استضافت القاهرة قبل أشهر، في أقل من أسبوعين، اللقاء الثاني لقادة عدد من الفصائل الفلسطينية. اللقاء، كما الأول، لم يخصص لموضوع الوحدة الوطنية وإنهاء الانفصال. بل فيما يبدو لتثبيت الانقسام الجديد الذي خرج به اللقاء الأول.
على مدى السنوات السبع عشرة الماضية استضافت ورعت عواصم عربية شقيقة، وعواصم صديقة، لقاءات ضمت قادة أحزابنا وفصائلنا المباركة، للبحث في، وإنجاز مهمة إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية. وعن أكثرها صدرت بيانات، حكت عن اتفاقات بشرت شعبنا خيرا. ثم كان أن طويت وذهب ريحها قبل أن يجف حبرها. والمحير أن أحدا من القادة مدمني اللقاءات لم يراوده شعور بأي خجل بعد عودته ومواجهة بعض شعبه. وأظنني لا أبالغ حين أقول أن أحدا من هؤلاء ومن حاشياتِهم لم يطرح السؤال الفاصل: لماذا يتكرر فشل اتفاقيات إنهاء الانقسام؟ ولماذا تتواصل استجابات القيادات لاسْتضافات العواصم؟
قد يقال إن هذه الأسئلة طرحت مرارا، وإن سرد المبررات تواصل، كما تواصل حديث الشمَّاعات، وفي المقدمة شماعة العدو. الشماعة التي اعتدنا الاتكاء عليها كونها تكفل وتُقَوِّي المناعة ضد الاعتراف بالأخطاء، وتزود بلاصق تثبيت على الكراسي مضمون الفعالية. شماعة تسد كل الطرق على أي محاولة جادة للبحث فَمعرفة حقيقة مُفعلات ديمومة الحال. مُفعلات هي أكبر من كل النوايا الحسنة لإنجاز مهمة بضخامة وصعوبة إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية. لماذا وكيف؟
في محاولة الإجابة سَأستلهم وحيا من غزة.
في العقود الستة الماضية نسف الاحتلال ودمر آلاف البيوت والمحال في القدس والضفة. وفي آخر الحروب على غزة نسف ودمر آلاف الأبراج والبنايات الضخمة؛ مباني الجامعات، المدارس، رياض الأطفال، المستشفيات، مراكز وقاعات الثقافة، المتاحف، الكنائس، المساجد. وفي الداخل، وكمثال ناطق، دمر قرية العراقيب 255 مرة حتى الآن. وفي غزة أعيد البناء مرة واثنتين وثلاثا والحبل على الجرار. كما أعيد البناء في الضفة للعديد من البيوت وفي نفس المكان.
ما أريد قوله أنه في كل مرة أعيد فيها البناء، كان أن سبقت أعمال إزالة الركام أعمال إعادة الإعمار. لماذا؟ لأن البناء، الإعمار لا يقوم على الركام ولا على أقل البقايا منه. ما يبنى على الركام سريعا ينهار. هذه بديهية. وكما هي بديهية هندسية هي بديهية تنظيمية وسياسية. ولكن..
لكن كل الرؤى التي يتحفنا بها "أهل الرأي!"، كل الشعارات التي تنطلق منها وتبني عليها، وبالتالي كل محاولات تطبيقها، حسنت النوايا أو خبثت، تواصل مخاصمة البديهية السابقة. تواصل اعتماد نظرية البناء على الركام. والنتيجة ما نراه من طوي البيانات وذهاب ريحها قبل أن يجف حبرها. لماذا؟
أي متابع لمسيرة النضال الوطني الفلسطيني تنطحه الحقيقة الساطعة الثابتة. حقيقة أن الشعب الفلسطيني لم يهدأ، لم يتوانَ، لم يتكاسل، لم يتخلف يوما عن مواصلة النضال، عن تقديم التضحيات، أغلى التضحيات لصيانة قضيته. فهو ومنذ بداية القضية، مطلع سبعينات القرن التاسع عشر، لم تفتر له عزيمة، ولم يهدأ له حال فترة تزيد عن خمس سنوات. تَتالت موجات نضاله. تنوعت أدواتها، وتنوعت وسائلها وأساليبها. ولأن الخذلان كان من نصيب النضال السلمي الذي تواصل نصف القرن الأول من عمر القضية، كان أن تصاعدت وتائر التوجه للأساليب والوسائل العنيفة مع بدء الدرك العثماني في اقتلاع الفلاحين المزارعين من أراضيهم، وتسليمها لليهود بدءا من العام 1881، وقيام مستوطنة فَمدينة بتاح تكفا. موجات عديدة للنضال السلمي والعنيف تتالت منذ ذلك التاريخ، شكل بعضها محطات بارزة. ومثل كل ثورات الدنيا التي يواجه فيها شعب بحجم وقدرات شعبنا قوى إمبراطورية عاتية - بريطانيا العظمى ثم أميركا وربيبتها إسرائيل -، حدث أن نتائجها شهدت مدا وجزرا. حصدت نكسات كما حققت مكاسب بددها خبث، مكر وحيل الأعداء كما ضعف وقلة حيلة قياداتنا السياسية.
