تكون نافها فما عليك الا ان تُدير ظهرك لهموم الآخرين.

•    يا عمال العالم اتحدوا ... لا يوجد لديك شيء لتخسره ... اكسر قيودك.

المصادر:

-لينين – المختارات المجلد 5.

-ماركس انجلز بصدد الثورة الاشتراكية – مجموعة.

- ماركس انجلز – مختارات.

-ملامح المستقبل – انجلز والمجتمع الشيوعي – بغاتوريا.

-أصول الفكر الماركسي – اوغست كورنو.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية