إلغاء مسيرة العودة المركزيّة هذا العام هو سبب هذه المداخلة المستعجلة. قبل أن أدلي بدلوي في هذي الجزئيّة أبدأ بتحديد المنظومة الاصطلاحيّة الثلاثيّة على عجل: التاريخ والسرديّة التاريخيّة والذاكرة التاريخيّة. وهو أمر ضروري لتسيير النقاش وتيسيره.
التاريخ هو الحقيقة الموضوعيّة المتجرّدة. هو ما حصل بصفة فعليّة. هو حالة بكريّة، حالة نقاء وصفاء، حالة بدئيّة قبل كلّ محاولات التفسير والسطو المؤسّساتيّ الرسميّ والإغارة الأيديولوجيّة الممنهجة على الحقيقة.
السرديّة التاريخيّة هي التأريخ. هي فعل كتابة التاريخ. هي الرواية الخاصّة، هي النراتيف. هي التدوين والتوثيق والأرشفة. هي الكيفيّة التي يُسرد بها التاريخ ويُدوّن ويُوثّق. هي تفسير ذاتيّ للتاريخ. هي بالمختصر الكيفيّة التي يُنقل بها التاريخ من الأرض والواقع إلى الورق.
الذاكرة التاريخيّة هي ترجمة التاريخ والسرديّة، التي اتّفقت عليها وتحلّقت حولها جماعة من الناس، إلى موقف محدّد وإلى سلوك فعليّ. ماذا يفعل أصحاب التاريخ بتاريخهم؟ هذا هو سؤال الذاكرة التاريخيّة. كيف يتذكّرونه ويحيونه وكيف يتناقلونه جيلًا فجيلًا؟ وحتى يصير التاريخ موقفًا لا بدّ له أن يتمظهر في سرديّة تتبنّاها الجماعة، أي لا بدّ له أن يسكن الوعي الجمعيّ. إذًا، كيف يحفظون سرديّتهم وروايتهم في هذا الوعي الجمعيّ؟ هذا هو السؤال. الذاكرة التاريخيّة بالمختصر المفيد هي الكيفيّة التي يُنقل بها التاريخ من الورق إلى الوعي.
النكبة هي تاريخ، هي حقيقة تاريخيّة. وعلى مستوى اللغة، هي من جوامع الكَلِم. هي فعل تسمية جامعة لكلّ ما حصل بالفعل من أشكال القتل والتهجير والهدم والخراب. على العموم والإطلاق، لا يمكن للّغة أن ترتقي إلى مستوى الواقع. وهكذا لا يمكن أن تحيط لفظة "نكبة" بكلّ ما حدث بالفعل في التاريخ. ولذلك هي في المحصّلة النهائيّة توصيف تقريبيّ. حتى هذا التوصيف القاصر تحاربه المؤسّسة السياسيّة في إسرائيل. إسرائيل تخاف من اللغة. ومن لا تعجبه هذه التسمية فليبحث هو عن تسمية أخرى لكلّ أشكال الخراب التي سبق ذكرها.
لا بدّ أن يغادرنا بعد سنوات قليلة آخر من خبر النكبة على جلده وآخر من عاشها بصفة عمليّة. هذه هي سنّة الله في خلقه. جيل النكبة سيصير جزءًا من التاريخ. لكنّ النضال لا ينحصر في معاصرة التاريخ نفسه ولا يقتصر على من عاش التاريخ بل يتجاوزه إلى ضرورة المحافظة على السرديّة وتثبيتها في الذاكرة العامّة. وما هي الذاكرة؟ الذاكرة لا تكتفي بترادفات المخزون والحاضنة. وهي لذلك تتجاوز مفهومها الكميّ التراكميّ.
ليست الذاكرة التاريخيّة فعل تذكّر بالمعنى العضويّ. التذكّر بهذا المفهوم هو تأكيد المعنى الماضويّ للتاريخ، هو تأكيد لمعنى الانقضاء والانتهاء. أمّا الذاكرة التاريخيّة بمعناها العقائديّ فتعني المذاكرة والتذاكر كفعل سياسيّ مستمرّ غير منقطع متنوّع ممتدّ على كلّ المجالات المعرفيّة. والتذاكر والمذاكرة التي أعنيها تحمل معنيين: فعل التداول والتبادل وفعل القراءة. سأوضّح.
حين نسيّر مسيرات العودة كلّ عام في تاريخ محدّد إنما نبرهن على انقضاء التاريخ وحصر النكبة في طقس تذكّري مضغوط في يوم واحد لاهث منقطع متوقّف منتهٍ منقضٍ. والنكبة بحمولتها الثقيلة تحتاج إلى مذاكرة وتذاكر مستمرّ على كلّ الأصعدة والمستويات المتاحة والمباحة. تحتاج إلى توزيع حكيم أو بعثرة فاعلة موزّعة على مدار العام. مسيرات العودة التي تقام كلّ عام مرّة هي في غاية الأهميّة. لكنّي أخشى أن تعفينا هذه المسيرات الطقسيّة من حمل الذاكرة التاريخيّة وتحلّلنا من ثقلها وضغط محتواها على الأنا والضمير. النكبة ليست مناسبة تاريخيّة عابرة حتى نحييها بتظاهرة عابرة أو أيّ طقس تظاهريّ استعراضيّ مارق رغم قيمتها الرمزيّة الكبيرة. والكلام ليس للمناكفة أو المزايدة على أحد بقدر ما هو للنقاش المفتوح الصريح. ولذلك لا بدّ للتذاكر الذي أدعو إليه أن يستغلّ أقصى ما تسمح به هوامش الفعل السياسيّ في إسرائيل. من جهتي مثلًا، أنا أدرّس مساقًا جامعيًّا ثابتًا عن الأدب الفلسطينيّ منذ ما ينيف عن ثلاثين عامًا وأحرّض طلّابي في الدراسات العليا على كتابة أطروحاتهم في هذا المجال. وهذه مساهمة متواضعة تتيحها الأكاديميا لكنها متواصلة وأثرها امتداديّ. وكلّ في موقعه ووفق قدرته ووسعه.
وهكذا ينبغي أن تساهم بفعل التذاكر الذي أعنيه كلّ الجهات السياسيّة والثقافيّة والأدبيّة والتعليميّة والدينيّة والسلطات المحلّيّة والأحزاب. وهذا يحتاج إلى خطط عمل مدروسة متأنّية متعدّدة الجوانب مثلما أسلفت وممتدّة على مدار العام كلّه. إلغاء مسيرات العودة هو سبب هذه المداخلة. وهي فرصة حقيقيّة لتقليب النظر في مشروع الذاكرة وإعادة ترتيب الأوراق في هذه المسألة. وهذه كلّها في رقبة الأحزاب العربيّة والمجالس البلديّة ولجنة المتابعة العليا بكلّ أذرعها ولجانها.






.png)


.jpeg)



.png)