موجات النضال، كما في الدنيا كلها شهدت أفعالاً وسلوكيات إيجابية، وشابتْها سلوكيات وأفعال سلبية. ولأن الصراع بين الضدين لا يهدأ ولا يتراجع، عايش المواطن في كل موجات النضال الفلسطيني طغيانا لِلسلوكيات والأفعال السلبية على نقيضتها الإيجابية. طغيان تبلور في صورة فساد عام، استدعى الشكوى الشعبية المريرة في حينه وفي كل حين. وكان أن حدث تراكم لكل ذلك. تمخض عنه جبل من تراث مقدس جمع ما بين السلبي والإيجابي، متخذا شكل وصورة تل الردم الناجم عن سقوط بناية بحجم ومكونات ناطحة سحاب. واصلنا اعتماد هذا التراث المقدس بعجره وبجره. نعيد ونكرر مكوناته ونحصد فشلا في إثر فشل، وحيث لا نقف عند ما وصلنا إليه.
ما الذي أريد قوله؟ أريد القول أن محاولات تطبيق أفكار ورؤى "أهل الرأي" واصلت الإصرار على إعادة الإعمار على جبل التراث الهائل هذا دون محاولة لإزالة سلبية واحدة من سلبيات تكوينه. وعليه كان تحقيق النجاح في إقامة البناء المنشود من عاشر المستحيلات. وظني أن ذلك يفسر هذا الإخفاق المتكرر لمحاولات إنهاء الانقسام. والأدهى أن اعتماد نظرية البناء هذه قد تكلفنا قرنا آخر من الويلات والآلام.
إذاً، ما الذي علينا فعله؟ الجواب بسيط. علينا العمل بما تقتضيه البديهية الهندسية. البدء بإزالة الركام. البدء برفع وغربلة جبل التراث هذا. غربلته بغرض التخلص من كل سموم السلبيات. بعد ذلك فقط يمكن البدء بإعادة الإعمار. كيف؟
لا يتطلب الأمر إعادة اختراع العجلة. ذلك أن إعادة تقييم الأحداث الكبرى التي تشهدها الأمم والجماعات؛ كالحروب وموجات النضال، غدت قواعد عمل دستورية، كما تراثا عالميا و إنسانيا. الأمم الحية تعمد إلى إجراء عمليات مراجعة وتقييم في أعقاب كل حدث مهم. وفي المراجعة تشكل لجان اختصاص، تقوم بالدراسة والبحث. تفرز السلبيات عن الإيجابيات. تستخلص العبر. تلفظ السلبيات وتراكم الإيجابيات. تصوغ ذلك في توصيات وتوجيهات. لكننا، وفي كل مسيرتنا النضالية عاكسنا ذلك. لم نخضع حدثا واحدا لعب دورا ما في مسيرة نضالنا، مثل ثورة 36 - 39 أو الانتفاضة الكبرى، لإعادة التقييم. حتى النكبة بكل ما جرته علينا وعلى القضية من مآسي وآلام، لم تثر في عقلنا الجمعي ما يوجب إعادة التقييم. فكان هذا الاندماج المميت بين السلبيات والإيجابيات. والمدهش أننا سَورنا ذلك وحصنَّاه بكل أنواع المقدسات والمحرمات؛ جلد الذات، لوم الضحية.. إلى آخر الموال. فكان أن جبل التراث بدل أن يكون هرما يخطف الأبصار قد غدا أشبه ما يكون بجبل الردم لناطحة سحاب. ولكن …
لكن أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدا. ماذا يعني ذلك؟ يعني أن تحقيق وحدة وطنية يتطلب منا ويوجب علينا إخضاع كامل تجربتنا النضالية، بدءا من سبعينات القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا، لإعادة التقييم، للفحص، للدرس، للبحث، فَاستخلاص العبر. لكن علينا الانتباه لما يلي:
1- أن لا علاقة للسلطتين في الضفة وغزة، كما لقيادات الأحزاب والفصائل بهذه المهمة. تشكيل لجان البحث، الدرس وإعادة التقييم، التمويل، الحماية، توفير المستلزمات، الوثائق، الأجهزة، والمواد المختلفة، ليست من اختصاص السلطة التنفيذية، بل من اختصاص جهة رقابية في الدولة غير متوفرة لدينا.
2 - المهمة كبيرة، ثقيلة، وشديدة الصعوبة. فيها من المصاعب والعقبات الكثير الكثير، وفيها السياسي على الاجتماعي، على الإيديولوجي، على الاقتصادي على القانوني، على التاريخي.. الخ يحتاج تنفيذها عددا من اللجان ومن الباحثين المتخصصين في مختلف الفروع، والذين هم متوفرون في الجامعات، في النقابات المهنية، في القضاة المتقاعدين، في اتحاد الكتاب، في الأُدباء، وفي المؤرخين.. الخ، وإدارة شخصيات وطنية تحظى بالإجماع الوطني.
3- الأمر الأساس في هذا العمل هو التطوع للخدمة الوطنية، من الباحثين وغير الباحثين، وضمان حرية البحث التي هي مربط الفرس. ذلك أن الاقتراب من السلطة لضمان التمويل، أو من أي جهة مانحة، كما هو دأب المنظمات الأهلية، هو بمثابة الحكم على العمل بالموت وقبل أن يبدأ.
4 - ولأن المهمة بهذه الضخامة وهذه الضرورة، فلا أظن أن شخصا واحدا، أو بضعة أشخاص، مهما بلغت قدراتهم وطموحاتهم، وقبل ذلك صدق وطنيتهم، امتلاك الإحاطة بكل المتطلبات. أظن، وأعيد حتى لا نضيع قرنا آخر، أن المجال مفتوح فيها للاجتهاد، للمبادرة، للأفكار الجديدة الخلاقة. فهلا خطونا ولو خطوة واحدة بدل استدامة الركض وراء الأوهام وما يعقبه من نواح؟
وأختم بالسؤال: هل لو أنجزنا كل ذلك سَتتلاشي باقي مُفعلات ديمومة الحال؟







.png)


.jpeg)



.png)

