قاتل الله المرض والموت، كيف يفضحان عجزنا عند وقوع صديق أو غيابه. وأسعد الله وفاء ذاكرتنا، وأسعدنا بساكنيها، فهم، وإن كانوا أمواتا، أحياء فينا، لا يموتون ما دامت ذاكرتنا الفرديّة والجمعيّة تتمتّع بصدقها وتتمسّك بمن يستحقّون الحضور في الغياب.
جاء في الحديث، وإن كان ضعيفا، "اذكروا محاسن موتاكم"، فما بالكم بمن كثرت محاسنهم فتجذّروا أحياء وأمواتا في قلوبنا وفكرنا وذاكرتنا؟
ومن هنا، ها هو أبو العبد، الدكتور حبيب بولس، اليوم وبعد ثلاثة عشر عاما من الغياب، يجمعنا لنشرب القهوة معه كما كنّا نسعد بشربها برفقته في حياته.
كنّا صديقين، أحبّ أحدنا الآخر واحترمه لسبب يبدو بسيطا، ولكنّه ليس كذلك هذه الأيّام، أحسّ أحدنا بصدق الآخر وصراحته.
كانت للقهوة معه نكهتها الخاصّة التي لا يعرفها سرّها إلاّ من يعرف سرّ المزاوجة بينها وبين دخان السيجارة، متجاهلا أنّ ذلك الدخان ينخر الصدر!
كنّا حين نلتقي، نحتسيها وندخّن ونغوص في همومنا الشخصيّة وهموم مجتمعنا، جادّين أحيانا، وساخرين أحيانا أخرى، والسخرية كما تعلمون، ليست دائما للفكاهة والضحك، بل هي سلاح رهيب للكشف والفضح، وكثيرا ما تكون من أشدّ أنواع التعبير عن الألم.
كان أبو العبد نِعم الصديق الوفيّ الذي يدفق ما في قلبه بين يديك حتى قبل أن تسأل. عملنا في التدريس معا في كلّية "أورنيم"، كنت ربما المدرّس الوحيد الذي يحمل اللقب الأول فقط. وكان صديقي أبو العبد هو من أخبرني بأنّ فرعا جديدا للقب الثاني سيُفتح في الكليّة في العام القادم، نصحني وشجّعني على اغتنام الفرصة أثناء عملي هناك لاستكمال دراستي، فرحّبت بالنصيحة واستثمرتها. وهكذا بالإضافة إلى الصداقة والزمالة، أصبحنا نشرب القهوة كمعلّم وتلميذه، بعد انضمامي لأحد مساقاته في نقد الرواية.
صديقي وزميلي ومعلّمي، الدكتور حبيب بولس، هو من حبّبني بالرواية وقراءتها بعمق، وبالتالي نقدها. مثلا، كنت أعرف غسّان كنفاني، ولكن هو من عرّفني إليه بعمق، كاتبا وناقدا ومفكّرا، وعلامة بارزة في الرواية الفلسطينيّة كما وصفه الناقد الفلسطيني فاروق وادي في كتابه "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينيّة". وبفضل أبي العبد أصدرت كتابا بعنوان "البطل في النصّ السرديّ"، وكان كنفاني وبطله حامد، نموذج التطبيق في هذا الكتاب. وبعد صدور الكتاب في العام 2008، استضافني في برنامجه التلفزيوني، "بين الكلمات"، هذا البرنامج الذي عرّفنا بالكثيرين من أدبائنا المحليّين.
هو أيضا من عرّفني بديستويفسكي ورموز الأدب الروسي، وعلّمني كيف لا تكون الجريمة وعقابها زهرة إلّا في الأدب الروسيّ العظيم. بعد قراءتها ناقشناها معا في الدرس وفي لقاءاتنا الخاصّة.
كانت لأبي العبد نظرة مميّزة في الحياة والأدب، وكانت له ضحكة مميّزة أيضا، اعتبرتها جزءا من تلك النظرة. كانت نظرته صادقة لكنّها قلقة. وضحكته حين يُطلقها، كنت أشعر أنّه يدقّ بها ناقوس الخطر الذي يتهدّد بيتنا المقنطر.
نعم، حين نجتمع، كنّا نتفكّه أحيانا ونضحك، وأحيانا نسخر ونموت ألما. كان أبو العبد بفكره الثاقب وعقله الناقد، يُدرك أيّ معاناة نعانى، اجتماعيّا وسياسيّا وثقافيّا. واليوم حين أتذكّر تلك القعدات، أقول في نفسي وقلبي ينفطر ألما: "ولا تيجي اليوم يا أبو العبد وتشوف حالنا"، لم تعد "أيتام على موائد اللئام" تكفي.
اقرأوا مداخلته التي قدّمها في "مؤتمر الحقوق والثقافة الذي نظّمته جمعيّة "مساواة" في 11/10/2010، بعنوان "مسيرة الإنتاج الأدبيّ المحلّيّ وواقع القراءة"، اقرأوا وستُدركون كيف كان حبيب بولس يقرأ واقعنا الأدبي والثقافي وغيرهما، بعين ونظرة ثاقبتين. ولكن ما مدى استفادتنا ممّا كتب؟ أقول جازما: لا شيء، ولكن ليس لأنّنا لا نريد أن نستفيد، بل لأنّنا لا نقرأ، وأكثر من ذلك، وراءنا سلطة تشدّنا إلى الخلف، لا تريدنا أن نقرأ أو نستفيد. طبعا السلطة ليست كلّ العوامل، ولكنّها عامل أساسيّ ومهمّ جدا.
* * * * *
من الصعب أن نتذكّر الدكتور حبيب بولس، ولا نتذكّر الباحث المجتهد والنّاقد الموضوعيّ الشّجاع. كانت له طريقته الخاصّة بل فلسفته الخاصّة في النقد، فالنقد عنده ليس مدحا يغضّ الطرف عن مثالب المنقود، ولا ردحا لا يرى غيرها. لا بدّ للنقد أن يكونا موضوعيّا وبنّاء. والناقد كذلك، لا بدّ له إلّا أن يكون صادقا وشجاعا. وهكذا كان حبيب بولس الناقد، يقول كلمته كحدّ السيف، وليرضَ من يرضى وليغضب من يغضب.
جاء في إحدى مقالاته بعنوان "بين النقد والردح!": "إذا كنّا نحبّ أدبنا ونريد له العمق والأصالة والديمومة فيجب أن نرفض "نقد" الردح والمجاملات. الأدب يجب أن يكون أصيلا، فيه اكتشاف اجتماعيّ وفنّي، والناقد يجب أن يكون جادّا، موضوعيّا، صادقا عندما يُعجب بنصّ، وصادقا عندما يكتشف نقاط ضعف في نصّ آخر".
وفي مقالة أخرى بعنوان "النقد الذي نريده!"، أرسى الدكتور حبيب بولس أسس النقد التي يجب أن يعمل بها الناقد الذي يُريد للقبه أن يصبح مستحقّا. هذا ما قاله قبل ثلاثة عقود تقريبا، فكأنّي به حينذاك، بدأ يشعر ببوادر الإسهال الكتابيّ، ولا أقول الأدبيّ، الذي أصابنا لاحقا، وبنظرته الثاقبة التي اخترقت حدود الحاضر، رأى السيل قادما، سيل الردّاحين وأقلامهم التي ستنمو على ذلك الإسهال.
ونموذج آخر، وأخير في هذه العجالة. في مقالة أخرى له بعنوان: "حين يتوهّم الكاتب أنّه كبير!"، قال: "لا يصير الكاتب كبيرا إذا قتلته نرجسيّته ورأى نفسه فوق النقد والتوجيه ... وصار لا يقرأ سوى نفسه ويرى كلّ شيء عداه صغيرا تافها، ويهاجم النقّاد الذين تطرّقوا إلى بعض سلبيّات أدبه، لأنّه اعتاد التهليل والتصفيق".
هذا هو الباحث والناقد الحبيب، حبيب الذي أحببته واحترمته وشَرُفتُ بتتلمذي على يديه، حبيب الناقد الصادق الشجاع الذي يبحث عن الحقيقة ويكشف عنها ويقول كلمته لا يُنافق فيها أحدا، ولا يظلم أحدا أيضا. يبحث عن الحقيقة لأنّه يؤمن أنّ هناك علاقة وثيقة بين الحقيقة والإبداع، وهذه العلاقة لا تضمنها إلّا الحرية. وهل يكون الإنسان حرّا إذا لم تنطلق حريّته من حريّة التعبير عن الرأي؟
لقد آمنت وما زلت، كما آمن الدكتور حبيب بولس، بما قاله الناقد الفلسطينيّ المعروف، د. فيصل درّاج: "الفنّ لا يقول الحقيقة إلّا إن كان حرّا، ولا يكون فنّا إلّا إن قال الحقيقة. ولذلك فأنّ تاريخ الفنّ العظيم هو تاريخ الصراع ضدّ عوالم الاستبداد".
نعم، الإبداع قديما وعبر كلّ العصور، كانت وما زالت قيمته تكمن في قدرته على كشف الحقيقة. وما قيمة الحقيقة إن لم يجرؤ على كشفها وقولها ناقد شجاع لكاتب يتوهّم نفسه كبيرا؟!
وقبل أن أختم، لا بدّ أن أذكر أنّ للدكتور حبيب بولس فضلا كبيرا على ثقافتنا وأدبنا المحلّيّين، فقد أولى أدبنا الفلسطينيّ وخاصّة المحلّي، أي الأدب ضمن حدود الـ 1948، على حدّ تعبيره، أولاه اهتماما خاصّا في دراساته، وخاصّة في مقاربته التي نشرها بعنوان: "الأدب العربيّ الفلسطينيّ في إسرائيل، واقع وتصوّرات"، وبالطبع، هذه إحدى مقارباته الكثيرة في هذا المجال.
التزام أبي العبد بلغتنا وأدبنا وثقافتنا وقضيّة شعبنا، وهذا الإرث الغنيّ والكم الهائل من الكتب والدراسات التي تركها بين أيدينا، هما عزاؤنا الوحيد برحيله، وهما سرّ بقائه معنا وسرّ بقائنا على طريقه.
له الذكر الطيّب المؤبّد، ولكم الحياة.
(مداخلة في ندوة تكريم المرحوم د. حبيب بولس، والتي نظّمتها مؤسّسة محمود درويش للإبداع بالتعاون مع الاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين، في كفر ياسيف، الجمعة 2.5.2025).







.png)


.jpeg)



.png)

